[حال جهاد فلسطين بعد دخول حماس «الانتخابات»، وحكم وصف حماس بالخيانة والردة، وذكر النصح لحماس، وفوائد في الفرق بين المداهنة والمداراة، واستعمال بعض الألفاظ «الوطنية» في مقاصدها الصحيحة، ونصيحة مهمة في ترك التصدر للتكفير]
ماهي رؤيتكم للوضع الفلسطيـني بعد أن دخلت حماس التشـريعي وشكلت الحكومة وهدأت بذرة جهاد أبناء القسام! فما هي رؤيتك لوضع الجهاد في فلسطيـن؟ وهل يجوز شـرعا تخويـن حماس، ووصفها بأوصاف الردة، والتعامل مع اليهود، وهي التي قدمت قادتها بأكملهم شهداء، وماهي نصـيحتك لهم؟.
[السائل: كلمة حق في وجه العدو]
الجواب:
الذي أتوقعه – والله ﷻ علام الغيوب وله الخلق والأمر- أن الجهاد بمعناه الصحيح والنقيّ سـيزداد وسـيستفيد من تجربة حماس في دخولها التشـريعي والحكومة.
نحن نرجو أن يكون ما حصل مع تفاعلاته المحلية والدولية في صالح الإسلام والجهاد والمجاهديـن، كما أشار إلى هذا الشـيخ أسامة بن لادن حفظه الله في خطابه الأخير حيـن أشار إلى أن حصار العالم للفلسطيـنييـن بسبب فوز حماس بالحكومة، ومضايقتهم البالغة لحماس ومحاربتهم لها هي جزء من الحملة الصليبية التي تشنها أمريكا والغرب الكافر على المسلميـن.
فشل تجربة حماس المتوقع بسبب الضغوط عليها من أعدائهم المحلييـن والخارجييـن المتحديـن ضدها، وظهور عداء الجماعات العلمانية الوطنية -كفتح على وجه الخصوص- لحماس ولأي مشـروع إسلامي، وسعيهم الحثيث ومكرهم الكبّار بكل الوسائل لإفشاله ومحاربته، وانفضاحهم وعدم تمكنهم من كتمان ذلك الغيظ والحقد والتغطية عليه بأساليب النفاق والتمويه، وتزايد العداوة والبغضاء بيـن الفريقيـن الإسلامي والعلماني، وتراكم الحقد والشحناء والعداوة والبغضاء، وتمحورها على محور الديـن والتوحيد والشـريعة بالأساس، وغير ذلك من الأمور هي كلها على المدى المتوسط والبعيد في صالح أهل الإسلام بإذن الله.
كل ذلك يصب في خانة القناعة بضـرورة وجود جهاد حقيقي صافٍ، جهاد التوحيد والعقيدة الصحيحة، لا جهاد الشـرعية الدولية ومقاومة المحتل، والمصلحة الوطنية العليا، والمداهنة..! فأبشـروا بالخير إن شاء الله.
ونحن نعرف أن هناك إخوة كثيريـن على عقيدة صحيحة وفهم طيب ومنهج سليم يريدون أن يكون هناك وضع جهادي أفضل في فلسطيـن، لكن لا يساعدهم الحال، ولا يجدون قدرة في يومهم هذا، ولكن هذا بالتأكيد مع مرور الزمن وما أشـرنا إليه من العوامل والمؤثرات سـيكون له شأن إن شاء الله.
وهل يـناسِبُ أن يـنطلقوا الآن ويبدؤوا عملا مستقلا عن التنظيمات الموجودة؟ هذه مسألة هم أولى بالنظر فيها بعد استكمال أدوات النظر والمشاورة والدراسة، والله الموفق.
وههنا مسألة أحب التنبيه عليها: وهي أن هناك فرقًا بيـن جواز استخدام هذه اللغة وهذه الألفاظ مثل: إن المقاومة حق مشـروع لكل الشعوب، وإن من حق الشعب الفلسطيـني كذا وكذا، وإن المصلحة الوطنية والمصلحة العليا للشعب الفلسطيـني تقتضـي كذا (من الحق) وما شابه ذلك؛ استخدام كل ذلك في خطابنا الإعلامي والسـياسـي من باب المحاجة والمجادلة المنطقية، ومن باب مخاطبة الناس بما يـناسبهم من الحجج والبراهيـن والأساليب الجدلية وما نعرف أنه يلائم ثقافتهم وعقليتهم، فهو من باب: حتى على قولكم، وبناء على ما يتفق فيه الناس كلهم من مبادئ..!
أقول هناك فرقٌ بيـن هذا وبيـن أن تكون هذه الكلمات والعبارات مبادئ في حد ذاتها نؤمن بها وننطلق منها ونعتمد عليها، أو نجعلها شعاراتٍ لنا ولدعوتنا نتربى عليها ونربّي عليها ناشئتنا، وتنغرس مدلولاتها في أعماق ضميرنا الاجتماعي.!! فهذا موقف وذلك موقف آخر.
ويظهر الفرق بيـن الموقفيـن في أن الذي لا يؤمن بهذه العبارات وما تحويها من أفكار وإنما هو يستخدمها استخداما سـياسـيا له علامات منها أنه:
- لا يجعلها هي أكبر وأهم الحجج له.
- ولا يكثر منها جدا، بل يتحفظ في استعمالها ويتقلل، ويقولها بقدر الحاجة.
- ولا يبالغ في تزويقها وتزييـنها والانتماء إليها وادعاء الإيمان بها.
- ولا يجعلها شعارًا كما قلنا، فإن الشعار له أثر خطير جدا في التربية.
- ويقدّم عليها دائما أو غالبا الحججَ الحقيقية الديـنية التي هو مؤمنٌ بها.
- ويحرص دائما على اجتناب التلبيس على أتباعه وأحبابه وعلى سائر الخلق.
والله ﷻ أعلم وأحكم.
ومسألة أخرى: وهي التفريق بيـن المداهنة المذمومة، والمداراة والتورية المحمودة؛ فالمداهنة محرّمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩﴾ [القلم]، والمداراة والتورية مشـروعان محمودان في محلهما، والفرق بيـن الاثنيـن يتبيـن من معرفة معنى كل منهما..
في صحيح البخاري: «كتاب الأدب؛ باب المداراة مع الناس»: ويذكر عن أبي الدرداء: «إنا لنكشـر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم»، حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن ابن المنكدر حدثه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أنه استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: (ائذنوا له فبئس ابن العشـيرة أو بئس أخو العشـيرة) فلما دخل ألان له الكلام. فقلت له: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول؟ فقال: (أي عائشة، إن شـر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه).
حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب أخبرنا ابن علية أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة: أن النبي ﷺ أهديت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب؛ فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة، فلما جاء قال: (خبأت هذا لك)، قال أيوب بثوبه وأنه يريه إياه وكان في خلقه شـيء. رواه حماد بن زيد عن أيوب وقال حاتم بن وردان حدثنا أيوب عن بن أبي مليكة عن المسور قدمت على النبي ﷺ أقبية٩٠صحيح البخاري (6131، 6132)، وأثر أبي الدرداء h المعلق ذكره البخاري بصيغة التمريض «يُذكر» فليس هو على شرطه، وقد وصله ابن حجر في «التغليق» من وجهين، مدارهما على «الأحوص بن حكيم»، وقد ذكر ابن حجر الخلاف فيه في: تهذيب التهذيب (1 / 192، 193)، وقال الألباني في: الضعيفة (216): «الحديث لا أصل له مرفوعا، والغالب أنه ثابت موقوفا»، قلتُ: بل الأظهر أنه غير ثابتٍ وطرقه كلها ضعيفة، لا يتقوى بعضها بالآخر، وهذا مفهوم كلام الحافظ وغيره، ولا يعني هذا ضعف المعنى المستقى منه فقد صح من الأحاديث المرفوعة الأخرى.، اهـ.
قال الحافظ في «الفتح»: «قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنيـن، وهي خفض الجناح للناس وليـن الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من الألفة، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشـيء ويستر باطنه، وفسـرها العلماء بأنها معاشـرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سـيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك»٩١فتح الباري (10 / 528، 529)، وينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (9 / 305، 306) ونَقْل الحافظ لكلام ابن بطال بمعناه لا بنصه، وهذه هي عادة أهل العلم في النقل عن غيرهم، وليس في هذا شيءٌ. اهـ.
وقال الحافظ في موضع آخر: «وقال القرطبي: في الحديث [يعني حديث عائشة رضي الله عنها] جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم اتقاء شـرهم؛ ما لم يؤدّ ذلك إلى المداهنة في ديـن الله تعالى، ثم قالَ تبعا لعياض: والفرق بيـن المداراة والمداهنة أن المداراة بذلُ الدنيا لصلاح الدنيا أو الديـن أو هما معا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة تركُ الديـن لصلاح الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حسنَ عشـرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يـناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشـرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى»٩٢فتح الباري (10 / 454)، وينظر: المفهم (6 / 573)، إكمال المعلم (8 / 538). اهـ.
وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه «الروح»: «وكذلك المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم، والفرق بيـنهما: أن الـمُداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه؛ فالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق»٩٣الروح (ص 231)، وقال بعد كلامه المذكور: «.. وَقد ضُرب لذَلِك مثلٌ مُطَابق وَهُوَ حَال رجل بِهِ قرحَة قد آلمته فَجَاءَهُ الطَّبِيب المداوي الرفيق فتعرف حَالهَا ثمَّ أَخذ فِي تليينها حَتَّى إِذا نَضِجَتْ أَخذ فِي بطها بِرِفْق وسهولة حَتَّى أخرج مَا فِيهَا ثمَّ وضع على مَكَانهَا من الدَّوَاء والمرهم مَا يمْنَع فَسَاده وَيقطع مادته ثمَّ تَابع عَلَيْهَا بالمراهم الَّتِي تنْبت اللَّحْم ثمَّ يذر عَلَيْهَا بعد نَبَات اللَّحْم مَا ينشف رطوبتها ثمَّ يشد عَلَيْهَا الرِّبَاط وَلم يزل يُتَابع ذَلِك حَتَّى صلحت، والمداهن قَالَ لصَاحِبهَا: لَا بَأْس عَلَيْك مِنْهَا، وَهَذِه لَا شَيْء فاسترها عَن الْعُيُوب بِخرقَة ثمَّ اله عَنْهَا؛ فَلَا تزَال مدَّتهَا تقوى وتستحكم حَتَّى عظم فَسَادهَ». اهـ، ثم ضـربَ لذلك مثلا فانظر تمام كلامه في الكتاب المذكور.
وقال المناوي في كتابه «التوقيف على مهمات التعاريف»: «المداهنة أن ترى ما تقدر على دفعه فلم تدفعه حفظا لجانب مرتكبه، أو لقلة مبالاة بالديـن، والمداراة الملايـنة والملاطفة، وأصلها المخاتلة من دريت الصـيد وأدريته: ختلته، ومنه الدراية وهو العلم في تكلف وحيلة»٩٤التوقيف على مهمات التعريف (ص 301). اهـ.
وكذلك التورية وهي استعمال المعاريض، وهي أن يقول كلامًا ليفهم السامع من ظاهره شـيئا، ويكون مقصود المتكلم بذلك الكلام معنى آخرًا يحتمله اللفظ؛ فهو فيه صادق ليس بكاذب، وهي جائزة وتوسعة من الله تعالى، وفيها مندوحة عن الكذب، وأمثلتها مشهورة، والحمد لله.
فيجب على المسلم ولا سـيما قُوّاد المسلميـن والمجاهديـن أن يفرقوا بيـن هاتيـن الخصلتيـن، ويأتوا ما أباح الله ويدعوا ما لم يبحْ؛ والله الموفق.
وأما هل يجوز شـرعا تخويـن حماس، ووصفها بأوصاف الردة.. الخ؟ فلا، لا يجوز أن يوصفوا بالردّة أو يُرمَوْا بالكفر..! بل هذا خطأ ننبه شبابنا في كل مكان أن يحذروا منه ولا يتسـرعوا في الحكم على أحدٍ بالكفر، في مثل هذه المسائل التي يقع فيها الخطأ والتأويل، وإن كان الخطأ كبيرًا، إلا أن يجيء من ذلك أمرٌ لا مردّ له ولا يمكن معه عذرٌ..! نسأل الله ألا يكون، ونسأل الله السلامة والعافية، ونسأله ﷻ أن يحفظنا وإخواننا ويثبّتنا على ديـنه الحق.. آميـن.
ومسألة التكفير عمومًا من أكثر وأشد المسائل التي ننبِّه عليها دائما، ونحذر الشباب الجهادي من خطرها، ونقول لهم: اتركوها لعلمائكم الموثوقيـن، ولا تسمحوا لأي أحدٍ ممن هبَّ ودبَّ أن يخوض فيها؛ فإنها خطر عظيم ومزلّة يخشاها العلماء الكبار الأئمة ويترددون في الكثير من صورها الواقعية، ويطلبون دائما سبيل السلامة، ويقولون: لا نعدل بالسلامة شـيئا.!
والشاب من شبابنا العاميِّ في العلمِ يكفيه الإيمان الإجمالي بالله تعالى وبما جاء به رسوله ﷺ، والكفرُ الإجمالي بالطاغوت، وأما التفاصـيل، ومنها الحكم على فلان، وعلى الجماعة الفلانية؛ هل كفروا أو لا؟ هل خرجوا من الملة بفعلهم كذا أو لا؟ وما شابه ذلك من فروع، فهي بحسب العلم؛ لأن هذه مسائل فتوى وقضاء وأحكام شـرعية.. فما لا يعلمه، فليقل: لا أعلمه ولا أدري، وهذا لا يضـره في ديـنه وإيمانه، بل هو صـريح الإيمان.!
والجاهل ليس له أن يتكلم في هذه المسائل ولا يصدر فيها أحكاما ولا يتبنَّى فيها قولا، إلا على سبيل التبعية والتقليد للعلماء، بل يقول: لا أدري واسألوا العلماء؛ فإن تكلم العلماء بعد ذلك فله أن يقلّد أو يتّبعَ من يثق فيه من أهل العلم المعروفيـن بالعلم، والله الموفق لما فيه الخير والصلاح.
وأما التخويـن، أي وصفهم بالخيانة.. فلا نراه أيضا، بل الذي نظنه فيهم أو بعبارة أدقّ في كثير منهم من قياداتهم ومشايخهم الفضلاء أنهم يريدون الخير ساعون في نصـر الديـن متمسكون به بحسب استطاعتهم، ليسوا بحمد الله تعالى خونة ولا ما قارب ذلك، حاشَ لله ومعاذ الله.! وإنما دخل عليهم الغلط والفساد من جهة الفكر والقناعات المنهجية، كما قد سبقت الإشارة إلى الأصل الفكري الإخواني، وأثر منظومة الإخوان المسلميـن العلمية والمشـيخية وغيرها.!!
ومع ذلك لو أطلق بعض الناس عبارة التخويـن في معرض التنفير من فعلهم الخاطئ والتشديد في إنكاره والتغليظ فيه، كأن يقول لهم: خنتم قضـية المسلميـن وخنتم أمانة الله بالجهاد! فهذا قد يكون له مساغ في الإنكار والأمر والنهي، إذا كان صادرا عن إخلاص ونصح من قائله وغيرةٍ للديـن وحمية له، وبالعدل لا بزيادة على الحدّ ولا ظلم، وأما إن خلا من تلك الشـروط فهو على صاحبه لا له.
فليـنظر امرؤ لديـنه..! والله أعلم، نسأل الله لنا ولكم الهدى والسداد.
•••