[لم لا يؤلف الشيخ في مسائل الجهاد المعاصر؟، وهل النصارى الأصليين في بلاد الإسلام أهل ذمة؟]

السؤال الثاني: أيـن الشـيخ من التأليف في التأريخ للجهاد المعاصـر، وفي بحث بعض المسائل المعاصـرة التي لم تعط حقها من البحث كالتترس مثلا؛ فأكثر المؤلفات فيه جاءت قاصـرة لاعتماد أصحابها كليةً على النقل عن الفقهاء غير المعاصـريـن دون البحث في أدلة هذه المسائل والنظر فيها من جهة اختلاف طبيعة المعارك في الجهاد المعاصـر عن السابق.

السؤال الرابع: ما هو اختيار الشـيخ في من هم في الأصل أهل ذمة؛ كنصارى مصـر والعراق.. هل هم اليوم أهل ذمة أم أن عدم إلزامهم -اليوم- بدفع الجزية والتزام أحكام الإسلام والصغار -بغير امتناع منهم- سبب في فسخ عقد الذمة؟ (قد يبدو السؤال خارجًا عن الموضوع إلا أن له تعلقا به من جهة عدم ربط استهداف النصارى في بلاد المسلميـن بالمصلحة فقط)..

وأوصـي الشـيخ بكثرة الإنتاج فيعلم الله أن الساحة بحاجة لأمثاله خصوصًا مع اعتقال أكثر المشايخ المؤيديـن للجهاد، فإن تركتْ فستملأ -ولا بد- بأنصاف المتعلميـن وأهل الغلو.

[السائل: أبو صديق]

الجواب:

جزاك الله خيرا أخي «أبا صديق»، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنكم.

التأليف في التأريخ للجهاد المعاصـر.. ذكرت في محور «الجزائر» من هذه الأجوبة ما وقع لي من محاولة لذلك، لم تر النور لحد الآن ولعل الله يمنُّ بتداركها برحمته ولطفه، ولعل الله ييسـر بفضله الكتابة في أشـياء أخرى في المستقبل، وبارك الله فيكم.

والتأليف لعله ما زال مبكرا على مثلي، وأنا أخشاه وأتقاصـر عنه، وأسأل الله أن يعيـن مَن هم خيرٌ مني لسد الثغرات المشار إليها وغيرها، والله كريم، وفي الموجود بركة إن شاء الله لمن أراد الخير والاستفادة.. وجزاكم الله خيرا على التشجيع والنصح، وتقبل الله منا ومنكم صالح العمل وجنبنا مضلات الفتن.

ص 497

بالنسبة لسؤالكم عن النصارى «المواطنيـن» في بلداننا الآن كمصـر والعراق وغيرها.. هل هم أهل ذمة أو لا؟ فأذكر أن الشـيخ «رفاعي طه» فرّج الله عنه بحث هذه المسألة في كتابه «إماطة اللثام»٣١٢إماطة اللثام عن بعض أحكام ذروة سنام الإسلام (ص 207، وما بعدها) قال: «إن نصارى مصر -وهم المواطنون-، لم يبق أحد منهم آمنًا بالعقد الأول -أي عقد الذمة الذي في أعناقهم منذ فتحت مصر» ثم ذكر عدة أسباب حتى قال: «نصارى مصر يجري عليهم أحكام الكفار غير المعاهدين، ولكن قد تقتضي مصلحة الجهاد عدم التعرض للنصارى المواطنين ما لم يقوموا بشيء من المنكرات التي يُعاقب عليها حتى المسلمون، ومنها التجسس على المسلمين، أو الزنى بمسلمة..» الخ، وللشيخ أبي المنذر الشنقيطي رسالة بعنوان: «إعلام الأمة بانقراض أهل الذمة» بحثَ فيه عددا من المسائل التي تنفي كونهم أهل ذمة؛ فليُراجع.، وقرر أنهم -النصارى المواطنيـن في مصـر- ليسوا أهل ذمة الآن، وليت العلماء يزيدونها بحثها وتوضـيحا، وقد كنت سُـئـِـلتُ قبل عاميـن تقريبا من قبل بعض المجاهديـن في العراق عن هذه المسألة فأجبتهم بما يأتي:

«اعلم أن الكافر نوعان: حربيّ وغير حربيّ.

الحربيّ مباح الدم والمال، غير معصومٍ.. هذا هو الأصل إلا ما استثني من أصنافهم: النساء والصبيان والشـيوخ الفانيـن والمرضـى والزمنى والرهبان في الصوامع والأجراء والفلاحيـن الذيـن لا شأن لهم في العادة في قتال ولا ممارسة سـياسـية ونحوها ونحو ذلك من الأصناف وفي بعضها خلاف وتفاصـيل لا نطيل بها.

وغير الحربي معصوم الدم والمال، وهو ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الذمي: وهو الواقع تحت حكمنا بذمة وهي عقد مؤبّد يدفع بموجبه الجزية، وأهل الذمة وأحكامهم في الجملة تعرفونها.

النوع الثاني: المستأمَــن: وهو الداخل إلى بلادنا وسلطاننا بأمانٍ منا، أو مَـن أعطيـناه نحن الأمان حيث كان ولو في دار الحرب، وللأمان وأحكام المستأمنيـن أيضا فروع وتفاصـيل تعرف في محلها.

النوع الثالث: أهل العهد، وقد يسمّى الصلح والموادعة والهدنة ونحوها؛ فهذا كافر بيـننا وبيـنه عهد، فهو معصوم الدم والمال بذلك العهد مدّة استمرار العهد وبقاء صلاحيته.

فتلخّص أن الحربيّ عند الفقهاء جميعا هو ما لم يكن من أهل الذمّة ولا العهد ولا الأمانِ. هذا لا خلاف فيه بيـن الفقهاء.

ص 498

وإنما الخلاف كما ذكرتُ في تفاصـيل من يستثنى من استحقاق القتل من أصناف الحربييـن، وفي فروع في مسألة الأمان، وفي مسائل من مسائل أحكام الذمة، وفي مسائل وفروع أخرى من باب الهدنة والصلح والموادعة.. وكلها تعرف تفاصـيلها في أبوابها من كتب الفقهاء.

بالنسبة للعراقييـن النصارى أو اليهود أو الصابئة وغيرهم من الأديان غير المسلميـن، ممن هم من أهل العراق من زمن طويل مواطنون عراقيون، فهؤلاء أرى أنه يفصَّل في أمرهم:

فالأصل في هؤلاء أن يكونوا أهل ذمة يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون للمسلميـن، أي للسلطان المسلم.

ولكن باعتبار أنه منذ أزمان لا وجود لسلطان مسلم على الحقيقة في العراق كما في أكثر بلاد المسلميـن، فقد انفرط مع الأزمان عقد ذمتهم، بسبب ترك المسلميـن لتلك العقود وبسبب العولمة وما تفرضه القوى الصليبية العالمية من مفاهيم ومن أحكام أيضا وغير ذلك من الأسباب المعروفة.

وأما البحث الآن هل هم ناقضون لتلك العهود القديمة المتطاولة الأزمان، أم بقي لهم منها شـيء يستحق أن يحترم؟ فهذا ليس الآن هو المهم.

مع أن الظاهر أن التفصـيل هو الواجب؛ فقد يكون فيهم من هو باقٍ على عهده ومستعد للالتزام به، ويرى أن عيشه في كنف المسلميـن خير له ولأهله وعشـيرته، ويحفظ له نفسه وماله وعيشه باحترام، وقد يكون فيهم من يستغل الفرصة للكيد للمسلميـن والوقوف مع عدوهم بغضا وحقا على الإسلام وأهله..!

فهذا كله وارد، ولكن كما ذكرت ليس هو المهم الآن، لأنه يحتاج إلى أن نبيـن للناس أن سلطان الإسلام عاد من جديد وأنهم مطالبون بـتحديد خيارهم إما الاستمرار على الجزية التي كان عليها آباؤهم، أو رفضها ونقض عهودهم وبالتالي فليس إلا الحرب والسـيف.

فالحاصل أنهم في الأصل أهل ذمة، آباؤهم وأجدادهم البُــعداء كانوا يعطون الجزية فعلًا.

ظني أن هذا هو الواقع، وإن كان يحتمل أن بعضهم سكن واستوطن في القرن الأخير مع الاستعمار ولم يكونوا من أهل الذمة سابقًا، فهذا يـنظر أيضًا.

المهم الآن أنه لا وجود للجزية ولا للسلطان الذي يأخذها منهم ويحملهم على مقتضـى تلك العقود القديمة التي دخل بها آباؤهم في ذمتنا، ويـنبذ إليهم على سواء، ومع ذلك فليس للمسلميـن مع هؤلاء عهدٌ يجب الوفاء به، فيما يظهر.!

ص 500

ولكني أرى أن لا يتسـرع المجاهدون للقيام بهذا الدور الآن!! لا داعي لأن يقوم المجاهدون بهذا الدور.. لأنه يشغلهم ويدخلهم في جبهة جديدة ويصـرف جزءًا من طاقتهم في شـيء ليس هو أولوية الآن.. وليكتفِ المجاهدون منهم بأن يعتزلوهم ويكفوا شـرهم عن المجاهديـن وعن المسلميـن ولا يقفوا مع العدو المحتل الصليبي وأوليائه ضد المجاهديـن والمقاومة، فإن فعلوا ذلك والتزموه فهو جيد ومقبول منهم الآن حتى يفتح الله.

ومن رأوا منه وقوفًا مع أعدائهم الصليبييـن والحكومة المرتدة ضد المجاهديـن فهو عدوّ فليتخذوه عدوًا، ولو تـُـصُـوّر أن له بقية عهدٍ فإنه يـنتقض بذلك.. وهذا واضح.

ولا بأس أن يبادرهم المجاهدون بأن يراسلوا رؤوسهم وقياداتهم ويقولوا لهم: نحن لا نتعرّض لأحدٍ منكم ما لم تقفوا مع عدوّنا ضدنا، اتركونا وعدوّنا وكفوا أيديكم تسلموا، فمن تعرّض لنا فهو عدوّ نستبيح قتله وقتل من معه، ونحو ذلك من الخطاب.. فهذا جيد إن شاء الله، ويحصل به تخذيل لهم عن حربنا، وتخذيل بيـن فئات الكفار.. وهو إن شاء الله من السـياسة الحكيمة.. والله أعلم وأحكم ولا حول ولا قوة إلا به ومنه نستمد التوفيق» انتهى الجواب.

والخلاصة: أن الذي يظهر أن هؤلاء ليس لهم عهد «ذمة» يلزم المسلميـن والمجاهديـن احترامُـها؛ فلا نرى لهم عصمة ابتداءً في الجملة، وقد عرفنا الغالب منهم المتأكد أنهم لا يقرون بذلك للمسلميـن، بل هم متمردون على بقايا تلك العهود التاريخية..!

ومع ذلك فلا نأمر بقتلهم إلا إذا شاركوا في حربنا٣١٣كتب الشيخ د. أيمن الظواهري -أمير جماعة قاعدة الجهاد- في رسالته «توجيهات عامة للعمل الجهادي» توجيها للمجاهدين في العالم؛ قال فيه: «عدم مقاتلة الفرق المنحرفة مثل الروافض والإسماعيلية والقاديانية والصوفية المنحرفة ما لم تقاتل أهل السنة، وإذا قاتلتهم فيقتصر الرد على الجهات المقاتلة منها، مع بيان أننا ندافع عن أنفسنا، ويتجنب ضرب غير مقاتليهم وأهاليهم في مساكنهم وأماكن عبادتهم ومواسمهم وتجمعاتهم الدينية. مع الاستمرار في كشف باطلهم وانحرافهم العقدي والسلوكي».، حتى يفتح الله فيرى المسلمون فيهم رأيهم ويكون لهم معهم شأن، وذلك لوجوه:

منها: عدم الانشغال بهم وفتح جبهات واكتساب أعداء جدد، في حيـن نحن في حاجة إلى تحييد من يمكن من الناس والطوائف.

ومنها: الاحتياط لما يمكن أن يكون من البعض القليل جدا إن وجد ممن لا يزال يقر ويرضـى بذمة المسلميـن، ولم يحصل منه نقض لذمته الموروثة عن آبائه إنما واقع الحال هو الذي جعل ذلك العهد كالمعدوم بالنسبة إليه.

ص 501

ومنها: الإبقاء عليهم لعل الله يهدي منهم مَن يشاء، ونحن لسنا مطالبيـن بقتل كل كافر على الفور وعلى كل حال، بل حيث رُجي للكافر أن يسلم ولم يكن هناك ضـررٌ على الإسلام والمسلميـن في الإبقاء عليه.. ترجَح تركه، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، كما هو شأن أصناف الكفار غير المقاتِـَليـن، ويكفي في ذلك الإجماع على جواز المنّ على الأسـير الكافر، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ﴾ [محمد: 4]، وحديث الذي اخترط على النبي ﷺ سـيفه وقال: «مَن يمنعك مني»، إلى آخر القصة وهي في «الصحيح»٣١٤صحيح البخاري (2910، 4135، 4136، 4391)، صحيح مسلم (843).، ولها نظائر في السـيرة النبوية، وغير ذلك كثير.. والله أعلم وبالله التوفيق.

•••