[سياسة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله، والقول في «جماعة أنصار السنة»، ومسائل في أحكام البيعة بين الجماعات الجهادية، والفرقة أولى أم الاجتماع في الساحة العراقية؟]
الثالث عشـر: هل عندك انتقادات على سـياسة الشـيخ أبي مصعب الزرقاوي وتنظيم القاعدة في العراق يمكن أن نستفيد منها نحن مستقبلا في عملنا الجهادي في بلادنا؟.
الرابع عشـر: هل ترى صواب ما تفعله «جماعة أنصار السنة» من بقائها بعيدة عن التوحد مع إخوانهم في «مجلس شورى المجاهديـن» أو في عدم انضمامها لجماعة القاعدة بدعوى الأخطاء في السـياسات المطبقة من قبل الشـيخ أبي مصعب حفظه الله ورعاه؟ أو بسبب أنها ترى نفسها أنها هي الجماعة الأقدم التي يـنبغي لجماعة القاعدة الانضمام إليها وليس العكس؟ وهل ترى أن بيعة القاعدة لازمة لكل المجاهديـن في العراق، وأن الغير مبايع للقاعدة هو عاصٍ أو باغٍ أو مبتدع؟ أم يجوز لكل جماعة أن تبقى على تنظيمها أو حتى تشكيل جماعات جديدة في العراق؟ وهل مجلس شورى المجاهديـن أميره هو الشـيخ أبا مصعب أم غيره؟
[السائل: مع الحق]
الجواب:
جواب الفقرة 13: يا أخي الكريم لو أنا عندي انتقادات على الشـيخ أبي مصعب رحمه الله وعلى تنظيم القاعدة في العراق؛ فليس من الحصافة أن أقول ذلك في مكان عامٍّ على الملأ بشكل سـرديٍّ.! كل إنسان يؤخذ من قوله ويُرد إلا رسول الله ﷺ.. وكل إنسان ما عدا أنبياء الله ورسله يخطئ ويصـيب.. والناس لا يزالون يختلفون في الرأي والاجتهاد من لدن وجدَ البشـر على الأرض، وإلى يوم القيامة، وإنما الخلاف عندنا نحن المسلميـن له فقهه وآدابه.. وعندما تكون لنا ملاحظة على شـيء ننصح ونكاتب ونحاول توصـيلها إلى إخواننا بالطرق المناسبة الخاصة إن أمكن، فإن لم يمكن كتبنا في حيـنها على العامّ.. والحمد لله.
وعمومًا ليس عندي على الشـيخ أبي مصعب وعلى التنظيم وسـياسته وأفكاره إلا ما هو من قبيل الرأي والاجتهاد، ونحن دائما نؤكد أننا بعيدون عن الساحة وميدان العمل الذي هم فيه وهم أهله، لأن هذا الفرق مهمّ ومؤثر؛ فلا بد للإنسان دائما أنه مهما أبدى رأيه عليه أن يتحفظ ويحتاط، لأنه لا يدري لعل الواقع اقتضـى من إخوانه اجتهادا مختلفًا، والله الموفق.
جواب الفقرة 14: أيضا يا أخي الكريم كما قلنا قريبا، فالحكم بيـن الإخوة هكذا عن بُعد شـيء صعب وعرضة للخطأ، ونحن نتمنى أن يكون الإخوة كلهم جماعة واحدة متحدة، سواء في مجلس الشورى المشار إليه أو في إطار غيره.
ولكن لماذا إخواننا في «أنصار السنة» لم يدخلوا هذا المجلس.. فهذا راجع إلى اجتهاد لهم يرونه، ويرون أن بقاءهم مستقليـن أفيد وأنفع لحد الآن، مع أنهم حسب علمي لا يمانعون من التوحد مع أي جماعة أخرى من إخوانهم بعد التعارف والتواثق والاطمئنان الجيد.
الذي أعرفه أن عدم دخول الأنصار في المجلس هو راجع إلى سبب فني إداريّ وسـياسـي أكثر من رجوعه إلى سبب منهجي فكري.. وهذا نرجو أنه قابل للحل إن شاء الله تعالى، لكن بشـرط توفر النية والعزم الأكيد والحرقة على الوحدة ورص الصفوف، مع الفقه المناسب لهذه المسائل، ومع تظافر الجهود بإذن الله نرجو الخير.
أما أن جماعة «أنصار السنة» ترى نفسها أنها هي الجماعة الأقدم التي يـنبغي لجماعة «القاعدة» الانضمام إليها وليس العكس -كما قلتُم- فهذا لا أظنه واردًا عندهم الآن، قد يكون هذا كان في بادئ الأمر.. أما الآن فلا، وهم يعرفون أن هذا لا اعتبار له ولا تأثير، والواقع قد تجاوز هذا الشـيء، وأول جواب عليه أن «القاعدة» سابقة لهم ومتقدمة عليهم تاريخيًا وبكل المقاييس، أعني «القاعدة» ككل لا في خصوص بلاد الرافديـن؛ فإن التي في بلاد الرافديـن هي فرعٌ، فانتهى الإشكال.. أعتقد أن هذا لا يطرحه الإخوة في الأنصار.. هم أكبر من ذلك والحمد لله.
لكن هي كما قلت لك.. اختلافات معظمها في العمل على الميدان، في السـياسات والإدارة، وفي ملاحظتهم على بعض الأطراف والشخصـيات، وما شابه.. هذه الأمور التي يختلف فيها الإخوة.. نسأل الله أن يصلح الأحوال وأن يؤلف قلوب عباده المؤمنيـن.
وأما سؤالك: «وهل ترى أن بيعة القاعدة لازمة لكل المجاهديـن في العراق وأن غير المبايع للقاعدة هو عاصٍ أو باغٍ أو مبتدع؟» فلا أقول: إن بيعة القاعدة تلزم شـرعًا كل المجاهديـن، بمعنى أنها واجبة مفروضة، لا أقول هذا.. فضلا عن أن يكون غير المبايع باغيًا أو مبتدعًا.!! الواجب والفرض هو الجهاد في سبيل الله واللحاق بالقافلة.. أما كونه مع تنظيم القاعدة على الخصوص فهذا لا نقول إنه واجب، لكن قد نستحبه للإخوة المجاهديـن وندعوهم إليه ونحثهم عليه إن أمكن، لعدة أوجه واعتبارات:
- لأنها الجهة الأوثق على العموم، والأكثر استحقاقا لتمثيل المسلميـن المجاهديـن ومشـروع الأمة الجهادي؛ لما جعل الله في يدها من الأمانة وما أعطاها الله من المكانة والسبق التاريخي وغيره، فالقاعدة هي متصدرة لحمل هذه الأمانة والقيام بهذه المهمة، وهي بحمد الله جهة موثوقة وطيبة مأمونة، أعطاها الله القيادة الأميـنة والمؤهلة وألبسها قميص الثقة من الأمة، فنحن نحث جميع المجاهديـن أن يكونوا معها وفيها، هذا أصل عندي الآن.
- اللهم إلا أن يمنع مانعٌ، بمعنى أن يكون هناك ظرف في وقت من الأوقات وبلد من البلدان يفضل الإخوة المجاهدون فيه -بعد الدراسة والتشاور والبحث المبني على النظر للإسلام والمسلميـن- أن يكونوا غير مرتبطيـن بتنظيم القاعدة مؤقتًا لأسباب سـياسـية ودعائية وما شابه، مثلا، وإلا فالأصل أننا نفضل أن يكون الجميع يدًا واحدة، والله الموفق.
- ولأن ذلك فيه تحقيق لأوامر الشـرع بالوحدة والجماعة، والقاعدة أولى وأقرب من يجتمع عليها المجاهدون لمزاياها التي لا تخفى.
- ولأنه أقوى للمسلميـن وأدعى وأقرب للنصـر وتحقيق أهدافنا.
- ولأنه منع لأسباب الفرقة والاختلاف والشقاق والتنازع والتشـرذم.
والقاعدة هي جماعة من الجماعات الإسلامية المجاهدة، البيعة فيها مبنية على الاختيار والشـرط، وعلى قاعدة مشـروعية التعاهد بيـن المسلميـن لأداء التكاليف الشـرعية، لا على التحريج والتضـييق والإلزام بأصل الشـرع.. فهي ليست إمامة عظمى حتى لا يجوز لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت ليلتيـن إلا وهو يراها -القاعدة- إمامًا على نفسه.! لا..
وحتى إمارة أمير المؤمنيـن الملا محمد عمر حفظه الله ونصـره ليست كذلك بالنسبة لجميع المسلميـن في الأرض، وإنما هو أمير في حدود سلطانه وولايته، وعلى مَن دخل في بيعته، وهو في حدود سلطانه له حكم «الإمام الأعظم» من حيث ما يجب له من السمع والطاعة والوفاء بالبيعة وتحريم الخروج عليه إلا بما يُخرَجُ به على الإمام الأعظم، وهكذا، هذا هو المعروف الذي حققه علماؤنا، وقد بحث هذه المسألة وحررها الشـيخ أبو المنذر الساعدي -فك الله أسـره- في كتابه: «وبل الغمامة في أحكام الإمامة»١٠٩ينظر: (ص 50) بعد مسألة: إن خُلع الإمام؛ فهل يبقى في منصبه، قال الشيخ أبو المنذر: «هو [يعني الملا عمر سدده الله] ليس خليفة لكل المسلمين، ولكنه في القُطر الذي يحكمه يأخذ أحكام الخليفة في شروطه وطريقة تعيينه وغير ذلك من الأحكام التكليفية والوضعية» انتهى، قلتُ: وكتاب «وبل الغمامة» هذا ماتعٌ نافعٌ أسأل الله أنْ يعيننا على تحقيقه وإتمامه؛ بَحثَ فيه مصنفه كثيرا من مسائل الإمارة والإمامة المعاصرة، وقد نشره وقدم له الشيخ عطية الله رحمه الله، ويحتاج لزيادات حتى يكتمل الكلامُ في الباب..
وقولنا «والقاعدة هي جماعة من الجماعات الإسلامية المجاهدة، البيعة فيها مبنية على الاختيار والشـرط.. الخ»: هذا هو الأصل في هذه الجماعات الإسلامية، لكن قد يعرض لها من الأسباب ما يجعلها تأخذ بعض أحكام الإمامة العظمى فتكون مثلها في مسائل، كمسألة الخروج عليها وتشكيل جماعة أخرى.. وذلك إذا وُجِـد المعنى الذي من أجله حرّمت الشـريعة الخروج على أئمة العدل ومنازعة الأمر أهله وشق عصا الطاعة وتفريق جماعة المسلميـن، ولا سـيما إذا كان المسلمون في ساحة حربٍ ومواجهة مع العدوّ.. فإذا وجِـد هذا المعنى وقويَ جدًا، فإن الفقيه قد يفتي بحرمة الخروج على الجماعة ومنازعتها الأمر، ويـنزّلها منزلة الإمامة الكبرى.
ولهذا أفتى بعض العلماء قديما وحديثا بهذا في بعض الأقاليم التي فقدتْ فيها الإمامة العظمى ووجدتْ فيها جماعات وإمارات محليّة تجاهد العدوّ وتقيم المستطاع من الشـرع، محتجيـن بقول النبيّ ﷺ: (من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريدُ أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه) وقوله: (إذا بُـويِـعَ لخليفتيـن فاقتلوا الآخِـرَ منهما) رواهما مسلم في صحيحه١١٠الحديث الأول برقم (1852)، والثاني برقم (1853).، والله أعلم..
وهذه مسائل لها بسط في موضعها، ويـنبغي التفقه فيها.
لكن كما قلتُ: الأصل أن القدر الواجب هو الجهاد والالتحاق بالقافلة، ثم الجماعة -أي العمل الجماعي والكون مع جماعة- هي وسـيلة لذلك فلها حكم هذا الواجب، أما ما هي الجماعة المعيـنة الواجب الجهاد معها؟ فلا نقول هذه ولا تلك، لكن قصارانا أن نستحب ونفضل، اللهم إلا أن يوجد سبب آخر إضافيّ موجِبٌ للكون مع جماعة معيـنة دون غيرها، كأن يتمحّــض الاختيار في بعض الأحوال وفي بعض الأقاليم وعلى بعض الناس، فلا يوجد في حاله وفي مكانه إلا جماعة معيـنة صالحة، أو توجد جماعة كبيرة مأمونة موثوقة صالحة ولا توجد مسوّغات شـرعية لإنشاء غيرها، ويكون المسلمون في حال حربٍ وتشكيلُ جماعة أخرى في تلك الحال إضعافٌ لهم وإفساد.. الخ؛ فحيـنئذ يجب الالتحاق بها، وهكذا.. والله أعلم وأحكم.
وسؤالك: «أم يجوز لكل جماعة أن تبقى على تنظيمها أو حتى تشكيل جماعات جديدة في العراق وهل مجلس شورى المجاهديـن أميره هو الشـيخ أبا مصعب أم غيره؟» مجلس شورى المجاهديـن ليس أميره الشـيخ أبو مصعب، بل له أمير آخر وهو الشـيخ أبو عبد الله بن رشـيد البغدادي كما هو معلن.
أما أنه يجوز لكل جماعة أن تبقى على تنظيمها، وهل يجوز تشكيل جماعات جديدة في العراق؛ فالذي يظهر والله أعلم هو الآتي: أنه يجب على كل جماعة أن تسعى للوحدة مع بقية إخوانها من الجماعات الأخرى.. هذا دليله واضح ظاهر، وهو كل الأدلة في الكتاب والسنة الدالة على وجوب الاجتماع وأن يكون المسلمون صفا واحدًا ولا سـيما المجاهدون، ووجوب نبذ الفرقة والتنازع والاختلاف؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤﴾ [الصف]، وقال: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: 103] الآية، وقال: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦﴾ [الأنفال]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧﴾ [الأنفال]، وغيرها كثير..
وكما قال النبي ﷺ: (وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة)١١١لم أجده بهذا اللفظ بتمامه، لكن شطره الأول في: مسند أحمد (23145) وقال محققه الأرنؤوط: حسن لغيره، سنن الترمذي (2165) وصححه الألباني، وأما الشطر الثاني (فإن يد..) ففي: سنن النسائي (4020)، سنن الترمذي (2166) وصحح الألباني، وجاء في: السنن الكبرى للنسائي (9179) بلفظ: (فعليه بالجماعة؛ فإن يد الله فوق الجماعة). وقال: (وأنا آمركم بخمس: الهجرة والجهاد والجماعة والسمع والطاعة)١١٢مسند أحمد (17170، 22910) وصححه الأرنؤوط، سنن الترمذي (2863) وصححه الألباني، وبين الروايات اختلاف في ترتيب هذه الخمس، وترتيب الشيخ للفظ الحديث ليس في المسند ولا السنن، ولم أقف عليه كما ساقه الشيخ رحمه الله.، وقال: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصـية)١١٣ورد بهذا اللفظ في: المستدرك (765) وقال الحاكم -وأقره الذهبي-: «متفق على الاحتجاج برواته، إلا السائب بن حبيش، وقد عُرف من مذهب زائدة -الراوي عن السائب- أنه لا يحدث إلا عن الثقات»، وأصله -بدون لفظ (الغنم)- في: مسند أحمد (21710، 27514) وحسنه الأرنؤوط، سنن أبي داود (547)، سنن النسائي (847) وحسنه الألباني.، وأحاديث الأمر بالتأمير في السفر ونحوه.. وغيرها.
ولأن ذلك سبيل ووسـيلة متعيـنة للقوة اللازمة للنصـر وللغلبة على الأعداء، ولدفع العدوّ الصائل على ديـننا ودنيانا.. ولأن عدمه سبيل إلى الفشل والتضـييع والفساد العريض.. كما قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣﴾ [الأنفال]؛ فهذه مجمل الأدلة..
فهذا واجب على جميع المسلميـن القادريـن السعيُ فيه بجدٍّ، والتحرق عليه وبذل المستطاع من أجل تحقيقه.
وعليه نقول: يجب على كل المسلميـن المجاهديـن، وعلى كل جماعة من الجماعات أن تسعى للوحدة مع أخواتها، وأن يكونوا جماعة واحدة ما أمكن، هذا فرض عليهم لازم، والله أعلم..
فمن وجد فرصة للاتحاد مع إخوانه فلم يفعل.. فهو آثم مقصـر مفرط، ومستحق للعقوبة، وهذه العقوبة المخشـية قد تكون أخروية وهي عقوبة هذا الذنب عند الله تعالى، وقد تكون دنيوية كمنعه من النصـر، وتسليط العدو والآفات عليه، وما شابه ذلك، وقد تجتمعان؛ نسأل الله الستر والعفو والعافية.. قال ﭨ ﴿قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣﴾ [النور]، ﴿إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣﴾ [الأنفال].
فإذا سعى كل مسلم وكل مسؤول وكل جماعة بحسب إمكانه إلى الوحدة والاتحاد والكون مع إخوانهم جماعة واحدة، فمنعه مانع من ذلك؛ فإن كان هذا المانع معتبرًا في ظاهر الشـرع، فنقول: لا تثريب عليه، حتى يزول ذلك المانع.. ونرجو له أنه ناجٍ من الإثم، إن شاء الله تعالى، غيرُ مفرط، ونسأل الله أن يعفو عنه ويستره ويعافيه، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
وأما المفرّط الذي لا يسعى للوحدة مع إخوانه ولا يعمل لأن يكون المسلمون جماعة واحدة، ولا يهتم لهذا الأمر ولا يبالي به، وإذا وجد فرصة لم يستغلّها ولم يأخذ بالواجب فيها، بل هو حريص على البقاء وحده لما يرى في ذلك من المزايا العاجلة له..!!
فهذا نقول: إنه متبع لهواه، وهو مفرّط مضـيعٌ لأمره وأمر المسلميـن، آثمٌ مستحق للعقوبة كما قلنا، وهذا إذا عُـرِف حاله بدلائل ظاهرة قوية (تعرف من خلال المعاشـرة والتجارب معه مثلا وشهادات أهل العقل الراجح وأهل الثقة إذا اجتمعت) فإنه يجب الأخذ على يديه، وممارسة ما أوجبه الله عليـنا تجاهه من مراتب الإنكار والتغيير لحاله السـيء..!
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨﴾ [الكهف].. فهذا أرجو أنه تفصيل للمسألة يقرّبها لإخواننا؛ وكل امرئ حسـيبُ نفسه، وكل امرئ على نفسه بصـيرة ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤﴾ [القيامة]؛ ونحن في أكثر الحالات لا نعلم هل الإنسان الفلاني (المعيـن) أو الجماعة الفلانية (المعيـنة) من هذا الصنف الساعي للوحدة صدقًا العامل لها حقًا، أو من ذلك الصنف المفرّط المضـيع.. هذا من الصعب أن نعرفه في أكثر الحالات.. فما عليـنا إلا بالظاهر؛ ونستمر في دعوتنا لإخواننا جميعا أن يتحدوا ويكونوا جماعة واحدة.. ونعظهم ونخوّفهم بالله تعالى، ونذكرهم ﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥﴾ [الذاريات].. ونقول لهم: إن الله تعالى ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩﴾ [غافر]، ﴿وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥﴾ [النمل].
فإذا عرفتَ ما تقدّم فقد اتضح لك إن شاء الله مسألة إنشاء جماعات جديدة.
وللتوكيد نلخص الكلام فيها في نقاط:
- ما دامت هناك جماعة مرضـية شـرعا تجاهد في سبيل الله يمكن للإنسان أن يـنضم إليها ويكون معها ويقاتل تحت رايتها ويحقق مقصد الوحدة والاجتماع، حتى على شـيء من الأخطاء والنقص، وأيّ الجماعاتِ المهذّبُ..؟! ما دامت هذه الأخطاء وذلك النقص لا يوجب الخروج عليها (لو كان الإنسان منتميًا إليها) ولا يوجب لها فشلا محققا وتضـييعًا للمقصود من الجهاد، فلا يجوز له إن يـنشئَ جماعة جديدة، لأن هذا خلاف الأدلة التي أشـرنا إلى أطرافها أعلاه، وخلاف مقصد الشـرع الواضح المتقرر بوجوب كون المسلميـن جماعة واحدة ما أمكن، فمن يشكل جماعة جديدة في هذه الحالة فهو مخالف للشـرع ساعٍ في الفساد، يـنكَـرُ عليه ويمنَع.!
- إلا أن يوجَد مانع يمنعه من العمل مع تلك الجماعة الموجودة، وهذا المانع نوعان: إما مانع حسـي واقعيّ، كأن لم يمكنه الاتصال بتلك الجماعة والعمل معها للظروف السـياسـية والأمنية والجغرافية ونحو ذلك، أو مانع معنويّ شـرعيّ، وهو أن يكون عنده على تلك الجماعة ملاحظة شـرعية يعتقد -بعد التثبّت وبحسب ميزان الشـرع والتقوى والعلم والفقه الصحيح- أنها (تلك الملاحظة) تمنعه من الالتحاق بها والانضمام إليها والعمل معها وتحت رايتها، كأن تكون جماعة منحرفة انحرافا ظاهرًا في ديـنها، مثل الجماعات البرلمانية، أو الغالية في الديـن، كالمبتلاة بالغلو في الإرجاء، أو الغلو في التكفير والتبديع والتفسـيق ونحو ذلك، أو الجماعة غير الموثوقة في قيادتها ويخشـى الإنسانُ أن قيادتها فاسدون لا يصلحون، أهل دنيا وتكالب عليها وأهل سفاسف وفساد لا ديـن لهم، أو أنهم خونة، أو اطلع على شـيء فيها من هذا القبيل مما يخالف ظاهرها والعياذ بالله، فهذه كلها موانع معتبرة..
فحيـنئذ لو تركها وأسس جماعة أخرى ليجاهد في سبيل الله بشكل صحيح مرضـي شـرعًا، فهذا غير مسـيئٍ بل هو محسنٌ، وما على المحسنيـن من سبيل.
فهذا ما يظهر لي في هذه المسألة؛ والله أعلم.. لا إله غيره ولا رب سواه.
•••