[الجهاد في «بلاد الحرمين»، وهل سيستمر بعد مقتل بعض أبرز قادته؟، وما هي فوائده؟]

ما رأي فضـيلتكم في الجهاد في بلاد الحرميـن؛ هل سـيكون له استمرار بعد مقتل عدد من أبرز القادة؟

[السائل: أبو أويس]

الجواب:

ص 269

نسأل الله تعالى أن يحفظ من بقي من الإخوة وأن يقوّيهم ويـنصـرهم ويسددهم ويزيدهم هدى ورفعة.. آميـن.

لا شك أن مقتل وأسـر عدد لا بأس به من القادة الميدانييـن والأدبييـن له تأثير وهو من جملة المصائب والبلاء، ولكن هو في نفس الوقت وقود متجدد للمعركة، وثراء للتجربة وقدوة وتاريخ ورصـيد.. وفي شباب الأمة الخير دائما، والبطون التي أنجبت «المقرن»١١٨هو عبد العزيز بن عيسى المقرن، من مواليد مدينة الرياض، جاهد في أفغانستان، والجزائر، والبوسنة والهرسك، وأخيرًا في «بلاد الحرمين» ضد القوات الصليبية الغازية فيها، كان خبيرًا عسكريا محنكًا، وله رسائل في العسكرية، قُتل شهيدا في مواجهة قوات آل سعود التي قتلته دفاعًا عن أمريكا واليهود في يوم الجمعة غرة ربيع الأول 1425، مع عدد من إخوانه تقبلهم الله. و«العوفي»١١٩هو صالح بن محمد العوفي، وُلد في المدينة النبوية، جاهد في أفغانستان، وفي طاجكستان والشيشان مع القائد خطاب رحمه الله، كان أحد المطلوبين الـ26 التي أعلنت عنهم دولة آل سعود، له عدد من الرسائل والقصائد الشعرية المنشورة في مجلة «صوت الجهاد»، قُتل شهيدا كما نحسبه في مواجهة قوات آل سعود، وهو يدافع عن دينه وأمته المكلومة، تقبله الله. وإخوانهم تنجب غيرهم من أمثالهم وخيرًا منهم إن شاء الله.

وسواء استطاع الإخوة في بلاد الحرميـن الاستمرار في جهادهم (عملهم العسكري) في المدى القريب، أو لم يستطيعوا واضطروا للانسحاب مثلا، فإنهم بحمد الله قد حققوا أهدافا مرحلية جيدة، وقربوا يوم الخلاص من الطواغيت أذناب الاستعمار الصليبي، وساهموا في دفع الحملة الصليبية على العالم الإسلامي، وأحرزوا ديـنهم وتوحيدهم وشـرفهم وكرامتهم، ولم يذلوا ولم يستكيـنوا، فجزاهم الله خيرا كثيرا.

وكما قلت في بعض المناسبات السابقة: حتى لو توقفت القاعدة في جزيرة العرب وعجزت وغُـلبتْ إلى حيـن.. فإنها جولات وسجال، وإن الجولة القادمة ستكون أفضل وأقوى وأسدّ وأعمّ وأشمل، بإذن الله تعالى، والدولة السعودية لن تكون رابحة، بل هي الخاسـر الأكبر، ولا مقارنة..! لأنها بدلَ أن تتوب إلى الله تعالى وتصلح، فإنها تتمادي في غيّــها وفسادها، وترتكب المزيد من الكفر والفسوق والعصـيان، وباستمرار يـنكشف للمزيد من الناس أنها حكومة «سلولية» كما يقول إخواننا حقا، حكومة منافقة لا يساوي ديـن الله عندها فلسًا، ولولا بقايا موروثات النشأة الديـنية الأولى للدولة السعودية، ولولا عامل المحافظة والديـن في المجتمع وفي حركته الإسلامية والعلمية، مما تراعيه مضطرة ويصعب عليها تجاوزه؛ لتبجّحوا بالشناعات، نسأل الله العافية والسلامة.

ص 270

والجولة القادمة يمكن أن تكون على مستوى شعبي كبير، ويمكن أن يـنضم إليها علماء مشهورون متبوعون ورجالات مرموقون، ممن تأخر وتردد هذه المرة، ويـنصـر الله بهم الديـن.!

ودائما السابقون إلى هذه الهجرة وهذا الجهاد هم أهل الفضل العظيم، وهم الذيـن تصبّ في صحائف حسناتهم أعمالُ من بعدهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠﴾ [الحديد].. الإخوة المجاهدون في جزيرة العرب أظنّهم وطّنوا أنفسهم على الاكتفاء في هذه المرحلة بتحقيق أهداف مرحلية جزئية، وليس الهدف بالضـرورة في هذه المرحلة هو إسقاط حكومة آل سعود، فإن الدول ليس من السهل إسقاطها وتغييرها، هذا يحتاج إلى تظافر طاقات وجهود وقوى وظروف مناسبة وفرص مواتية..!

لكن هم على الطريق، وغير مستعجليـن، والحرب سجال، وهم يربحون ويتقدمون مع سائر إخوانهم في الحركة الجهادية، والحكومة الفاسدة وأخواتها ونظائرها من الحكومات تخسـر كل يوم، وفي تقهقر وتراجع مستمر، وتتراكم عليها أسباب السقوط سـريعًا، وكل شـيء له وقته، والمجاهدون بيـن إحدى الحسنييـن، والحمد لله رب العالميـن.

ومن الأهداف التي حققها الإخوة:

- المساهمة في الحرب على الأمريكان الصليبييـن، بالتضـييق والاستنزاف والنكاية، وقد سحبت أمريكا معظم قواعدها وقواتها من السعودية إلى بلدان أخرى، وحتى لو قيل إن ذلك كان قبل نشوء تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، فقد كان من أهم أسباب ذلك خوف الأمريكان من الإخوة وهجماتهم وخشـيتها أن تكون هدفا لهم في أي وقت، ومحاولتها تخفيف الضغط على عميلتها المتوسّلة إليها (حكومة آل سعود).

- ضـرب المثال والقدوة لمن يأتي بعدهم في فرصة أكثر مواتاة ومناسبة، فقد مهّــد هؤلاء الإخوة الأبطال الطريق، وكسـروا حاجز الخوف والرهبة من هذه الحكومة.

- كشف حال النظام الحاكم الفاسد والارتقاء بالأمة درجات في معرفة حاله.

- تحريك المياه الراكدة في الساحة العلمية والسـياسـية، وإحياء مبادئ كبيرة أصابها الموت كمبدأ الخروج على الحاكم إذا كفر الكفر البواح، وتمحيص الصفوف وتمييز الخبيث من الطيب، وكشف الكثير من الزيف..!

ص 271

وما زالوا يبذلون ويرفعون لواء التوحيد، والحربُ سجال، والعاقبة للمتقيـن، وأما ما قابل ذلك من أضـرار تذكر، من التضـييق على الدعوة وعلى الجمعيات والمؤسسات الخيرية والدعوية، ومن الخوف الذي حصل للناس والسجن للكثيريـن، وغير ذلك.. فهذه لازمة لكل جهاد، وكل حركة تغيير سـياسـي.. وليس هو راجعا إلى الحركة الجهادية بالضـرورة، فإن الأعداء مصممون على حرب الدعوة ووسائلها وأهلها، كانت الحركة الجهادية أو لم تكن.

ولو عكس إنسانٌ هذا الدليل فقال: إن الحركة الجهادية هي صِـمامُ أمانٍ للمجتمع والأمة، ورادعٌ لأهل الزيغ والفساد من الحكومات وغيرها وتقليلٌ لشـرهم إن لم يمكن إعدامُـه، وبركة على الأرض وأهلها، لكان محقا.. ومَن استمرأ مراعاة هذه الأشـياء فقد لا يجاهد..! وإنما العبرة بالنظر في الواجب الشـرعيّ والقيام بأمر الله تعالى، وتحمّل المسؤوليات والتكاليف.

والمعادلة بكل بساطة: حكومة ارتكبت الكفر البواح المجمع عليه وهو المظاهرة للكفار على المسلميـن، بالإضافة إلى مكفرات أخرى، وجب الخروج عليها ومنابذتها والسعي في تغييرها. انتهى.! فأي اعتراض بعد ذلك بترويع الآمنيـن كما يحلو للمعترضـيـن كثيرا التعبير به، والتضـييق على المتوسّعيـن المتبسّطيـن، وما شابه ذلك، فهو إشكال يُــجابُ عليه، لا أصل يحتكم إليه.!!

ومسألة وجود القدرة والكلام على المصالح والمفاسد، كل ذلك قد حرره إخواننا أحسن تحرير وبيـنوه وأجابوا على الإشكالات فيه.. ومسائل أحكام قتل الكفار الصليبييـن في جزيرة العرب وغيرها من الأحكام كذلك، فهذا كله لا يعترِض به مَنْ سلّم بالأصل المذكور.. والكلام يحتمل البسط طويلا، والإخوة هم أفضل من عبّر عن طريقهم بأنفسهم على كل حال..

ونسأل الله أن يفتح عليهم.. والله الموفق، لا حول ولا قوة إلا به.

•••