السؤال الثالث: [حكم خطف أصحاب رؤوس الأموال ومفاداتهم لأجل تمويل الجهاد، فضلا عن خطف كبار موظفي الحكومة ومفاداتهم ماليا]
لا يخفى عليكم حاجة الجهاد للمال، وانعدام موارده المستقرة وشحتها:
أ- مؤخرا يمارس الإخوة اختطاف أصحاب رؤوس الأموال ويفرضون عليهم ضرائب مقابل إطلاق سراحهم وربما يمتنع أحدهم من الدفع لمدة طويلة.. نرجو التوجيه الشرعي والعملي؟
ب- أحيانا يقع في الأسر مرتدون «والي، رئيس بلدية، برلماني..» هل يجوز مفاداتهم بالمال أو بأسرى المسلمين؟
الشـيخ عطية الله:
أ - لا بأس إن شاء الله بأخذ بعض أصحاب رؤوس الأموال وأهل الثراء، ومطالبتهم بدفع أموال للجهاد بحسب حالهم من أجل الحاجة الشديدة التي أنتم فيها، ومختصر هذه المسألة ما يلي:
* ما داموا مسلمين فالأصل في أموالهم العصمة كما هي دماؤهم وأعراضهم وأبشارهم، ولا يحلّ شيء من أموالهم إلا بطريقين:
إما -وهو الطريق الأول- بطيب نفس منه، وهذا منعدم الآن؛ لأن فرض المسألة أنهم لا يدفعون شيئا ولا يتبرعون بشـيء ولا يعطون شيئا للمجاهدين، والحاجة ماسّة لأخذ بعض أموالهم الكثيرة للاستعانة بها على الجهاد؛ بل قد تصل هذه الحاجة إلى الضرورة أو ما يقاربها.
وإما -وهو الطريق الثاني-: بحقٍّ، أي بالشرع، وهذا الطريق الثاني له صور:
منها: أخذ الزكاة منه قهرًا وقسرًا وعنوة إذا امتنع من بذلها طوعًا، كما في الحديث الذي في السنن: (فإنا آخذوها وشطر َماله عزمة من عزمات ربنا)٧٣٢سنن النسائي (2449)، سنن أبي داود (1575) وصححه الألباني.، فأما أخذها منه فمحل اتفاق بين الفقهاء، وأما أخذ شطر ماله فاختلفوا فيه؛ فمنهم من أخذ بظاهره، وجعلوه من باب التعزير بأخذ المال -عقوبة مالية-، ومنهم من قال: إنه منسوخ، وهذا ضعيفٌ، ومنهم من اعتذر عن الأخذ بظاهره بتأويلات لا تخلو من ضعف.
ومنها: أخذ الحقوق الواجبة عليهم مثل النفقات الواجبة عليهم لأزواج أو عيالٍ أو غيرهم.
ومنها: أخذ الديات وأروش الجنايات متى ما وجبت على أحد منهم.. ونحوها.
ومنها: أخذ الضمان في حال استحقاقه على أحد منهم ووجوبه عليه بالقضاء.
ومنها: أخذ الغصوب منهم لو كانوا مغتصبين شيئا؛ فترد إلى أهلها، إن كان مالا عامّا أو خاصّا، ويضمنون قيمتها في حال التلف والاستهلاك.
ومنها: أخذ الضيافة منهم إذا نزل بهم ضيف وأبوا أن يضيّفوه، فيُؤخذ منهم قدرُها لثلاثة أيام.
وهل منها أخذ شيء من أموالهم من أجل سدّ حاجة المجاهدين والثغور وتخليص الأسرى وسدّ حاجة المشرفين على التلفِ؟
الجواب: نعم، الصحيح أن ذلك منه، أي مما يجوز ويُشرَعُ، لا شك في هذا.
وقد قرر ذلك الفقهاء، وحاصله: أن الدولة ومثلها الآن في حالنا: الجماعة الجهادية في بلد أو ناحيةٍ ما إذا عجزت -أي عجز بيت المال- عن سدّ هذه الحاجات، وكان الأمر بحيث لو لم نأخذ فضول أموال هؤلاء الأغنياء؛ انسد باب الجهاد أو تعطل أو ضعف المسلمون -أي مجاهدوهم وجيشهم- عن مقاومة العدوّ، وتعرّض للهزيمة والانكسار؛ فإن ذلك يبيح لنا الأخذ من أموالهم ما يسدّ الحاجة، ولا نزيد على قدر الحاجة.
فهذه مسألة صحيحة، وفقه صحيح.
والدليل عليه كثير:
منه: أن هذا موضع ضرورة كما هو واضحٌ، وهي مصلحة ضرورية كلية كما سيأتي إن شاء الله في كلام الغزالي وغيره، تـُـدفَع بها مفسدة ضرورية أيضا.
ومنه: مسألة وجوب المواساة، وفيها تفصيل يعرَف في محله.
ومنه: وجوب الجهاد بالمال عليهم وعلى الناس جميعا، فإذا قصّـروا، كان لولي الأمر أن يستخرجه منهم بالقوة إذا كان متعيّنا عليهم، ومنه ما إذا كان كفائيا وقصّروا ولم يقم به أحدٌ.
ومنه: أن الإجماع منعقد على وجوب بذل فضول الأموال لردّ العدوّ الصائل النازل بالعقر وتخليص الأسرى.. حكاه غير واحد من الأئمة.
كما قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: «وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة؛ فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة فيها نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم»٧٣٣أحكام القرآن لابن العربي (1/ 88). اهـ.
وقوله: «إذا منع الوالي الزكاة» معناه إذا قبضها وامتنع عن صرفها على الفقراء والمستحقين.
وقال رحمه الله أيضا: «وأما قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ﴾ [الأنفال: ٧٢]: فإن ذلك عام في النصرة والميراث؛ فإن من كان مقيما بمكة على إيمانه لم يكن ذلك معتدا له به، ولا مثابا عليه حتى يهاجر، ثم نسخ الله ذلك بفتح مكة والميراث بالقرابة، سواء كان الوارث في دار الحرب أو في دار السلام؛ لسقوط اعتبار الهجرة بالسنة، إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين؛ فإن الولاية معهم قائمة، والنصـرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء.. فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد، والقوة والجلد»٧٣٤أحكام القرآن لابن العربي (2/ 440). اهـ.
ومنه: قياسه على جواز أخذ قدر الضيافة منهم لو امتنعوا عن بذلها، وفي المسألة نصوص حديثية معروفة، كما في الصحيحين وغيرهما عن عقبة بن عامر h أنه قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ: (إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)٧٣٥صحيح البخاري (6137)، صحيح مسلم (1727). اهـ.
وهل هو خاصّ بأهل البوادي، أو عامّ فيهم وفي غيرهم؟ خلافٌ بين العلماء.
قال في عون المعبود: «قال النووي: حمل أحمد والليث الحديث على ظاهره وتأوله الجمهور على وجوه أحدها أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة وثانيها أن معناه أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لومهم قلت: وما أبعد هذا التأويل عن سواء السبيل قال: وثالثها أن هذا التأويل باطل لأن الذي ادعاه المؤول لا يعرف قائله، ورابعها: أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذي شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وهذا أيضا ضعيف لأنه إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب h كذا في المرقاة. قلت: التأويل الأول أيضا ضعيف لأنه مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة، ولبطلان التأويل الثالث وجه آخر وهو أن تخصيص ما شرعه ﷺ لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل ولم يقم ها هنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة، وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية؛ لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه؛ فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعا كالمطالبة بسائر الحقوق فإذا أساء إليه واعتدى عليه بإهمال حقه كان له مكافأته بما أباحه له الشارع في هذا الحديث: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ﴾ [البقرة: ١٩٤].
واعلم أن الضيافة ليست بواجبة عند جمهور العلماء، لكن ذهب البعض إلى وجوبها لأمور: الأول إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب، والثاني قوله (فما سوى ذلك صدقة)٧٣٦جامع معمر بن راشد (20582)، والحديث هو قوله ﷺ: (حق الضيافة ثلاثة، وما سوى ذلك صدقة). فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعا، والثالث قوله ﷺ: (ليلة الضيف حق)٧٣٧سنن أبي داود (3750) وصححه الألباني.، وفي رواية: (ليلة الضيافة واجبة)٧٣٨سنن ابن ماجه (3677) وصححه الألباني. فهذا التصريح بالوجوب، والرابع قوله ﷺ: (فإن نصره حق كل مسلم)٧٣٩سنن أبي داود (3751)، مسند أحمد (17197) وضعفه الألباني، وضعفه الأرنؤوط.؛ فإن هذا وجوب النصـرة وذلك فرع وجوب الضيافة وهذه الدلائل تقوي مذهب ذلك البعض وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس والتفصيل في النيل»٧٤٠عون المعبود (10/ 156). اهـ.
ومنه: فتوى النبي ﷺ أو قضاؤه في قصة هند بنت عتبة وقوله لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)٧٤١صحيح البخاري (5364)..
ومنه: غير ذلك..!
والمقصود أن هذا أصلٌ متقرر دل عليه الشرع بأدلة كثيرة جدًا.
وفي فتاوى العلماء ذلك معروف غير منكور..
وقصة سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله مع سلاطين المماليك مشهورة.
وقال ابن حزم رحمه الله في المحلى: «مسألة: قال أبو محمد: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم؛ فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذى لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف، والشمس وعيون المارة، برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وَقال تعالى:: ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ [النساء: ٣٦]..»٧٤٢المحلى بالآثار (4/ 281). إلى آخر كلامه؛ فانظروه في «المحلى» في آخر كتاب الزكاة، فإنه جيّد.
وقال خليل بن إسحاق في مختصره في كتاب الجهاد وأحكام المسابقة: «الجهادُ في أهم جهة كل سنة، وإن خاف محاربا، كزيارة الكعبة، فرضُ كفاية، ولو مع والٍ جائر، على كل حر ذكر مكلف قادر، كالقيام بعلوم الشـرع والفتوى، ودفع الضـرر عن المسلمين، والقضاء، والشهادة، والإمامة والأمر بالمعروف، والحرف المهمة ورد السلام، وتجهيز الميت، وفك الأسير. وتعين بفجئ العدو، وإن على امرأة، وعلى مَن بقربهم إن عجزوا، وبتعيين الإمام..» ٧٤٣مختصر خليل (ص 88). الخ.
وانظر كلام الشرّاح على قوله «ودفع الضرر عن المسلمين».
الدسوقي: «أي بإطعام جائع وستر عورة حيث لم تف الصدقات ولا بيت المال بذلك، وبالمعاونة على رد ما أخذه اللص لصاحبه، وبرد الظالم على المظلوم وبغير ذلك» ٧٤٤حاشية الدسوقي على مختصر خليل (2/ 174). اهـ.
عليش: ««و» القيام بدفع «الضـرر عن المسلمين» ونسخة «غ» والدرء مصدر درأ أي الدفع أولى لعدم احتياجها لتقدير، ويلحق بالمسلمين من في حكمهم كأهل الذمة، والدفع بإطعام جائع وستر عورة حيث لم تف الصدقات، ولا بيت المال بذلك» ٧٤٥منح الجليل شرح مختصر خليل لعليش المالكي (3/ 138). اهـ.
وفي «نهاية المحتاج» للرملي إلى «شرح المنهاج» للنووي عطفا على فروض الكفايات: ««ودفع ضرر» المعصوم من «المسلمين» وأهل الذمة على القادرين، وهم من عنده زيادة على كفاية سنة لهم ولممونهم كما في الروضة وإن نازع فيه البلقيني «ككسوة عار» ما يستر عورته أو يقي بدنه مما يضـره كما هو ظاهر، وتعبير الروضة بستر العورة مثال: «وإطعام جائع إذا لم يندفع» ذلك الضـرر بزكاة و«سهم المصالح» من «بيت المال» لعدم شيء فيه أو لمنع متوليه ولو ظلما ونذر وكفارة ووقف ووصية صيانة للنفوس، ومنه يؤخذ أنه لو سئل قادر في دفع ضرر لم يجز له الامتناع، وإن كان هناك قادر آخر، وهو متجه لئلا يؤدي إلى التواكل، بخلاف المفتى له الامتناع إذا كان ثم غيره، ويفرق بأن النفوس جبلت على محبة العلم وإفادته، فالتواكل فيه بعيد جدا بخلاف المال، وهل المراد بدفع ضرر من ذكر ما يسد الرمق أم الكفاية؛ قولان أصحهما ثانيهما، فيجب في الكسوة ما يستر كل البدن على حسب ما يليق بالحال من شتاء وصيف، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما كأجرة طبيب وثمن دواء وخادم منقطع كما هو واضح، ولا ينافي ما تقرر قوله لا يلزم المالك بذل طعامه لمضطر إلا ببدله لحمل ذلك على غير غنى يلزمه المواساة، ومما يندفع به ضرر المسلمين والذميين فك أسراهم على التفصيل الآتي في الهدنة، وعمارة نحو سور البلد وكفاية القائمين بحفظها فمؤنة ذلك على بيت المال، ثم على القادرين المذكورين، ولو تعذر استيعابهم خص به الوالي من شاء منهم»٧٤٦نهاية المحتاج (8/ 49). اهـ.
ونصوص العلماء في هذا كثيرة جدا من كل المذاهب.
وقال الغزالي رحمه الله في المستصفى في بحث المصالح بعد أن مثّـل لكلامه بمسألة التترس، وأطال الكلام فيها، قال: «فإن قيل: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا؟ قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج؛ لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول معينة فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكل ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه» ٧٤٧المستصفى (1/ 177). اهـ.
وقال إمام الحرمين رحمه الله في الغياثي -غياث الأمم في التياث الظلم-: «فأما الكلام في الفصل الثالث منها، وهو أهمها؛ فالغرض ذكر ما تقتضيه الإيالة الشرعية، والسياسة الدينية فيه، إذا صفرت يد راعي الرعية عن الأموال، والحاجات ماسة.. فليت شعري، كيف الحكم وما وجه القضية؟ فإن ارتقب الإمام حصول أموال في الاستقبال، ضاع رجال القتال، وجر ضياعهم أسوأ الأحوال. وإن استرسل في مد اليد إلى ما يصادفه من مال من غير ضبط أفضى إلى الانحلال، والخروج عن الشرع في الأقوال والأفعال، وقد قدمنا فيما سبق، أنا لا نحدث لتربية الممالك في معرض الاستصواب مسالك، لا يرى لها من شرعة المصطفى ﷺ مدارك. فإن بلي الإمام بذلك فليتئد، ولينعم النظر هنالك فقد دفع إلى خطبين عظيمين: أحدهما: تعريض الخطة للضياع. والثاني: أخذ أموال في غير إسناد استحقاقه إلى مستند معروف مألوف.. والله ولي التوفيق والتيسير، وهو بإسعاف راجيه جدير.. فنقول: إذا خلا بيت المال انقسمت الأحوال، ونحن نرتبها على ثلاثة أقسام، ونأتي في كل قسم منها بما هو مأخذ الأحكام.. وطرح القضايا السياسية بالموجبات الشرعية؛ فلا يخلو الحال، وقد صفر بيت المال من ثلاثة أنحاء: أحدها: أن يطأ الكفار -والعياذ بالله- ديار الإسلام. والثاني: ألا يطئوها، ولكنا نستشعر من جنود الإسلام اختلالا، ونتوقع انحلالا وانفلالا، لو لم نصادف مالا، ثم يترتب على ذلك استجراء الكفار في الأقطار، وتشوفهم إلى وطء أطراف الديار. والثالث: أن يكون جنود الإسلام في الثغور والمراصد على أهب وعتاد، وشوكة واستعداد، لو وقفوا، ولو ندبوا للغزو والجهاد، لاحتاجوا إلى ازدياد في الاستعداد، وفضل استمداد، ولو لم يمدوا لانقطعوا عن الجهاد.. فهذه التقاسيم قاعدة الفصل؛ فلنقل فيها أولا، ولنذكر في كل قسم منها معولا ثم ننظر إلى ما وراءها والله المستعان، على ما نحاوله من البيان. فصلٌ فأما إذا وطئ الكفار..» ٧٤٨غياث الأمم (ص 258). اهـ، إلخ كلامه فانظروه فإنه في غاية النفاسة والأهمية.
وقال الشاطبي رحمه الله في الاعتصام عند كلامه على المصالح المرسَلة، في المثال الخامس من الأمثلة العشرة التي مثّل بها لها: «المثال الخامس: إنا إذا قررنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم؛ فللإمام إذا كان عدلا أن يوظّف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك، كيلا يؤدي تخصيص الناس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلا من كثير بحيث لا يجحف بأحد ويحصل المقصود، وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا فإن القضية فيه أحرى ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمامُ ذلك النظام بطلت شوكة الإمام وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدله، فالذين يحذرون من الدواهي لو تنقطع عنهم الشوكة يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها فضلا عن اليسير منها، فإذا عورض هذا الضررُ العظيم بالضرر اللاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الأول، وهو مما يعلم من مقصود الشـرع قبل النظر في الشواهد، والملائمة الأخرى: أن الأبَ في طفله أو الوصي في يتيمه أو الكافل فيمن يكفله مأمور برعاية الأصلح له، وهو يصرف ماله إلى وجوه من النفقات أو المؤن المحتاج إليها، وكل ما يراه سببا لزيادة ماله أو حراسته من التلف جاز له بذل المال في تحصيله، ومصلحة الإسلام عامة لا تتقاصر عن مصلحة طفل ولا نظر إمام المسلمين يتقاعد عن نظر واحد من الآحاد في حق محجوره، ولو وطىء الكفارُ أرضَ الإسلام لوجب القيام بالنصـرة وإذا دعاهم الإمام وجبت الإجابة وفيه إتعاب النفوس وتعريضها إلى الهلكة زيادة إلى إنفاق المال، وليس ذلك إلا لحماية الدين ومصلحة المسلمين.. فإذا قدرنا هجومهم واستشعر الإمام في الشوكة ضعفا وجب على الكافة إمدادُهم، كيف والجهادُ في كل سنة واجب على الخلق، وإنما يسقط باشتغال المرتزقة فلا يتمارى في بذل المال لمثل ذلك، وإذا قدرنا انعدام الكفار الذين يخاف من جهتهم، فلا يؤمن من انفتاح باب الفتن بين المسلمين، فالمسألة على حالها كما كانت، وتوقع الفساد عتيد فلا بد من الحراس، فهذه ملاءمة صحيحة إلا أنها في محل ضرورة فتقدر بقدرها، فلا يصح هذا الحكم إلا مع وجودها، والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخلٌ ينتظر أو يرتجى، وأما إذا لم ينتظر شيئا وضعفت وجوه الدخل بحيث لا يغني كبير شيء.. فلا بد من جريان حكم التوظيف. وهذه المسألة نص عليها الغزالي في مواضع من كتبه وتلاه في تصحيحها ابن العربي في أحكام القرآن له، وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام وإيقاع التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع» ٧٤٩الاعتصام للشاطبي (2/ 620). اهـ.
فهذه بعض النقول عن الفقهاء في هذا الباب، وكلامهم في هذا مشهور كما قلتُ.
ثم في مسألتكم انضاف إلى أصل المسألة شيء آخر وهو:
خطف صاحب المال المراد أخذ شيء من ماله عنوة.
وذلك أذى له، ويقتضيه ترويعه وترويع أهله وذويه.
وانضاف إليها شيء آخر، وهو: الخوف من وقوع مفسدة أكبر ومنكرٍ أعظم، وهو تنفير الناس وصدّهم عن سبيل الله، إذا ظنوا أن المجاهدين يعتدون على أموال الناس..!
فلا بد من النظر في هذه الأشياء، فأقول مستعينا بالله:
الذي أره لإخواني هو الآتي:
يجوز لكم أخذ شيء من أموالهم تسدون بها ضرورتكم، وإذا كان ذلك متوقفا على خطف الشخص وأخذه إلى السجن حتى يدفع المقدار المطلوبَ منه، فلا بأس، ويُغتَـفَـر ما في ضمن ذلك من بعض الأذى له والترويع له ولأهله، لكن بشروط:
- لا تأخذون من كل أحدٍ إلا المقدار الذي لا يُجحف به ولا يذهب بماله، بل تأخذون بالمعروف، وتقسّمون الأخذ على أصحاب رؤوس الأموال بحسب أموالهم، وتنسدّ الحاجة إن شاء الله بدون إجحافٍ بأحدٍ.
-أن يكون الخطفُ آخر حلّ، كالكيّ آخر الدواء، فإن أمكن أن تكلموا الناس وتراسلوهم فيدفعوا ما يكفيكم فلا يجوز الخطف والسجن والأذى.
- جائز في حال تعيّن الخطف طريقا كآخر حلّ أن تسجنوا الشخص مدة وتخوّفوه نوعَ تخويف حتى يدفع ما تقرر عليه من قبلكم، وذلك لضرورة سد حاجة الجهاد والمجاهدين.
- يجب ألا يؤدّي كل ذلك إلى إحداث مفسدة أعظم من مفسدة نقص وانعدام الأموال، بمعنى ألا يؤدي عملكم هذا إلى منكر أكبر؛ فإن أدى إليه منعنا منه، وهذا محل إجماع لا خلاف فيه، أعني شرط ألا يؤدي الأمر والنهي إلى منكر أكبر ومفسدة أعظم.
فعليكم أن تدرسوا الحالات، وتختاروا في كل منطقة ومع كل أناس ما يناسبهم، وليس شرطا أن تعاملوا كل الناس وكل المناطق بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب، بل تتصـرفون في كل حالٍ ومع كل أناس بما يناسب، مما يحقق المصلحة ولا يترتب عليه مفسدة أكبر.
وتأخذون القليل الكافي -قدر الحاجة وحتى أقل منه، تيسيرًا على الناس-، وتقسّمون الأخذات على الناس، بحسب أموالهم وثرائهم، وهكذا.
وعاملوا الناس بالمعاملة الحسنة، وعظوهم وأحسنوا إليهم وتألفوهم، وبيّنوا لهم أن هذا واجبٌ نأخذه منكم للضـرورة لأنكم لم تدفعوه بسبب من الأسباب إما لعدم ثقتكم فينا لعدم معرفتكم بنا، وإما لشدة حبكم للمال وجمعكم له وتقصيركم في البذل وشكر النعمة، وإما لخوفكم من العدوّ.. الخ.
فنحن نأخذ منكم قدر الحاجة للجهاد ولمصلحة الإسلام والمسلمين، ولا نجحف بكم ولا نعتدي عليكم، ولا نضـركم، وما في ضمن هذا العمل من بعض الأذى، فلا بد منهم ونحن مضطرون إليه، ونعمل في ذلك بالشرع وفتوى علماء الإسلام.. إلخ، ونحو ذلك من التفهيم.
وتفهمون الواحد منهم أنه لو دفع لكم في كل سنة أو ستة شهور أو نحوها مبلغا معينا عن طريق الطريق الفلاني، فلا يتعرض لشيء بعدها.. وهكذا.
فإن المال شقيق النفس، ولا تنسوا وصية رسول الله ﷺ لمعاذ: (واتق كرائم أموالهم)٧٥٠صحيح البخاري (1458، 7371) بلفظ: (وَتوقَّ كرائم أموال الناس)، صحيح مسلم (19) بلفظ: (وتوق..)، وجاء لفظ الشيخ في: المعجم الكبير للطبراني (12207)..!
فهذا الأمر -أخذ أموال الناس- سبيلُ تنفير، وسبيلٌ خطِرٌ جدًا..! وإنما جوّزنا ما جوّزنا للضرورة.
وشرطنا ألا يحدث منكر أكبر من مثل تنفير الناس عن الجهاد والمجاهدين وانقلاب الناس عنا وعن نصرتنا وذهابهم إلى صف العدو المرتد الذي يظنون أنه يحفظ أموالهم ويصونهم..!!
فإذن لتتصرفوا في ضوء هذا الفقه، بالمعروف..
والله معكم وهو خيرُ الرازقين عز وجل، قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢﴾ [طه]، ﴿فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧﴾ [العنكبوت]، وَقال تعالى:: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨﴾ [الذاريات]، والله أعلم.
باء: مسألة مفاداة أسرى المرتدين بأسرى المسلمين أو مبادلتهم بالمال؛ الصحيح فيها عندي الجواز، وهي مسألة جرى فيها البحث كثيرا، والخلاف واقع فيها بين الناس، وقد سألتُ فيها جماعة من أهل العلم ومعظمهم أجازها.
ولعلي أكتب لكم ما عندي فيها في فرصة أخرى إن شاء الله، لضيق الوقت الآن
❖❖❖