[الرد على من زعم أنّ المنهج الجهادي لا يستجلب إلا المغرر بهم، الذين يفرقون الأمة]
مركز اليقين: لكن هناك من يقول بأن هذا الفكر الذي يجعل من المسلم الذي ينصـر المسلمين والذي لا يقترب من الأمريكيين ولا يساعدهم ولا يعاونهم ولا يشـير عليهم هو المسلم الصادق، وأن من يدخل في الحلول الأمريكية والغربية سواء أكانت تحالفات محاربة الإرهاب أو قبول حلولهم السـياسـية الديمقراطية والتحررية، بأنه ليس بمسلم وأنه خائن لأمته ودينه ووطنه، هناك من يقول أن هذا الفكر لا يؤثر إلا على المتحمسـين ولا يستقطب إلا المُغرر بهم كما يصفهم الإعلام، الذين لم يجدوا فرصا في اندماج اقتصادي أفضل في مجتمعاتهم أو حرية أوسع في المشاركة السـياسـية، وأنه لا ينتج نتيجة واضحة ولا يثمر في النهاية سوى المزيد من التفتت في البلاد والمجتمعات الإسلامية ويؤول إلى التمزق والصـراع الداخلي بين هؤلاء الأبناء أنفسهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم؟
الشـيخ عطية الله: هذا كلام يطول.. ويحتاج إلى مقام أرحب، لكن على كل حال، القول بأن هذا الفكر الذي قلنا إنه فكر ومنهج الحركة الجهادية إنه فكر لا يؤثر إلا في المتحمّسـين العاطفيين ولا يستقطب إلا كذا وكذا، هذه تقريبا هي مقولة كل أعداء الرسل في كل زمان على مر التاريخ، ومعلومٌ أن أتباع الرسل هم الضعفاء «قال: أأشـراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال بل ضعفاؤهم، قال: وهم أتباع الرسل»٣٨٥صحيح البخاري (4553)، صحيح مسلم (1773) وساق الشيح جزءا منه فقط. وهذا مدلولٌ عليه في القرآن والسنة في قصص الأنبياء وسـيرة نبينا محمد ﷺ.
فنعم، هذا المنهج أتباعه في الغالب هم الضعفاء البسطاء والفقراء، وهم أتباع الرسل؛ لأنهم بحسب سنة الله التي أجراها في خلقه، هم أصفى فطرًا وأقرب إلى قبول الهدى وأقل موانعَ، بخلاف المترفين المذمومين في القرآن الذين هم أعداء الرسل غالبًا، وبخلاف الأشـراف، والمقصود بهم الزعماء وسادات الأقوام وأهل الملك وأصحاب الرياسات.. اللهم إنا نسألك حبَّ المساكين.
وأما تزويقات بعض المزوّقين ممن يريد أن يخرج عن المحاصـرة السابقة، ويقول: لا، أنا أقصد أنه فكر عاطفي يجمّع المتحمّسـين أعني تحمّسًا زائدًا مذمومًا، بدون عقل للأمور وحسن فهم وتدبر وتفكر وتأمل، وأنه فكر لا ثباتَ له ولا رسوخ، ولا يستهوي إلا الفئات التي هي قليلة عقل وفهم وعلم.. إلخ.
ففي الحقيقة، عند التدقيق والتحقيق.. فإن هذا هو من جنس ذاك، ولهذا نقول لمَن يقولون مثل هذا الكلام: اتقوا الله وخافوا غضبه وسخطه، وإياكم أن تشابهوا الكفرة المشـركين في حججهم في رد الحق ومعارضة طريق الأنبياء، والصد عنها، وإياكم ومشابهة المنافقين في أقوالهم ولمزهم للمؤمنين، فإن الله عز وجل لم يقص علينا قصص الأقوام المعاندين للأنبياء والرسل وما قالوه ودفعوا به في وجوههم من الحجج الباطلة الداحضة وما تعللوا به لرد دعوتهم، وما بيَّن لنا صفات المنافقين ونبَّأنا من أخبارهم إلا لكي نحذرَ صفتهم والوقوع فيما وقعوا فيه ونحذر من التشبه بهم والكون مثلهم؛ فإن مثلهم مثل السوء الذي يبغضه الله عز وجل ويسخط على صاحبه، والعياذ بالله.!
فكيف يليق بمؤمن يدّعي اتباع النبي ﷺ أن يقول هذه الأقوال ويلقيها على الناس ويلبّس به على الخلق ويصدّ بها عن سبيل الله؟ أما يخشـى أمثال هؤلاء أن ينالهم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦﴾ [ص] وقوله عز وجل: ﴿وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤﴾ [النحل] ونحوها من آيات الوعيد لمن يصدّ عن سبيل الله.؟! حتى وصل الحال ببعضهم إلى أن يصف سعي الحركة الإسلامية الجهادية إلى إقامة حكم الله في الأرض، وإقامة دولة الإسلام بأنه «أحلام» و«خيال»..!
فبالله عليك.. أليس هذا مضاهيا لقول المنافقين عن النبي ﷺ وأتباعه وأصحابه: ﴿غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ﴾ [الأنفال: 49]؟! نعوذ بالله من سبل الضلالة.
لكن لو تجاوزنا هذا.. فإن أول رد لهذا الكلام هو أنه دعوى، مجرد دعوى، للمخالف أن يدّعي عكسها، ويقلبها على صاحبها حرفا بحرفٍ.! ثم يقال له: كلامك باطل بلا ريب، ودليل هذا: تفضّل وادخل في التفاصـيل، وأرنا برهانك إن كنت صادقا، وسـيتبيّن عند تصاول الفرسان في حلبة الميدان: ميدان الحجج والبحث العلمي، كيف تعلو براهين الحق ويُزهق الباطل، لأن الباطل زهوقٌ، لا يثبت أمام قذائف الحق التي هي البراهين والأدلة والحجج الباهرات والبيّنات الساطعات.!
وكذلك قوله: «لا ينتج نتيجة ولا ثمرة».. إلخ، فهذا كله من الدعاوى الباطلة والمحاجة بالباطل لا غير! وإلا فثمرات هذا المنهج وهذه الحركة التي تتبنى هذا المنهج ظاهرة لأولي الأبصار، وهي بركة على الأمة، كما تكلمنا في شـيء من ذلك في أول هذا اللقاء.
والكلام عن صـراعات بين أبناء هذا الفكر، هو كذلك من المحاجة بالباطل، فأين الصـراع بين أبناء هذا الفكر والمنهج في الواقع؟! بل الصـراع في غيرهم وبين صفوف مخالفيهم أصحاب السبل المتفرّقة، والواقع شاهد ذلك، فالمنكر له مكابر أو جاهل بالتاريخ والحال.. ثم لو وقع صـراعٌ بين المؤمنين بهذا المنهج أحيانًا فهل هذا دليل على بطلانه؟ الجواب بالنفي طبعا، فإن الصـراع قد يقع بين الصالحين الأخيار، وله أسبابه الكثيرة، من أهمها: الهوى، والتأويل، التأويل أكثر في أهل الصلاح، والهوى ألصق بأهل الدنيا وقليلي الدين.
وأما الكلام عن صـراع بين أبناء هذا المنهج وبين حكوماتهم، والمقصود بها الحكومات المرتدة الحاكمة في بلداننا الإسلامية اليوم، فهذا لعل صاحبه أرد أن يجعله من باب المدح بما يشبه الذم.!
•••