جواب السؤال الثالث

الحمد لله..

أما ضرب تجار المخدرات والقضاء عليهم وقتلهم؛ فنعم فيه تفصيل، وذلك بحسب قوة تمكن المجاهدين وسلطتهم، والضابط الذي ينبغي أن تعلموه وتعتصموا به في هذه المسألة هو الآتي:

أن هذا الأمر هو من باب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فالضابط في مشروعيته أن لا يؤدي الأمر والنهي إلى منكر أكبر.. هذا هو الضابط فاحفظوه، بارك الله فيكم.

ولذلك: فلو كان المجاهدون في منطقة ما أو إقليم من الأقاليم متمكنين وقادرين على تنفيذ الحدود وإقامة الشرائع أو أكثرها، بمعنى أنهم إذا طبقوها فيحصل المقصود منها شرعًا، ولا يترتب على فعلها ضررٌ أو مفسدة أكبر منها، فهذا لهم، بل قد نقول: هو واجبٌ عليهم حينئدٍ لأن الأصل هو هذا؛ أعني وجوب إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغييره باليد، وذلك كما يفعل المجاهدون اليوم في بعض النواحي في العراق وأفغانستان ووزيرستان وغيرها..

أما في مثل حالتكم فالظاهر أنكم لستم بهذه المنزلة الآن، واللهُ يقويكم ويفتح عليكم.

فالذي أراه لكم: هو أن لا تفعلوا، فإني أخشى أن يحصل من ذلك مفاسد كبيرة وتفتحون على أنفسكم أبوابًا لا طاقة لكم بها، وتتكاثر عليكم المشاكل وأنتم ما زلتم ضعفاء.

ص 1029

وهؤلاء العصاة -إذا كانوا من المسلمين- ففيهم تفصيلٌ في جواز قتلهم أو عدمه؛ فالأصل أنهم معصومون بالإسلام لا يجوز قتلهم، وإنما يجوز في حالات معينة فلا بد من تفصيل آخر من هذا الوجه.

وأما إذا قدرتم على أخذ أموالهم في بعض الحالات بدون أن يترتب على ذلك مفسدةٌ أكبر كما قلنا، فلكم ذلك وتُصرف الأموال في الجهاد في سبيل الله.

وهي -في تصوري- حالاتٌ ضيقة إن وجدت، مثل أن تعثروا على أموالهم، أو تسقط قافلةٌ من قوافلهم -تجار المخدرات- في أيديكم فتأخذون أموالهم -لا المخدرات نفسها- وتصرفونها في الجهاد في سبيل الله؛ لكن تذكروا أن الشرط في ذلك دائما هو: ألا يؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم، والله أعلم.

والشق الثاني من السؤال تقصدون به أيضًا السؤال عن قبول عطية وهبة وصدقة تجار المخدرات من المسلمين.. أي هل يجوز قبول الأموال منهم؟ هكذا فهمتُ من سؤالكم.

فإن كان المقصود هو: أخذ الإنسان لنفسه وقبوله منهم لنفسه، كقبول هديتهم وأكل طعامهم؛ فهذا فيه تفصيلٌ وفي بعض فروعه خلافٌ بين أهل العلم أيضًا، كما سبقت الإشارة.

فإن كان مالهم متمحضًا للحرام، يعني أنه كله من الحرام -تجارة المخدرات- فأكثر العلماء -جمهورهم- يقولون بعدم جواز الأخذ منهم والأكل من أموالهم، وبعض أهل العلم يختار الجواز ويقول: إثمهم عليهم، ولا شيء على المُعطى الآخذ، ولكن الأول أرجح، والله أعلم.

وإن كانت أموالهم مختلطة جاز الأكل من أموالهم وقبول عطاياهم، لكن ينبغي أن يقيّد بما لا يزيد على قدر الحلال من أموالهم.

وتحرير هذه المسألة يطول، وتراجع في المظان التي أشرنا إلى بعضها أعلاه.

وأما إذا كان هؤلاء التجار الذين يتاجرون بالحرام كالمخدرات يتصدقون بأموالهم للجهاد في سبيل الله، فالذي يظهر لي -والله أعلم- جواز صرف هذه الأموال في الجهاد في سبيل الله؛ لأن هذه الأموال اكتُسبت من حرام، فوجب على صاحبها التوبة، ومن التوبة التحلل من هذه الأموال وألا يبقيها في ملكه، وطريق ذلك هو وضعها في بيت مال المسلمين؛ فتصرف في مصالح المسلمين، ومنها الجهاد والغزو في سبيل الله، أو التصدق بها.

ص 1030

وبعض العلماء يقولون: يُتلفونها لأنها أموال اكتسبت من حرام؛ وهذا ضعيف جدا لأن الله تعالى لم يأمر بإتلاف الأموال، بل نهى عن تضييعها، وإتلافها في هذه الحالة تضييعٌ لا ينطوي على صلاحٍ، ولأنه لا موجب لإتلافها -لا دليل يوجب ذلك-، بل المصلحة الظاهرة تقتضي صرفها في مصالح الإسلام والمسلمين فتدخل في بيت المال، فتكون من جملة موارد بيت مال المسلمين، كالأموال المأخوذة -المصادرة- من أهل الفساد؛ حيث أجزنا المعاقبة بذلك.

وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما بسط ذلك في مواضع من فتاويه -في المجلد التاسع والعشرين أكثر من فتوى بسط فيها هذه المسألة، وفي غيرها أيضًا٧٦٧مجموع الفتاوى (29/ 239، 241، 252، 272، 273) قال -لما سُئِل عن أصحاب الحرف المحرمة-: «إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ؛ لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ. وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّحْلِيلِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ. فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبَ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَغْلَبَ. قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ».-.

وإن كان صاحبها لم يتب، بل هو مستتر في ارتكابه للمعصية، وهي المتاجرة بالحرام؛ فالواجب على المسلمين الحسبة عليه، وواجبٌ على ولي أمر المسلمين الأخذ على يده، وجائزٌ في ذلك مصادرة ماله على أصح أقوال أهل العلم، من قِبَلِ ولي الأمر المسلم.

فالخلاصة: أنه إذا تبرع تجار الخمور والمخدرات بشيء من أموالهم للجهاد في سبيل الله تعالى؛ جاز قبول ذلك منهم وصرفه في الجهاد في سبيل الله، مع وجوب استمرار دعوتهم ودعوة سائر الخلق إلى طاعة الله تعالى والتوبة إليه بترك المنكرات واجتناب المحرمات، فهذا احتراز من معاونتهم على المتاجرة بالحرام، والله أعلم. ولو كان المجاهدون مستغنين عن ذلك؛ فلعل تركه أفضل.

وأما سؤالكم: «وهل يجوز استغلال المخدرات التي نحصل عليها منهم في: (1) استدارج العملاء الساقطين المدمنين واستخدامهم كعملاء مزدوجين ضد اليهود، (2) بيعها لليهود بهدف الإضرار بهم وأخذ الأموال منهم، (3) إسقاط جنود يهود بواسطة المخدرات خصوصا من حرس الحدود؟»..

فهذا كله لا يجوز..

ص 1031

أما الأول فواضحٌ؛ لأنها وسيلة محرمة واضحة التحريم: إعطاء المخدرات والخمور للناس وإعانتهم عليها ونشرها فيهم.. فهذا كله مما نهى الله عنه وحرمه، فبأي دليل نجيزه؟! وكون أولئك المقصودين «مدمنين ساقطين» فغيرُ مؤثرٍ في الحكم والله أعلم.. فإن كانوا من شباب المسلمين المحكوم لهم بالإسلام لكنهم فُسَّاقٌ بهذه الكبيرة -تعاطي المخدرات- فهذا واضح جدا، وإن كانوا كفارًا فلا يجوز أيضًا استعمال هذه الوسيلة مع الكفار على الصحيح عند عامة العلماء، وإنما رخَّص بعض أهل العلم في مسائل أخرى من هذا الباب مختلفة عن مسألتنا هذه؛ مثل تجويز أبي حنيفة رحمه الله التبايع مع أهل الحرب -الكفار الحربيين- في دار الحرب بالربا، كما ذكره أصحابه كما في «بدائع الصنائع»٧٦٨قال الكاساني: «إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ؛ فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا عَقْدَ الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ رحمه الله، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا؛ فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ». بدائع الصنائع (7/ 132)، وانظره في: (5/ 192). وغيره، وخالفهم في ذلك جمهور أهل العلم، وقول الجمهور هو الصحيح، وهو المنع من ذلك مع الحربي كما هو مع المسلم ومع غير الحربي، وسواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام.

ومثل تجويز سحنون من أئمة المالكية فداء أسرى المسلمين بالخمر والخنزير إذا طلب الكفارُ ذلك؛ قال ابن جزي في «القوانين الفقهية»: «وإن طلب العدو في الفداء خيلا وسلاحا دفعت إليه بخلاف الخمر والخنزير وقد أجاز الفداء بهما سحنون ومنع ابن القاسم ما فيه مضرة على المسلمين ومن فدى أسيرا بخمر وشبهه لم يرجع به ولا بقيمته» ٧٦٩القوانين الفقهية (ص 102). اهـ.

ومثل قول «شيخ الإسلام» في «الفتاوى»: إن ترك الكفار من التتر وغيرهم يشربون الخمور ويسكرون خيرٌ من نهيهم عن ذلك؛ لأن الخمر لا يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة بل يصدهم عن الفسوق والعصيان، ولأنهم إذا صَحَوْا أفسدوا أكثرَ٧٧٠قال شيخ الإسلام: «مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم» المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 207).، كما ذكر ذلك في كتاب «الاستقامة» له، فهذا يتعلق بالأمر والنهي، ومقصوده ترك نهيهم عن ذلك لما فيه من الرجحان. والله أعلم.

وأما الثاني (رقم اثنين): فهي مسألة بيع الخمور والمخدرات وما هو محرّم في شريعتنا للكفار بغرض الإضرار بهم.. والصحيح فيها عدم الجواز؛ فكل ذلك محرم؟، مشمول بالنهي عن بيع هذه الأشياء ولا فرق بين بيعها لمسلمٍ أو لكافرٍ، لا في الحرب ولا في السلم، هذا هو الصحيح كما تقدمت الإشارة.

وأما الثالث (رقم ثلاثة): فقد تبين حكمها مما سبق، وهو أيضا المنع وعدم الجواز، هذا هو الأصل: تحريم بيع الخمر ونحوها للكفار الحربيين، وتحريم استعمالها في العطايا لأهل الحرب بغرض التجسس واصطناع أناس منهم، فهذه كلها وسائل محرمة، لا تجوز.

والأدلة على ذلك:

- عموم أدلة تحريم بيع الخمر ونحوها، وتحريم إعطائها ومناولتها وسقيها لمن يشربها وحملها إليه.. الخ. والأدلة على ذلك كثيرة معروفة، وأعني بالعموم شمولها للبيع للكافر، وللبيع للمسلم.

- لأن فيه إعانة على الإثم والعدوان..

- لأن فيه تشويها لصورة الإسلام ولدعوته الكريمة الطاهرة، وفيه صدّ عن سبيل الله.

اللهم إلا أن تكون هناك ضرورة، وليس لنا وسيلة غير ذلك في نحو تخليص مسلم من بين أيديهم بمثل هذه الوسيلة، إذا هم طلبوا في تخليصه خمرًا أو مخدراتٍ مثلا، وقد جوز سحنون كما سبق فداء الأسرى بالخمر والخنزير، وهذا يشبه أن يكون محمولًا على الضرورة، ولأن ضرر التشويه فيه يشبه أن يكون مأمونًا في هذه الحالة إذا كان العدو هو طلَبَ ذلك. والله أعلم.

وحيث قررتم أن هناك ضرورة لذلك؛ فيجب أن تقدر بقدرها ويقتصر على قدر الضرورة فقط، ولا يكون الأمر كالمباح بالأصل..! وينبغي الحرص على الستر والكتمان فيه أيضًا، لما في ذلك من خوف انتشار الفاحشة في الذين آمنوا، وخوف تشويه صورة المسلمين وحصول التنفير.

وحسبنا الله ونعم الوكيل، والله أعلم وأحكم..

والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه..

كتبه: عطية الله

ص 1032

شوال 1427

•••

ص 1033