[السؤال الحادي والعشرون: الرد على الأخ «أبي طواري» المعترض على الشيخ «عطية الله» وعلى الحركة الجهادية]
شبكة أنا المسلم: دار في الصفحات كلام طويل للأخ «أبي طواري»، يعترض فيه على الشيخ «عطية الله»، وعلى الحركة الجهادية، وذكر فيه عدة مسائل ناقش فيها الشيخ؛ فما جواب الشيخ على كلامه؟ وحبذا لو أفرد لهذا الموضوع شيئا من التفصيل؟
الشـيخ عطية الله:
الحمد لله، توكلت على الله، اللهم يسّر وأعن..
قد وقع لي مع الأخ «أبو طواري» عدة نقاشات سابقة، ويبدو أننا لم نصل لتحرير محل النزاع جيدا، وتحديد نقاط الخلاف بدقة، وصعُب علينا أن يفهم بعضنا بعضا فهما حسنًا بسبب ضعف قناة التواصل؛ فالكتابة لا تفي بالمقصود كاملا في مثل هذه الأمور.. والأخ «أبو طواري» عنده أفكار كثيرة جيدة وأنا وجدت نفسي متفقا معه في الكثير، لكن أيضا هناك بعض الأفكار الرئيسية هو يؤمن بها لا أراها إلا مجانبة للصواب.!
وقد رأيت أن أجمل بعض ما فهمتُ من أفكار الأخ الكريم، لأن اعتراضه هو جزء من فكرة شاملة، تختلف كثيرًا مع فكر الجهاديين.. وله أن يردّ في صفحة التعقيب أو في أي موضع يشاء، ومرحبا بالمناقشة معه ومع كل إخواننا على قاعدة المودة والمحبة والإخاء والاحترام.
فأخونا أحيانا يريد العلماء أن يقودوا الجهاد.. قلنا له: إن العلماء لن يقودوا الجهاد، ولن يستطيعوا، فلا تطمع في هذا، وإن العلم والسياسة -ومنه العمل الجهادي اليوم- انفصلا منذ ما بعد عصر الصحابة إلا ما شذّ.! وقسط كبير من اللوم واقع في هذا على العلماء أنفسهم، وإنه قد كانت الفرصة سانحة للعلماء في وقتٍ من الأوقات فقصّروا إلا من شاء الله؛ فتكون في ساحة العمل الإسلامي والجهاد قيادات أخرى غيرهم غالبهم ليسوا متخصصين في العلوم الشرعية، لكن هذا في حد ذاته ليس عيبا؛ فهم رجال سياسة وحربٍ، وعليهم أن يسألوا العلماء عما جهلوه من أحكام الشرع التي يحتاجون إليها، ويشاوروا أهل العلم والفكر والرأي.. الخ.
ما تكلمنا فيه كثيرا، ومع هذا فالفرصة مازالت -ولن تزال إن شاء الله- متاحة للعلماء أن يقتحموا ساحة الجهاد مع إخوانهم ويقودوا المسيرة، القيادة العملية أو العلمية أو هما معًا، والله يرفع من يشاء ويفتح على من يشاء ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩﴾ [العنكبوت].
ومرة يريد الأخ أبو طواري من القاعدة أن تترك الأمر وتنزع القميص الذي ألبسها الله إياه، وتأتي منكسرة معترفة بخطئها وتعتذر عن افتئاتها على الأمة -كذا!-، وعدم مشاورتها للعلماء وإدخالها الأمة في حربٍ ليست متكافئة وهي لم تستعد لها.. الخ.
وهذه الأخيرة هي فكرة جزئية تحتاج إلى بحث ومناقشة أيضا، وتقول للعلماء -الذين يُحددهم «أبو طواري» - أنا بين أيديكم قولي لي ماذا أفعل..! وقد ينصحها أولئك العلماء بحل نفسها وتسليم كل أفرادها أنفسهم لوليّ الأمر!! وإنما قلت: «العلماء الذين يحددهم أبو طواري»؛ لأن أخانا «أبا طواري» لا يقنعه أن تشاور القاعدة بعض العلماء في شرق الأرض أو غربها، ولو نفرًا قليلا منهم، ولو سرًّا لضرورة الواقع المعروفة، ولمحاربة أولياء الأمور للقاعدة وللمجاهدين حيث كانوا، لا يقنعه ذلك حتى تستشير جماعة مخصوصة معروفة مشهورة، هم الجمهور الذين يدور عليهم الأمر عنده..!
ومرة يقول إنه مع الجهاد ومع المجاهدين، ولا ندري مع أي الجهاد والمجاهدين هو؛ لأن الجهاد هو واقع في الميدان، فهو إذا أخرج القاعدة ومن قاربها ووالاها من الجماعات في أنحاء الأرض اليوم، فلن يبقى معه -كما ترون في كلامه- إلا حماس والجهاد في فلسطين على ما فيهم، بارك الله فيهم، ثم لا يجد ما يمدح به هاتين الجماعتين المجاهدتين إلا أنهم لم يكفروا عرفات وأبو مازن ولم يتبرأوا منهما ومن السلطة الفلسطينية الكفرية -لم يستعدوا حتى العلمانيين المصرّحين بعلمانيتهم-! فهو يجعل هذا الشيء الذي قصاراه أن يكون إخواننا في حماس والجهاد الإسلامي معذورين فيه يجعله من أكبر مناقبهم ويمدحهم به يقول إنهم هم المجاهدون حقا من أجله..!
وفهمتُ أن «أبو طواري» يعتقد أن الأمة الآن ضعيفة لا تقوى على محاربة عدوّ، ويقول: إن نسبة الملتزمين في الأمة لا تتجاوز عشرين في المائة، ويظن أنهم لذلك لا يقدرون على ما تدعوهم إليه القاعدة من جهاد وتغيير..!
وغفل عن قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقول نبينا ﷺ: (ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة)٧٢٢سنن أبي داود (2611)، سنن الترمذي (1555) وصححه الألباني.، وأن هؤلاء العشرين في المئة هم من يحرك المليارات وراءهم وأن هذه هي سنة الله في خلقه منذ أول تاريخ البشرية وصراعات أممها وحروبهم، الغالبية الساحقة من البشر يُساقون سوقًا ويحرّكهم ويقودهم أفراد قليلون، ولم يدرك «أبو طواري» أن الملتزمين أكثرهم لا يجاهدون، وإنما يجاهد عند الفزعة والهيعة وعندما يحصص الحق المسلمون العاديون البسطاء الذين لا ندخلهم اليوم في دائرة الملتزمين ولا يشملهم إحصاء «أبو طواري»، أولئك المسلمون الذين لم تتلوث أفكارهم بالوساوس ولم تذبل عزائمهم بالحسابات المعقدة، والذين هم ذخيرة الإسلام، شبابًا وشيبا، ونحن رأينا هذا وعشناه؛ فاسأل به خبيرًا، ولله الحمد والمنة!
ويعتقد أبو طواري أن ما يسمّيه بـ«الصحوة» المباركة ولا ندري ما هي حدودها عنده؟ هي ثمرة جهود مجموعات من العلماء والدعاة وأنه علينا أن نترك لهم الأمر حتى يكملوا هم المسيرة والقيادة، وهذا القول باطلٌ، ولعلي أناقشه في فرصة أخرى، ويكفي على الجملة أن يقال في ردّه: إن الصحوة الإسلامية وهذه النهضة واليقظة التي شهدتها أمتنا في عقودها الأخيرة هي نتيجة تراكمية لجهود وأعمال وجهاد الكثيرين من العلماء والدعاة والمجاهدين وقوّالي الحق والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وأهل التضحية والفداء والابتلاء في أنحاء الأرض، وليست نتيجة عمل فرد أو مجموعة أفراد محصورين معينين حتى يحاجُّونا بأن نترك لهم الزمام، بل إن أولئك الذين يشير إليهم «أبو طواري» ليسوا إلا ثمرة من ثمرات دعوة وجهود من قبلهم ومن سبقهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم هو لا يستطيع أن يعيّن ويحدد من هم هؤلاء الأشخاص الذين يريدنا أن نترك لهم الزمام، لن يستطيع!! ثم هم مختلفون بينهم اختلافات كثيرة، ثم هذا باطل لأنه يصادم قاعدة أن الحق هو المتبَع لا الأشخاص، فلو قال لك قائل: أنا أرى أن هؤلاء الذين تشير إليهم أخطأوا وأساءوا -مع كثرة خيرهم أيضا ولا نبخس أحدًا حقه- فكيف تأمرني أن أترك لهم القيادة وهم ليسوا أهلا لها وقد وُجد من هو أفضل منهم وأولى؟ وهل نستمر على أخطائهم وزلاتهم وقصورهم أو نصحح ونتبع الحق؟ ثم لو جئنا نحدد من هم هؤلاء الذين بنوا الصحوة كما يقول لربما وجدنا «جماعة الإخوان المسلمين» -وهذا من الإنصاف لهم- هم من أوفر الناس حظًا في بعث الخير في الأمة في قرنها الأخير بارك الله فيهم وتقبّل الله منهم وعفا عنهم، حتى إن جماعة من علمائهم لما قوي هذا المعنى عندهم واستولى على فكرتهم قالوا بأن «جماعة الإخوان المسلمين» هي الجماعة التي مَن خرج عليها فقد خرج على الجماعة وخلع ربقة الإسلام من عنقه! -وهو قول باطل بلا شك- وسمّوها «الجماعة الأم» و«جماعة المسلمين» وغير ذلك، أو نقول: دعوة وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده وأصحابه النجديين، وأنت ترى أن من تشير إليهم اليوم مخالفون للشيخ محمد بن عبد الوهاب في الكثير.!! -حتى إن أحد كبار الطائفة التي يشير إليها «أبو طواري» ينصح الآن بترك الاشتغال بكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أو التقليل منها، ويرى فيها غلوًا، ونسأل الله الستر والعافية-؛ فكيف يخالفون هم من سبقهم ولا يريدون لمن بعدهم أن يخالفهم، هذا ليس عدلا! وتكفي هذه الإشارات.
ويدندن أبو طواري كثيرًا حول السنّ والخبرة وما قاربها من المعاني، وهذا شيء لا نخالفه فيه بل نوافقه في أهمية كبر السن والتجربة في الحياة وفي مداولة المسائل وطول الزمن في دراسة العلم والفكر، وحديث (حدثاء الأسنان..)٧٢٣صحيح البخاري (5057، 3611) وزاد: (سفهاء الأحلام). يُرعبُ قلب كل مؤمن، ولكن أيضا نحن نعرف أن العمر لا اعتبار له في إصابة الحق، وأن الحق أحق أن يتبع، ولا نظر في العلم إلى كبير أو صغير، ونعرف أن زعيم علماء الأمة الذي روي أنه يأتي أمام العلماء بكذا يوم القيامة وهو معاذ بن جبل توفّي وله بضعة وثلاثون عامًا من العمر في الدنيا، وشيخ الإسلام ابن تيمية كان إماما مفتيا وجلس لدروس التفسير يحضر له العلماء وعمره إحدى وعشرون سنة، وذلك كثير جدًا في العلماء وفي القادة العسكريين والسياسيين، وحتى بعض من يشير إليهم «أبو طواري» تصدّروا وصاروا مدرسةً في الحركة الإسلامية وهم في الثلاثينات من أعمارهم.!
صحيح أننا نوصي أنفسنا ونوصي إخواننا الطلبة بمعرفة قدر أنفسهم وأن لا يتقدموا من هم أعلم وأعرف وأكبر منهم سنًا.. الخ، وهذه من أصول تربيتنا، ولكن أيضا من الحق الذي نؤمن به وندعو إليه أن الحق إنما يعرف بدليله وبرهانه لا بقائله؛ فكبر السن أو صغره والشهرة أو الخمول ونحوها لا يعارض بها البرهان عند البحث والمناظرة، إنما المقارعة بالبرهان وحده.!
وأما ادعاء الإجماع فخطأ واضح اجتنبه الأخ «أبو طواري» واستعاض عنه بمسألة الكون مع الجمهور الأعلم والأعرف والأكبر سنًا وخبرة وتجربة والقول باحتمال الخطأ والتراجع من طالب العلم.. الخ.
ونحن نقول له: إن احتمال الخطأ والتراجع من الجميع وارد وإن زاد هذا على هذا، وإذا كان من أسباب ذلك لدى الشابّ صغر سنه فعند كبار السن أسبابٌ أخرى تقاربه أو تربو عليه! وبكل حالٍ فهذه مسألة تربويةٌ ينصح بها الإنسان نفسه وإخوانه ويعتني بها مريد الخير في خاصة شأنه، لكن -كما قدمت- لا تُعارض بها البراهين عند البحث والتحقيق.
ثم مسألة الخبرة التي يتكلم عنها تحتاج إلى ضبط؛ فكم رأينا شابًا في العشرينات والثلاثينات عنده من الخبرة في الحياة وإدارة شؤون البشر وسياستهم ما يفوق أصحاب الستين، لأنه خاض التجارب وخالط وتخصص وقرأ في هذا المجال واعتنى به، وأولئك لم يخالطوا ولم يجربوا ولا اعتنوا فمن أين تأتي الخبرة؟ أمن مجرد الجلوس وإن لطلب العلم؟ فقد يقول لك قائل الآن على سبيل المثال إنه يعتقد أن يوسف العييري رحمه الله ورضي عنه أعظم خبرة وأوثق في الرأي من كثير من كبار العلماء بالشريعة الذين تشير أنت إليهم.!!
وهذا الكلام إنما نقوله للاضطرار إليه في المناقشة، وإلا فهو ليس نهائيا وما كان أغنانا عنه! ويحتاج إلى تدقيق أكثر.. والمقصود هنا الحث على المراجعة والتأمل.
وأما الإلزام بالأخذ بقول الجمهور فهو باطلٌ، إذا ظهر الدليل ولاح البرهان، وفي المسألة تفاصيل. ولعلي أزيده إيضاحًا فيما يأتي إن شاء الله، أو في فرصة أخرى.
وقلت لأخي «أبو طواري» في مرة سابقة إن قول الجمهور في مسألة الخروج -على الحكومة- قوي في الاعتبار، لأنها مسألة راجعة إلى تقدير المصالح والمفاسد والنظر للإسلام والمسلمين؛ فالرأي فيها رأي الجماعة، وترك الشذوذ والتفرّد هنا مؤكد أيما تأكيد.. لكن لا يمكن أن تحتج على معتقد كفر فلان أو علان برأي الجمهور، ما دام قد ظهر له الحق واتضح لديه.
والله أعلم، وهو وليّ التوفيق.
والآن نأتي لبعض التفصيل:
قوله غفر الله له: «المشكلة أن الشيخ ينطلق من أصل يسلّم به وهو تكفير الحكام -بدون استثناء- وهو ما يخالف به كبار العلماء السلفيين: -ابن إبراهيم، وابن باز، وابن عثيمين، والألباني وغيرهم- وهؤلاء العلماء فضلا عن فارق العلم والتأصيل والسن والخبرة والتجربة والحكمة والاطلاع والاختصاص وشهادة القريب والبعيد لهم، والقبول فهم أيضا أقرب إلى حكام الجزيرة، وأكثر اطلاعا بأضعاف ما عليه الأخ الكريم» اهـ.
التعليق: أولًا لا أريد أن أنجر إلى الكلام في الحكومة الفلانية لأن هذا ليس موضعه ولن أكون في موضع نَصَفٍ في نقاشه، وأحتفظ برأيي فيها.
ولكن قوله «تكفير الحكام بدون استثناء«، هذا غلطٌ عليّ، ولن يجد «أبو طواري» تصريحا لي بذلك أبدًا؛ فأنا لا أعرف أنني قلت في حياتي ربما: كل الحكام، وإنما عبارتي دائما هي أكثرهم وأغلبهم ونحو ذلك، وذلك للاحتراز ممن لم أعرفهم، وممن وقع الخلاف فيهم، واقتداء بالكتاب العزيز كما في قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨﴾ [التوبة] ونحوها، وفي ذلك بركة وكفاية.
وذكر الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله هنا هو مجرّد تهويل لا غير!! فالشيخ رحمه الله متوفى منذ ما يقارب الثلاثة عقود؛ فكيف يقال إنني خالفته، وهل حضر الشيخ حرب أفغانستان والعراق و«مؤتمر مكافحة الإرهاب»؟ الشيخ رحمه الله إنما رأى في وقته بعض الانحراف وبداياته وكان ذلك من خلال قوانين «الغرفة التجارية»، فتكلم فيها ونصح ونصّ على أن بعض تلك المخالفات كفر مخرج من الملة؛ لم يكفر الأشخاص.. نعم، لكن هل عدم تكفير الأشخاص يستمر إلى ما لا نهاية؟ ثم كيف لو رأى اليوم ما آلت إليه «الغرفة التجارية» من تطورات، وقوانين النشر والإعلام، وصروح الربا المصرّحة بناء على قوانين «الغرفة التجارية»، وكيف لو رأى الموالاة والمظاهرة في أظهر صورها للصليبيين على أهل الإسلام، وكيف لو رأى المودة المكشوفة، وغيرها وغيرها..؟!
إن كانت الظنون تنفع؛ فظني أنه لو كان بيننا لكان رأيه أقرب إلى رأي عبد الله الرشود!
والشيخان ابن باز وابن عثيمين والشيخ الألباني رحمهم الله لم يشهدوا أيضا ما بعد «احداش سبتمبر»، ولهم آراء واعتذارات معروفة عن القوم، ليس من شرط المؤمن أن يوافقهم عليها، وإلا فانظر إلى كلام ابن باز رحمه الله مجردًا في مسألة الإعانة والمظاهرة؛ فهو من أقوى كلام تجده في كتب أهل العلم على الإطلاق، وأما عند التطبيق على الواقع فيقع الاختلاف.
وما على المؤمن -عالم أو طالب علم أو عاميّ- أن يخالفهم في اعتقاد كفر فلان أو عدم كفره حين يرى الحق ويتضح له البرهان؟
ولكني أنصفك أخي الكريم، أنا أترك لعلماء السعودية وأهل الرأي فيها الكلام في حكومتهم ولا أتكلم فيها.
والتخلص من السؤال عنها أمرٌ سهل ميسّر، بالقول إنني لا أعرفها جيدًا، وبعيد عنها، ولم أبحث أمرها جيدا لأنني لست مبتلىً بها، وأحيل إلى علماء البلد وأهل الرأي فيه؛ إذا كان ذلك يقرب بيننا وبين إخواننا وأحبابنا.
وهل رأيتني أفتتح المواضيع وأدعو إلى اعتقاد كفرها؟ أبدًا ما فعلتُ هذا لا في هذا المنتدى ولا غيره، ولا أراه مما يهم جدًا، والخروج عليها لو شووِرتُ فيه لما أمرتُ به، وإنما لما وقع فأنا لا أنصر ظالمًا اختلف الناس في كفره وخروجه من ملة الإسلام وبحثوا في أمره -على الأقل- على شباب الإسلام أهل الدعوة والجهاد؟ هذا خلاف ديني، معاذ الله!! فإما أن أسكت وأعتزل، وإما إن اضطررتُ للكلام أن أنصف أهل الحق وأدعو لهم وأنصرهم بكلمة حق وإنصاف.
والذين وقفوا مع الحكومة التي ذلك وصفُها ضدًا للشباب بحجة أن الشباب فجروا وقتلوا بعض المسلمين في حربهم مع الحكومة -وقد قَتل عبد العزيز بن سعود أضعاف أضعاف ما قتلوا- فقد صرّحتُ بأني أراه خطأ، وأنا أعتقد أن ما يحمل الكثيرين منهم على ذلك هو الخوف على مشاريعهم وعلى أنفسهم وعلى أمنهم وراحتهم، هذا ظني للأسف وأرجو أن أكون مخطئا، لكن ماذا نفعل في هذه الأزمان أزمان الفتنة؟!
وقد أرى في الحوارات في هذا «المنتدى» أو غيره من يدعو إلى حسن الظن بأولئك الحكام ويثني عليهم ويحاول تحسين صورتهم؛ فأرى حقا عليّ ودينًا لله تعالى وتقىً أن أقول كلمة حقّ وأردّ ذلك الباطل وأبيّن أن هؤلاء الحكام هم أولياء للذين كفروا، وقد حسموا أمرهم واختاروا خيارهم وهو الوقوف مع النظام العالمي تحت قيادة العاهرة أمريكا، ولا يرجى منهم خيرٌ ولا صلاح ولا إصلاح، نصحًا للأمة ودفعًا لغشّ الغاشّين لها.! وإنما هي كلمة حق نقولها لعلها تهدي إلى هدىً أو تردّ عن ردىً، وقد ينتفع بها واحدٌ من مئات القارئين، والهداية من الله وحده: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
وقد كنت مشرفا في أحد المنتديات وكانت عندي كل الفرصة لأكتب في تكفير الحكومة الفلانية أو غيرها، وما كتبتُ شيئا، لأني لم أرَ ذلك صلاحًا ولا زيادة فضلٍ، لا سيما مع أناس عندهم من التكفير ما يكفي ويُخشى عليهم من الزيادة، وهم أحوج إلى من يعينهم على الاعتدال والتوسّط والتريّث.. وكنت عندما أكتب في «منتدى الأنصار» ونحوه من المنتديات التي يغلب عليها نصرة المجاهدين ويكثر فيها الميل إلى التكفير واستعمال ألفاظه أتشدد أكثر في النهي عن التكفير وإحراج من يطلق ألفاظه بالأسئلة والتدقيقات لكبح جماحهم عن بعض الغلو والمبالغة، وذلك مما أراه من الفقه ولله الحمد، وكنت في بعض الأزمنة مع المجاهدين في الجبال؛ فكانوا يبالغون في أشياء منها لبس العمامة حتى يجعلونها كأنها واجبٌ ينكرون على من تركها، فكنت أتعمد تركها وحسر الرأس أو لبسَ شيء آخر قلنسوة أو نحوها لأجل معادلة تشددهم وتنطعهم، وردّهم إلى شيء من الاعتدال، وقد لاقيت أنا وقلة من أمثالي من العنت والقهر في ذلك ولله الحمد..
وكان هذا من فقه السلف رضي الله عنهم: كان أيوب السختياني يرسل ثوبه إلى حدِّ الكعبين فقيل له فيه؛ فقال: «إن الشهرة اليوم في التقصير» ٧٢٤قال ابن الجوزي في: صيد الخاطر (ص 264): «وقد كان أيوب السختياني يطول قميصه حتى يقع على قدميه، ويقول: كانت الشهرة في التطويل، واليوم الشهرة في التقصير».، واشتهر استعمال هذا الفقه عن الإمام مالك رحمه الله، حتى انتقد عليه بعض الفقهاء مبالغته فيه وأنه عارض به النص في بعض المسائل.
والحاصل أن الاشتغال ببيان كفر بعض الناس من حكام أو غيرهم ممن ارتكبوا الكفر هو ككثير من الأحكام والبيان، يكون بحسب الحال والأشخاص وما يناسب أن يعطى لهم من البيان والهدى ويربّون عليه.. وبالله التوفيق.
والمشكلة يا «أبا طواري» ليست في تكفير الحكومة السعودية أو عدم تكفيرها، لنترك هذه وسلّمنا أنها مسألة خلاف والأمر فيها ليس واضحا وضوحه في غيرها، وسلّمنا لعلماء السعودية اجتهادهم وهم أهل الأمر هناك، لكن ما قولكم في القذافي، وحسني، وزين تونس، وحكام الجزائر، والمغرب، وبرويز مشرف وأمثالهم؟!
وهذه حكومة الكويت جارتكم وأمثالها.. ما قولكم فيها؟
هل ترى أن أقوال العلماء في أمثال هؤلاء تشجّع على قبول قولهم في حكام السعودية؟!
المشكلة أيضًا يا أخي «أبا طواري» أنك تحصر نفسك وتحصر العالم كله معك في «السعودية» وأولياء أمورها.!! وسّع أفقك يا أخي وانظر إلى أرض الله الواسعة.
حقا بلاد الجزيرة وأرض الحرمين مهد الإسلام ومأرزه وبيضته، ولا نهمل غيرها، والزمان مراحل والأيام دول، وقد تكون فترة من التاريخ يتحول قطب رحى السياسة والملك إلى حيث شاء الله.
ثم اتركنا من تكفير أعيان الحكام المشار إليهم، لكن لنتكلم في المطلق -عن الفعل-؛ هل وقع منهم الكفر البواح؟! لا أريد نقاشها هنا، ولكني أكتفي بالتنبيه بالسؤال.
قوله: «ولذا تجد الشيخ يعتذر دائما عن المقدسي مع ما قاله المقدسي من ألفاظ غريبة جدًا يعتذر له لأن المقدسي له جهود!! طيّب؛ القرضاوي له جهود، والطنطاوي له جهود؛ فهل قاس تلك الاعتذارات عليهم!! ولكن لأن الأصل لدى الشيخ هو تكفير الحكام -مطلقا-.. فلا خلاف في الفروع إذًا» اهـ.
التعليق: ينعى عليّ الاعتذار عن الشيخ المقدسي، ويلزمني بالاعتذار عن الطنطاوي وغيره.! فسبحان الله! ويخرّج اعتذاري عن المقدسي على موافقتي له في تكفير الحكام!
وهذا خطأ عليّ أيضًا.. ولا حولا ولا قوة إلا بالله.
فأنا أعتذر كثيرا أيضا للشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي وغيرهم، وأعتذر عن الشيوخ ابن باز وابن عثيمين والألباني كل علمائنا فيما أخطأوا فيه؛ فأين تكفير الحكام؟ سامحك الله، هذا ظلم.
المقدسي رجل توحيد وعقيدة وإيمان نحسبه كذلك، ورجل دعوة إلى الخير وصدع بالحق وجهاد به، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.. لا ينكر هذا ويغمطه حقه إلا جاهل أو مكابر رقيق الدين.!
وهو من أحق من يعتّذر له في أخطائه، وخطؤه في سبّ بعض العلماء والطعن فيهم بعبارات شديدة قاسية خطّأناه فيه وأنكرناه عليه، ثم اعتذرنا له بحسن بلائه في الدعوة إلى التوحيد ومجاهدة الطواغيت وكشف باطلهم، وأنه ما دفعه إلى تلك العبارات القاسية إلا الغيرة على الدين والحمية له لا نشك في ذلك، واعتبرنا ما صدر منه من جنس قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: «ولكنك منافق تجادل عن المنافقين»٧٢٥ينظر: تاريخ المدينة لابن شبة (ص 328)، تاريخ الطبري (2 / 614)، البداية والنهاية (6 / 197).، وقلنا إن الشيخ صار يجتنب هذا والحمد لله وصار أكثر اتزانا في عباراته، وفقه الله.
فأين هذا من القرضاوي والطنطاوي؟؟ سامحك الله.!
ثم إنني مع هذا كله أعتذر عن القرضاوي في كثير من أخطائه.
وأما الطنطاوي فهو عندي خارج الدائرة ولا شأن لي به.
قوله: «المشكلة التي تدمي القلب هي ربط الجهاد بأشخاص معينين.. وعزل العلماء عن الجهاد! وهذا خلاف الواقع؛ فالمجاهدون لا يكفرون، بل لا يشتغلون بذلك عما هم عليه ويستشيرون العلماء، والعلماء مع الجهاد في أفغانستان والبوسنة والشيشان، والصومال، والآن في العراق وأفغانستان، هم مع الجهاد وبحكمة كحكمة الإخوة المجاهدين في فلسطين، حيث لم يستعدوا حتى الذي يصرح بالعلمانية -عرفات- لأنهم يعرفون الأهم والمهم.. كان هذا الوضع هو السائد -وما زال كثير من المجاهدين على هذا الحال نسأل الله له النصر والثبات-، ولكن هناك مجموعة من المجاهدين يشغلون أنفسهم بمسائل التكفير وهم ليسوا أهلا لتناول تلك المسائل -علميا ومعرفيا- وهذا ما حاد بهم عن الجادة، وترى بعينيك وتسمع أذنيك نتائج تلك الحيدة وسياسة الاستعداء وآثارها السلبية حتى على المجاهدين أنفسهم» اهـ.
التعليق: هذا كلام عجيب، فيه خلط وفيه ما هو باطل.
فلقائل أن يقول لك: المشكلة التي تدمي القلب هي ربط العلم والحكمة بأشخاص معيّنين!! ومحاولة عزل أهل الخير والجهاد في سبيل الله عن الأمة!!
ولا أدري كيف يريد أخونا الجهاد؟ جهاد بدون أشخاص؟
هو الجهاد عبارة عن ناس من بني آدم مسلمون يقاتلون أعداء الله في سبيل الله..! وفي كل عصر وزمان مجاهدون شئت أم أبيتَ هم الظاهرون الأعلونَ، وسأوضحه أكثر إن شاء الله.
وقوله: «المجاهدون لا يكفرون» هذ كلام باطل، ولا ينبغي إطلاقه وليس هو من كلام العلماء ولا طلبة العلم، بل هو أشبه بكلام الجهلة والعلمانيين -اللادينيين- وحاشا أخي غفر الله له!
فالذي لا يكفر ليس بمسلمٍ أصلًا..!
دين الإسلام قائم على تكفير الكفر وأهله.
والمقصود: بيان فحش الخطأ في هذه العبارة وما شاكلها من إطلاقات.
ولا ينبغي أن ينجرّ إليها العقلاء المصلحون.
وإن كان مقصود الأخ «أبو طواري» هو تكفير مخصوص، وهو التكفير المذموم الواقع بغير حق.
لكن ما هو التكفير المذموم هذا؟ هذا هو ما يختلف فيه الناس، و«أبو طواري» عنده أن تكفير الحكام -ما حدود ذلك؟- من التكفير المذموم، وأن اشتغال المجاهدين بذلك هو فسادٌ.! ولا بد أن يكون عنده تفصيل لكن هو يتجنب التفاصيل هنا ويطلق.
وإذا كان القصد أن تُترك تلك المسائل للعلماء المؤهلين للبتِّ فيها؛ فهذا كلام صحيح.
وهو ما ننصح به ونوصي دائما.
والحمد لله غالب الواقع من تكفير الحكام واقع على هذا السَّنن، إن لم نقل كله.
فلن تجد المجاهدين -شرحت مرارًا من أقصد بالمجاهدين- يكفّرون أحدًا إلا عن قولِ عالمٍ، عرفته أنتَ أو جهلته.!
والخلل الواقع في هذا الباب لا يخرج المجاهدين عن كونهم مجاهدين أهل خير وصدق وحسن بلاء في الإسلام، بل هم من أولى الناس دخولا اليوم في الطائفة الظاهرة المنصورة بلا شك، لله درهم وعلى الله نصرهم!!
فإن التكفير الواقع خطًا عن اجتهادٍ -من أهله ولو واحدًا- وغيرةٍ للدين صاحبُه معذورٌ بل مأجور..!
وإنما المَفتونُ هو الذي تفتنه هذه الهناتُ والأخطاء -على التسليم أنها أخطاء أو بعضها- فيظلم المجاهدين في الحكم وربما عاداهم ونصب نفسه ضدًا لهم وخصمًا وسعى في تشويه صورتهم؛ نعوذ بالله من الخذلان.! ونسأله تعالى لنا ولإخواننا جميعا الهدى والسداد.
و«أبو طواري» يريد من المجاهدين أن يكونوا جنودًا مثل عسكر الحكومة يقاتلون حيث قيل لهم اذهبوا وقاتلوا، ثم يرجعون إلى قواعدهم سالمين ويرحم الله موتاهم، ولا يشتغلوا بتكفير أحدٍ ولا بشيء!! ليس لهم دخل في تلك الأمور، وليس لهم أن يسوسوا الأمة ولا أن يتطلعوا إلى حكمٍ أو يعلنوا حربا أو سلمًا مع أي أحدٍ، إنما هم عسكر فقط.! وليس لهم أن يطمحوا أو يحلّموا بإقامة دولة إسلامية أو ما شابه، هذا أيضا ليس لهم.!
يريد «أبو طواري» للمجاهدين أن يطردوا المحتل، ويقاتلوا أمريكا هناك بعيدًا إن شاءوا في أفغانستان ونحوها، ثم يتركوا الأمر لغيرهم.!
هذا تصوّر خاطئ جدًا، ولن يلتقي صاحبه مع المجاهدين أبدًا.
بل سيصطدم معهم في بعض الطريق قريبا.!
المجاهدون الآن هم حماة الأمة وهم طليعتها وهم من ساداتها، وهم مكوّن كبير وأساسي فيها، وهم الساعون لاستعادة مجدها، ولهم استقلالهم ولهم رأيهم في كل شيء، إنهم رقم صعب في زمن العولمة لا يمكن تجاوزه!
المجاهدون ليسوا عسكرًا لدولة، لأنه ببساطة ليس للإسلام اليوم دولة للأسف، وما وُجد المجاهدون إلا للعمل على إيجاد هذه الدولة.
إن المجاهدين هم دولة بذاتها إن شئتَ..!
وقوله: «إن العلماء مع الجهاد»؛ أي كانوا مع الجهاد في أفغانستان وغيرها، نعم أكثرهم كانوا كذلك، وكانت العافية غالبة والحمد لله، والآن جاء من التمحيص والمحكات ما محّص الناس وميّزهم، سنةَ الله.. والناس ليسوا كلهم سواء، منهم من هو مجاهد ومنهم من هو مع الحكومات الخائنة ورضي بالدون ومنهم دون ذلك وهم درجات، والمجاهدون يميزون بين الناس علمائهم وعامتهم، ولا لوم على المجاهدين إذا لم يثقوا في بعض الناس وخافوهم أو تركوا استشارتهم لأنهم رأوهم ليسوا جديرين بذلك بسبب مقاربتهم للسلاطين الخونة ونحو ذلك من الأسباب، أنت تلومهم على ماذا؟!
أنا لا ألومهم، وإنما أدعوهم إلى احترام المحترمين منهم وأهل الخير مهما اختلفنا، ولا نبخسهم حقهم ونحاول أن نتألفهم، وندعو إلى حسن الظن والتفاهم ما استطعنا، ونستمر في إيجاد الثقة المتبادلة.. الخ ما كررناه مرارًا.
ثم قوله «إن العلماء مع المجاهدين» نحن لا نريدهم مع المجاهدين فقط، نحن نريدهم أن يكونوا هم المجاهدين، ما رأيك يا «أبا طواري»؟
ومدحه للإخوة المجاهدين في فلسطين تقدمت الإشارة إليه، وأنه لن يستطيع -إن شاء الله- أن يمدحهم بشيء حقيقي من الخير إلا وهو موجود في مجاهدي القاعدة وأوضح وأوفر منه، وأنه لن يهرب من شيء من مجاهدي القاعدة إلا ويقع فيما هو أشد منه عند غيرهم!
وهذه عبارة فيها إجمالٌ فتأملها، وإن شئتَ شرحتها في موضع آخر..!
الكلام عن التكفير فيه تفصيل، فيه حق وباطل.. وقد حصل النقاش فيه كثيرا.
وكذا الكلام عن ما عبّر عنه بـ«الاستعداء»، فيه تفصيل منه ما نوافقه عليه ومنه ما لا، وفي آخر المطاف هي أمور لا تخرج المجاهدين عن كونهم مجاهدين أهل حق واجبٌ علينا جميعا نصرتهم والنصح لهم.
قوله: «عندما تخيّرني بين قول الشيخ ابن باز رحمه الله والمشايخ الكبار ممن نعرف علمهم وفهمهم وسلفيتهم وجهودهم وتجربتهم وتقواهم وورعهم وصدقهم -والله حسيبهم- في عدم كفر شخص هم قريبون جدا منه، وبين قول بعض الأخوة في تلك المسألة الحساسة والكبيرة والخطيرة، وهم أقل علما وقربا بمراحل.. لا أظنك تتوقع مني الحيرة في الاختيار.. فضلا عن وضوح أجوبة العلماء.. وغموض أدلة الآخرين، وكما يقال «الشك يفسر لصالح المتهم»، ولأن أخطي في عدم التكفير خير لي من الخطأ في التكفير، وقد اطلعت على أقوال الطرفين.. فلم أشك في خطأ القول بالتكفير، وأنه فتنة يجب التحذير منها -ومن آثارهم تعرفونهم-.. ولكن المشكلة في تقصير كبار العلماء وطلبة العلم في مناقشة تلك الأفكار خلال مثل هذه المنتديات ولا حول ولا قوة إلا بالله.. هذه المشكلة التي تحتاج إلى مراجعة وتأصيل، وليت الشيخ يراجع بها كبار العلماء» اهـ.
التعليق: قوله: «عندما تخيرني..» الخ؛ هذا موقف المقلد المحض، وأنا لا ألوم من كان مقلّدًا أن يقلد الشيخ ابن باز وأمثاله من العلماء الكبار وأكرم بهم.. بل قد آمره بذلك.
لكن من ارتفع درجةً عن هذه المرتبة من طلبة العلم -المتبعين- أو من كان من العلماء المجتهدين، والاجتهاد يتجزأ على الصحيح، فلا يصلح له ذلك، بل عليه أن يعمل بما ترجح عنده بالدليل والبرهان.. وإنما يلجأ إلى تقليد الأعلم والأورع إذا عجز عن معرفة الحق بدليله ولم يستطع الاجتهاد هنا لفقد الآلة أو ضيق الوقت ونحو ذلك، فحينئذ هو كالعاميّ، فواجبه التقليد.
وهذا أظنه من الوضوح لطلبة العلم بحيث لا يحتاج إلى تطويل.
وأما قول أخي إنه «اطلع على أقوال الطرفين فلم يشك في خطأ القول بالتكفير وأنه فتنة يجب التحذير منها» فنقول له: فغيرك من طلبة العلم اطلع ورأى القول بالتكفير أقوى وأصوب وأسعد بالدليل، فما قولك؟!
هل تأمره باتباع ما ظهر له أنه الحق بالبرهان والدليل أو تأمره بترك ما بانَ عنده صحته بالبرهان واتباع قول العلماء؟ ما جوابك؟
إذا قلت بالثاني فأنت مبطل قائل بقول لم يقل به أحدٌ من علماء الإسلام!
ومخالف لأدلة الكتاب والسنة والإجماع.
وإن قلت: بل يتبع ما ظهر له صحته وأنه الحق بالدليل والبرهان بعد أن يكون قد استفرغ وسعه في طلب الحق، فقد حُججتَ.!
ولا ينفعك شيئا القولُ مثلا: أشكُ في قدرة طالب العلم على الترجيح.. ونحو ذلك؛ فهذا يساوي صفرًا في البحث والمناظرة!
تشك أنت أو لا تشك هذا شأنك، وإنما كلامنا على الواجب في نفس الأمر، وكلّ امرئ حسيبُ نفسه.
وأنت لك أن تحذّر ممن شئتَ ما رأيت ذلك دينًا وتقىً لله تعالى، ولكن قبل ذلك اسأل نفسك هل أنت تفعل ذلك على بصيرة من الله؟ أم تقليدًا وتعصّبا وتعظيما لمن تقلّده؟ واستحضر أن العالم المجتهد هو بين الأجر والأجرين، لأنه باحث عن الحق ناصر له قائلٌ به حيث ظهر له، ولكن مقلّده ليس كذلك بالضرورة.! فإن الغالب على المقلدين نصرُ قولِ مشايخهم الذين يحبّونهم ويعظمونهم لمجرد أنه قول مشايخهم.!
لكن قل لي يا أخي، لماذا الاطلاع على أقوال الطرفين وأنت قد حسمتَ أمرك وقررتَ ابتداء لزوم الأخذ بقول المشايخ؟! هل هو للتنفل ولمجرد الاستزادة من المعرفة؟
ثم قولك «وأنه فتنة يجب التحذير منها» أخشى أن يكون في هذا إشارة إلى نوع ميل خفيّ؛ فأرجو أن تتأملها يا أخي.. فإن التكفير إذا صحّ فلا يقال في معارضته: فتنةٌ..!
بل يكون الواجب هو الصدع بالحق، أو السكوت إلى حين أن يفتح الله، والمواراة واستعمال المعاريض، والصبر على تبعات الحق وتكاليف الجهاد، ولا يقال: فتنة فتنة!!
فإن من الناس من تستولي عليه فكرة الخوف من الفتنة دائما حتى يترك كثيرًا من الحق، ويهرب من تحمل التكاليف، والدين إنما هو تكليفٌ.. والله المستعان.
وقول أخي: «ولكن المشكلة في تقصير كبار العلماء وطلبة العلم في مناقشة تلك الأفكار خلال مثل هذه المنتديات» اهـ؛ هذا من الحق.. ولكن أليس من حق العقلاء أن يتساءلوا عن أسباب ذلك؟!
وقد دعي الكثيرون للمناظرة والمناقشة حول هذه المسألة فلم يجيبوا، ألا يدعو هذا للريبة؟
إن الكثيرين من الشباب يقولون: إن المشايخ هربوا من مناظرة المجاهدين لأنهم يعلمون ضعف حجتهم وأنهم لو ناقشوهم أمام الناس لبان ارتباكهم وتلعثمهم في مقابل ظهور حجج المكفّرين للحكومة.! وسيبدون فقط في موقع المرقّع المعتذر في كل أمره.!
وستظهر في المناقشة كثير من الحقائق.. وهذا ليس عندي دليلا على بطلان قول المشايخ، فلامتناعهم أسبابٌ واعتبارات أخرى معروفة، ولكنه يثير شكًا حول قوة قولهم.
وقوله: «وليت الشيخ يراجع بها كبار العلماء»؛ أنا مستعد لذلك، محتاج إليه حقا.. فهل لك في مساعدتي؟!
وأقول قولي هذا وأستغفر الله، ونسأل الله تعالى أن يرينا الحقَّ حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ويغفر الله لي ولأخي ولسائر المسلمين..
اللهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.. والحمد لله رب العالمين
•••