۞ حبٌّ ووفاءٌ بين المجاهدين والشيخ «عطية الله» رحمه الله:
لقدْ كانَ الشّيخُ حبَّ إخوانهِ، حتّى أنّهمْ يفدونهُ بأنفسهمْ، ويحملونهُ فوقَ رؤوسهمْ؛ ولا أدلَّ على هذا ممّا خطّهُ الشّيخُ «أبو الحسنِ الوائلي» فيْ كتابهِ القيّمِ «الحبُّ الخالدُ»؛ حيثُ قالَحفظه الله:
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَدَتْكَ نَفيساتُ النُّفوسِ مِنَ الرَّدَى | ومثلُكَ يُفْدى بالنُّفوسِ النَّفائِسِ |
وَكَيْفَ لاَ يُفْدَى الشَّيْخُ عَطِيَّةُ بِأَرْوَاحِنَا؟ فَلَقَدْ كَانَ نِعْمَ الشَّيْخُ الْعَالِمُ، وَنِعْمَ الْمُجَاهِدُ الْعَامِلُ، وَنِعْمَ الْأَمِيرُ وَالْجُنْدِيُّ، وَنِعْمَ الْأَخُ الْحَبِيبُ، وَالْوَالِدُ الْقَرِيبُ، وَالنَّاصِحُ الشَّفِيقُ؛ جَمَعَتْنَا أيامٌ سَوِيَّةً فَكَانَتْ أَجْمَلَ الْأَيَّامِ، اسْتَفَدْتُ مِنْهُ وَتَعَلَّمَتُ مِنْهُ كثيرًا؛ فَكَانَ قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَجَلَاءَ الْأَحْزَانِ، قَالَ لِي فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الَّذِي اُضْطُرِرْتُ فِيْهِ لِفِرَاقِهِ: وَاَللَّهِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِن ابْنِي!، وَقَبْلَ أَيَّامٍ مِنْ تَنْفِيذِ «أَبِي طَلْحَةَ الألْمَانِيِّ» لِعَمَلِيَّتِهِ الانْغِمَاسِيَّةِ، ذَهَبْتُ مَعَ الشَّيْخِ لِزِيَارَتِهِ، وَقَدْ كَانَ لِأَبِي طَلْحَةَ مَكَانَةٌ كَبِيرَةٌ فِي قَلْبِ الشَّيْخِ عَطِيَّةَ رحمه الله، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَوِيَّةً قَالَ لِيَ الشَّيْخُ: «اذْهَبْ أَنْتَ كَذَلِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؛ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنْتَ!»، وَكَانَ وَقْتَهَا حَزِينًا لِفِرَاقِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ وَجَدْتُ رِسَالَةً بِخَطِّ «أَبِي طَلْحَةَ» أَرْسَلَهَا إِلَى الشَّيْخِ قُبَيْلَ اسْتِشْهَادِهِ، يَقُوْلُ فِيهَا: «شَيْخِي الْكَرِيمَ! اعْلَمْ أَنَّنِي أُحِبُّكَ فِي اللَّه، وَكَانَتْ مُعَاشَرَتُكَ وَقْتًا طَيِّــبًا فِي حَيَاتِي، وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَلَى حُسْنِ ظَنِّكَ بِي، وَإِنَّهُ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ أَنْ عَرَّفَنِي اللَّهُ عَلَى أَمْثَالِكُمْ؛ نَعَمْ يَعِزُّ عَلَيَّ فِرَاقُك، وَقَدْ حَاوَلْتُ أَنْ أَتَهَرَّبَ مِنَ الْعِنَاقِ الْأَخِيرِ، وَلَكِنْ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُبُّ فِي الدُّنْيَا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سُرُرٌ مُتَقَابِلَيْنِ؟».
وَهَذَا قُرَّةُ أَعْيُنِنَا الشَّيْخُ «أَبُو يَحْيَى اللِّيبِيِّ» حفظه الله١٦استُشهِدَ الشيخ «أبو يحيى» تقبله الله بعد رفيق دربه وخل روحه وأنيسه في هجرته، الشيخ «عطية الله» بمدة يسيرة؛ ففجع بهما أهل الإسلام في كل مكان، وصدق فيهما قول الشيخ أبي الليث الليبي رحمه الله أنه وجد خلال حياته: «أن الذي تجمعه مع أخيه المجاهد عَلاقة حب خاصة تتميز عن بقيتها من العلاقات، إذا قتل هذا الأخ فالآخر يلحقه بعد فترة بسيطة»؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. يُجَاوِبُنِي عَلَى رِسَالَةٍ أَرْسُلْتُهَا لَهُ أُعَزِّيهِ وَأُعزِّي نَفْسِي فَيهَا بِمَقْتَلِ حَبِيبِنَا وَوَالِدِنَا الشَّيْخِ «عَطِيَّةِ اللهِ»؛ فَكَانَ جَوَابُهُ: «أَخِي الحَبِيْب: وَصَلَتْنِي رِسَالَتُكُم الأُولَى فِي التَّعْزِيَةِ فِي رَفِيقِ الدَّرْبِ الشَّيْخِ «عَطِيَّةَ»؛ فَجَزَاكَمُ اللهُ خَيْرًا كُلَّ خَيْرٍ، هَكَذَا يَكُونُ العَزَاءُ وَالوَفَاءُ وَأَنْتُمْ أَهْلٌ لَذَلِكَ، فَعَلِمَ اللهُ مَا كُنْتُ أَنْتَظِرُ يَوْمًا أَعِيشُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهَا الشَّيْخُ «عَطِيَّةُ» رحمه الله؛ فَقَدْ كُنْتُ أَعُدُّهُ عُدَّةَ النَّوَائبِ لـِمَـا جَمَعَ اللهُ لهُ مِنَ العَقْلِ وَالحِكمَةِ وَالرَّزَانَةِ وَالأَنَاةِ والعِلْمِ والتَّجْرِبَةِ وَالوَقَارِ -كَمَا نَحْسِبُهُ واللهُ حَسِيبُهُ-، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي التَّخَوُّفِ مِنْ ذَهَابِ الآخَرِ قَبْلَ أَخِيهِ كَفَرَسَيِ الرِّهَانِ!، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَدُهُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غِيَابِ الآخَرِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا بَيْنِي وَبَينَهُ مِنَ البَوْنِ؛ فَمَا أَنَا وَهُوَ إِلَّا كَالعَصَا وَالسَّيْفِ، وَلَكِنْ هَكَذَا أَلَّفَ اللهُ بَيْنَنَا؛ فَنَحْنُ رُفَقَاءُ هِجْرَةٍ وَجِهَادٍ وَأَسْفَارٍ وَطَلَبِ عِلْمٍ وَمُدَاهَمَاتٍ، وَأَخِيرًا: بَلَاءُ الـمَسْؤُولِيَّةِ.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَمَا رَاقَنِي مَنْ لَاقَنِي بَعْدَ بُعْدِهِ؟ | وَلَا شَاقَنِي مَنْ سَاقَنِي لِوِصَالِهِ | |
وَلَا لَاحَ لِي مُذْ نَدَّ نِدٌّ لِفَضْلِهِ؟ | وَلَا ذُو خِلَالٍ حَازَ مِثْلَ خِلَالِهِ» |
ثمَّ ختمَ الشّيخُ أبو يحيى رسالتهُ بهذا الحديثِ العظيمِ: «ولكَ هذا الحديثَ العظيمَ الصَّحيحَ الّذي رواهُ أبو داودَ والنّسائيٌّ وغيرهما عنْ عبيدِ بنِ خالدٍ السّلميِّ، أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ آخى بينَ رجلينِ، فقتلَ أحدهما وماتَ الآخرُ بعدهُ؛ فصلّينا عليهِ، فقالَ النّبيُّ ﷺ: (ما قلتمْ؟) قالوا: دعونا لهُ.. اللّهمَّ اغفرْ لهُ، اللّهمَّ ارحمهُ، اللّهمَّ ألحقهُ بصاحبهِ، فقالَ النّبيُّ ﷺ: (فأينَ صلاتهُ بعدَ صلاتهِ؟ وأينَ عملهُ بعدَ عملهِ؟ فلما بينهما كما بينَ السّماءِ والأرضِ)»١٧سنن النسائي (1985)، سنن أبي داود (2524) وصححه الألباني..
وقدْ أفادني الشّيخُ أبو الحسنِ الوائلـي بقصصٍ عجيبةٍ عنِ الشّيخِ رحمه الله؛ في حسنِ إدارتهِ، وتربيـــتهُ أولادهُ، واعتنائه بمنْ تحتهُ من الـمجاهدينَ وتعليمهمْ وتوجيههمْ حتّى تتّضحَ الأمورُ، وصبرهِ وتسليمهِ بما يحلُّ عليهِ منَ الـمصائبِ؛ رضًى بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، وممّا ذكرهُ أنْ قالَ: كنتُ لـمَّا أرى الـمقتلةَ الحاصلةَ بالإخوةِ منَ الطّائراتِ بدونِ طيّارٍ؛ أقولُ للشّيخِ عطيَّةَ رحمه الله:
يبدو أنّنا كأصحابِ الأخدودِ؛ نعرفُ أنَّ مصيرنا القتلُ منْ هذهِ الخبيثةِ ومعَ ذلكَ نستمرُّ في العملِ.! فكانَ يقولُ: صدقتَ كأصحابِ الأخدودِ».