۞ طلعت طرطورة..!

مُنذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا والثقافة وهم يسيطرون علينا بفكرة يبهروننا بها ويأسرون عقولنا بحبكتها: أن أمريكا هي الدولة الواعية المفكرة، دولة العلم والبحوث العلمية، ومراكز الدراسات والمعاهد المتخصصة في كل شيء، حتى في كثير مما لا يخطر ببالنا، دولة النظام والتخطيط.. الخ.

كم سيطروا على عقولنا بهذه الفكرة وخدعونا بهذه الدعاية، وكم بهرونا أشعرونا بالدُّون، والعقلاء العالمون منا يفنّدون دعاوى أمريكا ويحاولون وضع الأمور في نصابها، والإنصاف، ولكن الدعاية غالبة وصوت أمريكا أعلى، وأبواقها أكثر ضجيجا وصخبا، وشاء الله أن يفضح أمريكا، ويظهر للإنسانية غباوتها وطيشها وسخافة ما عندها من قيم وفكر.

وفي العراق كان ذاك.. شاء الله أن يبين لنا وللناس أن أمريكا غبية جاهلة مغرورة لم تحنكها التجارب، ولم تفدها حكمة، ولم تنفعها كثيرا مراكز بحوثها ودراساتها.

وإذا شئت فقل: العلم (بالدنيا) والدراسة والبحوث كل ذلك موجود، نعم، ولكن ما يجدي مع فقد الهداية والبعد عن العلم الحقيقي والأهم الذي جاءت به رسل الله ونزلت به كتبه؟

ما تجدي كل تلك الدراسات العميقة، والتجارب المرصودة بدقة، والأبحاث الفائقة، مع سيطرة الغرور، والعُجب، وتراكم الأمراض النفسية، ومنتهاها الكِبر والغطرسة والطغيان؟

ما أصدق الزعيم المجاهد الملا محمد عمر حفظه الله حين قال في أحد بياناته من نحو سنتين ولم تكن أمريكا غزت العراق بعدُ: «إن أمريكا دولة كبيرة وقوية، ولكنها صغيرة العقل ومغرورة» أو كما قال.. أمريكا اليوم تتخبط في العراق كما يتخبط المتورّط في رَغدة مستنقع واحلٍ! لا يرفع رجلا إلا لتغوص أخرى، ولا يتقدم شبرا إلا ليتأخّر ذراعا أو باعًا.

شيء عجيب والله، عبرةٌ وأي ّ عبرة.. حتى بعيدا عن كفر أمريكا، وبغضّ النظر عن مسألة إسلامها أو كفرها؛ هل كان أحد من المراقبين الناظرين يتوقع أن تقع أمريكا في كل هذه الغلطات؟

هل يوجد عاقل شام شيئا من الرأي والحكمة، وخاض شيئا من التجارب، وقرأ قليلا من التاريخ، يمكن أن يقع في هذه الشبكة من الأخطاء المتراكبة؟!

ص 1414

بناء الحرب كلها على كذبة وفرية وأدلة سخيفة؛ فلا قضية عادلة، القدوم على العراق بمنتهى الجهل به وبأهله وقيمهم وتكوينهم، وبأفكار سخيفة عنهم، عدم الاستعداد بتجهيز حكومة تحل محل نظام صدام من البداية، حل الجيش العراقي، وعموم وزارتي الدفاع والداخلية، موضة اجتثات البعث، تلك المداهمات البوليسية والتحرشات والتصرفات التي تستفزّ حتى الحمير حاشاكم، تدمير دولة بجميع مؤسساتها وبنيتها التحتية بهذا الشكل، الاعتماد على «شلبي» اللص وأمثاله كمصادر للمعلومات، نموذج احتلال سافر على الطراز القديم الذي جربته شعوبنا أقسمت لا يتكرر، مشابهة ربيبتها إسرائيل في تصرفاتها؛ فتتكون في العقل الاجتماعي العربي والإسلامي صورة واحدة للاثنين..

وفوق ذلك: استمرارها وتماديها في دعمها الكامل واللا محدود لدويلة اليهود، وآخر خزاياها: فضائح التعذيب والانتهاكات في السجون والمعتقلات، وسقوط ورقة التوت كما يقولون، ومع كل ذلك التشدُّق الدائم بالقيم: الحرية، العدالة، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الإعلام الغبيّ الموجّه: الحُرّة، إذاعة سواء،،، الخ سفالاتهم، خطابات بوش الغبيّة الذي يريد في كل مرة أن يكحلها فيعميها ولله الحمد.

من أظهر الأدلة على غباء أمريكا وجهلها أنها تعتقد أن يمكنها ببعض الكلام المعسول والسخافات الإعلامية أن تغير قلوب العرب وتجتذبهم إليها وتكسبهم إلى صفها في الوقت الذي تمارس عليهم أفظع وأبشع أنواع التنكيل والإجرام؛ سواء في العراق وأفغانستان أو في فلسطين أو في غيرها!!

هذا يدلّك على مدى سخافة «عِلم» القوم وهبوط ثقافتهم وتفكيرهم.. هم أقرب الى الحيوانية منهم الى سموّ الإنسان وتكريمه، وضحالة معرفة بالنفس البشرية، وإن عرفوا شيئا فلا يفيد؛ إذ لا تقوى ولا إسلام ولا عِلم بحدود الله..

حقا: طلعت طرطُورة أمريكا، وخايبة!!..

قال الله تعالى: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧﴾ [الروم]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١﴾ [يونس]، ﴿وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠﴾ [النور].

•••