[السؤال الثاني عشر: الفجوة بين العلماء والمجاهدين، وما سبب تضخيم أخطاء العلماء القاعدين، وتهوين أخطاء علماء المجاهدين]
شبكة أنا المسلم: جاءت عدة أسئلة تتحدث عن العلاقة بين أهل العلم والجهاد، وأن العلاقة بينهما قد ازدادت سوءًا، وأن الإعذار الذي يلتمسه المجاهدون لعلمائهم -الذين ينظرون لفكر الجهاد- يمكن أن يُلتمس مثله لغيرهم من علماء الأمة؛ فلم لا يكون ذلك؟ ولماذا تُهون أخطاء علماء الجهاد وتضخم أخطاء غيرهم من العلماء؟
الشـيخ عطية الله:
أنا لا أريد أن أهوّن من الأخطاء، والأخطاء متفاوتة، وواجب عند التحقيق أن نعطي كلًا حقه وننصفه، وإنما الذي وقع مني هو شبيه إلى حد ما بقولنا للمريض أو المبتلى: بسيطة إن شاء الله! وأنا أرى يا أخي أن الأخطاء وقعت من الطرفين، الله أعلم هل هذا أكثر أو هذا؟ ذلك لا أريد أن أركز عليه، ولا أراه مدخلا للإصلاح، وكذلك «من البادي؟» كما ذكرت.
وأرجو ألا يضطرني أخي إلى الغوص في ذكر تفاصيل الأخطاء والمعايب والتقصير، ولا والله لا أهدد أحدًا، وإنما:
أولا: لأنه حينئذ سيكون «من مخسوري»، و«سأربح أنا العيب» لأنني سأبدو في صورة العائب لأهل العلم والطاعن فيهم.! وهذا ليس موقف نَصَفٍ، وأنا أحاذر الوقوع فيه، ولو كنت الآن في الأنبار أو القائم أو الموصل أو في تورا بورا أو زابل أو باكتيا لربما كنت في حصن حصين!. فإني رأيت المتكلم في العلماء محارَبًا، وإن تكلم بحق، أما المجاهدون فلا حرمة لهم عند الأكثرين كما للعلماء، وهم عند أكثر الناس حمىً مستباحًا.!
ويا أخي الحبيب؛ صحيح أن العالم يقضي السنين الطويلة في الكد والجد والاجتهاد والسهر والصبر حتى يصير عالمًا، ولكن ما ذكرته عن المجاهدين إنما ينطبق على الجنود وقواعد المجاهدين، وأما الزعماء فهم صنوُ العلماء، فليس من السهل أن تصير زعيمًا قائدًا كبيرا في الأمة تقول الكلمة فيسمع لها ألوف وربما ملايين ويطيعونك وتحمى لها منهم الأنوف!! هذا يسمّى الرياسة والشرف والزعامة والقيادة والمُلك، والله يؤتي ملكه من يشاء، وحينما يكون الملك عادلًا صالحًا فإن له مقامًا وحقوقًا في ديننا وفي كل عرفٍ، وهذا كما تعلم يحتاج أيضا لسنوات وسنوات وجهد لا يقل عن جهد العلماء.!
فلا يوجد زعيم للجهاد نال مثل هذه المكانة المشار إليها في أيام!
وإنما هو الميدان الذي ينجب القادة كما يقال؛ الصبر وحسن الديانة واستيعاب الناس والجد والاجتهاد وملكات فطرية ومواهب.. وقبل ذلك كله توفيق الله.
والحاصل أن أهل العلم درجات، منهم الكبراء، ومنهم دون ذلك، وكذلك أهل الجهاد..
وثانيا: لأنني لا أحب التعمق في ذكر المعايب والأخطاء، ولا أراه سبيلا للإصلاح كما قد ذكرته. وأنا يا أخي قلت إنني عندما أذكر المجاهدين فإنما أركز على قياداتهم وساداتهم، فلا عبرة بما يصدر عن الكثيرين ممن ينتسبون للجهاد من غير السادات وفقهاء القوم، وما وقع من هؤلاء السادات يمكن علاجه وإصلاحه وفهم بعضه على وجه حسنٍ، ورد بعضه وإنكاره، وأخطاؤهم هي الأخطاء التي نتكلم عنها، وفي النهاية هو محصورٌ، وهو مقصودنا بالمعالجة والإصلاح؛ فمثلا: عندما يقول الدكتور أيمن مثل هذا القول الذي ذكرته أنت عنه من أنه «لمز فيه الذين يتشدقون بالتربية وينشغلون بها والكفار يحتلون في كل يوم بلدا ويقتلون مسلما ويأسرون آخر».
فإننا نقول له: يا دكتور بارك الله فيك هذا خطأ من وجهين:
الوجه الأول: أن الناس مشارب ومواهب وتخصصات وكل ميسّر لما خلق له، وكل يعمل في جانب؛ فلنتكامل بدل أن نتدابر ونتناحر، وكما أن المجاهدين على ثغر عظيم فإن العلماء والدعاة في كل البلاد كذلك، فلا تعارض، بل تنوّع وتكامل.
الوجه الثاني: من جهة السياسة، فهب أن كلامك صحيح في نفس الأمر، وأن من وصفتهم بالتشدق بالتربية والانشغال بها.. هم كما تراهم: مقصّرون تاركون للواجب المتعيّن عليهم من الجهاد، أو حتى مسيؤون للجهاد وأهله، هب أنهم كذلك؛ فإن السياسة والحكمة في تألف الناس واحتوائهم وأصل التبشير وعدم التنفير يقتضي منك أشد الاقتضاء أن تعرض عن هذا الكلام ولا تقوله، بل تلين العبارة وتلطف الخطاب وتثني على الناس بما فيهم من خير وتغضي عن النقص والضعف، وتأخذ العفو، ما داموا بحمد الله لم ينصبوا أنفسهم لحربك وعداوتك.
هذا هو الذي نريد أن نقوله للمجاهدين، ونوصله إليهم..
ينبغي أن نكون قد نضجنا، وصقلتنا التجارب، وصارت هذه عندنا من الواضحات.
إنه من القبيح جدًا أن تظل هذه الأخطاء تتكرر..
والحق أن قيادات المجاهدين صاروا أكثر إدراكًا لهذه المسألة، فلله الحمد.
وهذا يعرفه من عرفهم من سنوات ويتابع ما يصدر عنهم الآن.
ووالله يا إخوة إنني أعرف التغير واضحًا في هذا الباب، وسأحدّثكم بمثالٍ تستدلّون به على ما وراءه وهو أن الدكتور أيمن حفظه الله قد تأسّف على تأليفه كتاب «الحصاد المرّ»، وصرّح بهذا لبعض الإخوة الثقات ونقلوه لي، وقال لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ ما كتبته، ورآه لا يخدم مصلحة الإسلام والمسلمين العامة، وليس من الحكمة.. وهناك أشياء غير ذلك.
وهذا الكلام من الدكتور أيمن حفظه الله قاله في وقت العزّ وكامل الحريّة والتمكّن، في وقت طالبان عام ألفين أو قبلها.
وهكذا على الجانب الآخر؛ فنحن نريد أن نوصل لمشايخنا ودعاتنا وعلمائنا في كل مكان أن لا يتسرّعوا ولا يخذلوا إخوانهم وإن أخطأوا وجهلوا؛ فهؤلاء أبناؤكم وإخوانكم لهم عليكم حق كبير، فضلا عن حرمتهم كمجاهدين، وعظم مكانهم في الأمة وحسن بلائهم، و﴿لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨﴾ [السجدة: ١٨]، ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] ﴿۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ﴾ [التوبة: ١٩] وغيرها من الآيات تنبئك.!
فيا علماءنا ومشايخنا ودعاتنا: الكلمة الطيبة الكلمة الطيبة، يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا، ولا تستعجلوا، وعليكم بالسكوت إن غم الأمرُ، وحاولوا أن تفهموا أكثر وأكثر إخوانَكم وأبناءكم المجاهدين..!
أخي الكريم؛ هناك ترسّبات كثيرة وأسباب عديدة وتراكمات معقدة أدت إلى الفجوة بين أهل العلم وأهل الجهاد، وهناك أحيانا مشاحنات وخصومات وعداوات، ونحن نعرف هذا، وهناك أشياء مؤسفة والله..!
لكن، هذا كله لم يصدّ الكثيرين من أهل الخير وأهل الحق والإنصاف في الطرفين أن يعرفوا لكل ذي حق حقه، ولم يغرّهم، ولم يثنهم عن العمل للإصلاح وتأليف القلوب.
وهو ليس أمرًا خاصًا بهاتين الطائفتين فقط، فأنت تعرف المشاكل والعداوات بين طوائف السلفية والإخوان، وبين الإخوان والجهاديين، وبين التحريريين وكذا، وبين التبليغ وغيرهم.. الخ.
وفي كل بلد من ذلك، ما شاء الله وقدّر.!
إنه جزء من اختلاف الأمة الأوسع، ونحن مبتلون به، والمفلح من حقق الحقّ، ولم يتّبع هواه، وكان على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
ملاحظة عابرة: أخي الكريم؛ وأما ما ذكرته من أنك تظن أن الدكتور أيمن هو الرجل الأول والمحرك للقاعدة، فإن كان يهمك رأيي فاسمح لي أن أقول لك وللقراء إن هذا بعيد عن الواقع، وإنما يظنه كذلك من لا يعرف الشيخ أسامة، بل الحق أن الرجل الأول والمحرك هو الشيخ أسامة، وهم في حقيقتهم كما هم في ترتيبهم المعلن.
وإن للشيخ أسامة من قوة الشخصية وموسوعية المعرفة والحزم في الرأي وعلو الهمة وغيرها من الفضائل حظًا وافرًا؛ فليس من السهل أن يقوده أحد أو يؤثر فيه بسهولة، صحيح أن الإنسان بطبعه يؤثر ويتأثر، وكل قرين بالمقارن يقتدي، لكن من الصحيح أيضا أن الأعلى والأفضل قد يتأثر بالأدنى والأقل، ويبقى هو الأعلى.. والله أعلم.
وأنا من أشد الناس كرها للخوض في هذه الأمور، وإنما ذكرتها لأنها قيلت ومن قبل كررها بعض الناس، وبارك الله فيكم.
ونسعد بمذاكراتكم الطيبة، والكمال لله وحده، وإنما نحن عبيده نتعاون على طاعته.
نسأل الله أن يعفو عنا جميعا.
❖❖❖