• لبُّ القضية:
إن الإسلام يقول للناس: إن هذه الحياة التي نحياها (يسميها الحياة الدنيا، والدار الأولى) هي دار فناء وزوال وليست دار بقاء، بمعنى إننا لم نخلق لنبقى فيها، بل خُلقنا لنمر فيها مرورا ونعبُــرها عبورًا ونُمتَحَنَ فيها بالتكاليف بالأوامر الإلـهية، وأما الدار التي هي دار البقاء الأبدي غير المنتهي فهي الدار الآخرة، وهي التي تكون بعد الموت والبعث، فالناس فيها إما في نعيم مقيم وإما في عذاب أليم دائم..
إنها حقيقة الاختبار والامتحان والتكليف.. نحن خلقنا الله وأوجدنا في هذه الدنيا وأوجدها لنا ليمتحننا: مَن الذي يعبده وحده لا شـريك له، ويطيعه ويتبع رسله وكتبه، ومن الذي لا يهتم لذلك وكأنه لا يعنيه.! هذه هي الحقيقة الكبرى؛ فأنت إذا فهمت ذلك سترتاح وستعرف حقيقة الأمر.. لن تتعب كثيرا في الوصول إلى حقيقة الدين الحق الذي يحبه الله ويرضاه، ولن تغرّك هذه الدار، ولن تخدعك هذه الدنيا وما فيها من مُتَع.
ستعرف مثلا الآتي: عند الله عز وجل، وعند العقلاء المؤمنين من خلقه أجمعين أن إنسانًا مسلمًا فقيرا يعيش في صحاري أفريقيا، متخلف بكل معايير التخلف في عالمنا اليوم، يموت هناك جراء المجاعة والعوز والمرض، يموت وهو على دين الحق، هو خيرٌ من مليوني كافر بمحمدٍ لا يؤمن بدين الإسلام يعيش في إسكندنافيا أو في لوس أنجلوس يملك من الدنيا كل لذة يعرفها البشـر، ثم يموت على غير دين الحق..! ومع ذلك فالإسلام لا يقول لك: كن متخلفا ولا فقيرا ولا متْ من المجاعة والمرض، بل يقول لك كن قويّـا كاملًا سليما.. ولا يطلب منك أن تتنحّى عن مالك أو مُـلكِك..!
إن العبرة بالباقي المستمر، وأما الزائل فهو في الحقيقة كالقيمة المهملة في الحساب.
إن المقياس هو ما يرضـي الله عز وجل، لا ما نقترحه نحن بعقولنا.. إن عقولنا هي نعمة من الله أعطانا إياها لنصل بها إلى الصلاح والخير ونعرف بها ما يريد الله ﷻ منا، فإذا نحن استعملناها لنعارض ما أمرنا الله به صريحا، فقد استعملناها استعمالا غير مشـروع، ويؤدي إلى نتيجة غير صحيحة.