[القول في من ذكر أن: الهدف هو طرد المحتل؛ لا إقامة حكومة مركزية في ظل المحتل]

مركز اليقين: لكن ثمتَ مَن يرى أن الهدف الأول الآن والأولوية المطلقة هي لإخراج المحتلّ، وليس لإقامة حكومة مركزية شـرعية في ظل الاحتلال؟

الشـيخ عطية الله: لا شك أنَّ مطلب خروج المحتل الصليبي الغازي من ديار المسلمين مطلبٌ شـرعيّ، كل المسلمين والمجاهدين يطلبونه ويسعون إليه، ولا شك أن انسحاب هذا العدو وهروبه حين يحصل بحول الله وقوته سـيكون نصـرا مؤزرًا وفتحا مبينًا، للحركة الجهادية بصفة خاصة، وللحركة الإسلامية بصفةٍ عامّة، ولأمة الإسلام بصفة أعمّ، سـيكون حدثا وتحولا تاريخيا عظيما وفتحًا يصعب التعبير عنه في هذا الوقت، لكن لا بد من التفطّن إلى أن المقصود الأعظم من الجهاد هو إقامة حكم الله في الأرض، هذا هو المقصود الأعظم للجهاد، قال الله عز وجل: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39] وقال النبي ﷺ: (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)٣٩٢صحيح البخاري (2810)، صحيح مسلم (1904).، هذا هو القتال في سبيل الله: القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو القتال في سبيل الله الممدوح والممدوح أهلُهُ في الكتاب والسنة مدحًا بالغًا؛ فنحن المسلمون عندما نقاتل في أفغانستان أو في العراق أو غيرها، هدفنا الأساسـي والأكبر، الهدف النهائي، الأعلى والأسمى هو: أن يكون الدين كله لله، وهذا المعنى نعبر عنه كثيرا بنحو قولنا: إقامة حكم الله في الأرض، وإقامة دولة الإسلام التي تحكم بدين الله وتقيم شـرع الله في أرض الله وعلى عباد الله.

ص 627

وبعض الناس يركز على قضية خروج المحتل، ويكثر من الدندنة حولها حتى يكاد يجعلها هدف الأهداف وغاية الغايات!! لكن هناك قول آخر يقول: نعم، خروج المحتل مطلوب كما قدمنا، ولكن لماذا نستعجل خروج المحتل وننزل هذا المطلب منزلة أعلى من منزلته؟! لماذا لا نحاول أن نرتب الأهداف والغايات ترتيبا شـرعيا مبنيا على حقائق ديننا وشـريعتنا وفقهها المتقرر؟! ونجوّد أداءنا السـياسـي ونعطي كل حرفٍ حقه ومستحقه؟!

إذا كان خروج المحتل سوف يعقبه تمكُّن طوائف من الكفرة المرتدين العلمانيين وغيرهم وخلائط من الزنادقة المنتسبين إلى السنة والشـيعة، فهذا لا يفيدنا كثيرًا الاستعجال به، وقد يكون التريث في طلبه أفضل ما دامت تتاح لنا فرصة النكاية فيه والإثخان فيه والنيل البالغ منه على طول الطريق واستنزافه وإهلاكه رويدًا وعلى مهَلَ وفي صبر وثبات، فلا يخرجُ إلا وهو هاربٌ لا يلوي على شـيء، مهزومًا حقيرا ذليلا كسـيرًا، ويدنُا نحن هي العليا بإذن الله، وتكون عاقبة خروجه وفائدتها في صالحنا نحن المسلمين أهل الإسلام والتوحيد والسنة والجهاد في سبيل الله.

خروج المحتل -بحسب فهمي- في نظرة الحركة الجهادية هو مرحلة وهو هدفٌ جزئيّ، يخدمنا نحن كحركة جهادية وكحركة إسلامية وأمة إسلامية، يخدمنا في مشـروعنا النهضوي الجهاديّ المتكامل، لأنها ستكون هزيمة مدوّية وتاريخية لأمريكا، ونصـرًا عظيما للمجاهدين ولأمة الإسلام، وسـيكون فيها دفعة قوية للحركة الجهادية وإحياء للأمة وأجيالها؛ ودفعة قوية لشباب الإسلام ورجاله ونسائهم ترفع معنوياتهم وتشحذ هممهم ويبطل الكثير من الباطل ويخرس النفاق وينقمع، وترتفع بإذن الله أعلام الحق وتخفِقُ في السماء راياته، ودفعة قوية للمسلمين للعودة إلى دينهم وتنسّم أمجادهم الضائعة، ويعظم عندهم الأمل والرجاء، وتنبض عروق النخوة والشهامة والنجدة فيهم أشدّ ما كانت، ولا شك أن هذا سـيكون تحولا تاريخيًا حقا، وأنا أستصعب حقيقة التعبير عنه، لكن يبقى هو كما قلنا هدفا جزئيًا، وإنما الهدف الأساسـي والأعلى هو إقامة حكم الله في الأرض ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال] والتمكين لهذا الدين بأن يكون هو الأعلى وهو الحاكم في أرض الله وعلى عباد الله.

فالحركة الجهادية تسعى لإخراج المحتل، ولكنها تعرف بحمد الله كيف تسعى إلى إخراجه وتستثمر إخراجه ليكون نصـرا للإسلام وأهله، وهذه الضـربات القاصمة كل يوم، من قبَل «القاعدة في بلاد الرافدين» و«مجلس شورى المجاهدين» وسائر إخوانهم المجاهدين ممن هم على منهج الحق، و«دولة العراق الإسلامية» الآن، وسائر إخوانهم المجاهدين ممن على المنهج الحق، أقول هذه الضـربات هي لماذا؟ إلا لإخراج المحتل مهزومًا مدحورًا ذليلا هاربا حقيرًا، لكن بحيث يكون خروجه لصالح الإسلام وأهله.

ص 628

فهذه النقطة أظن أنها مهمة جدا، وهي كما لا يخفى تعبّر عن جانب من الفوارق بين عقلية وتفكير ومفاهيم الحركة الجهادية التي تكلمنا عنها، وغيرها ممن ركب حصان المقاومة والتحرير وإخراج المحتل، لكنه لا يبالي كثيرا بأن يكون الدين كله لله أو يكون لغير الله.!!

والذي تابع خطابات ومقابلات الشـيخ «الظواهري» يلاحظ هذا المعنى الذي ذكرناه في كلامه، وكذا في خطابات الشـيخ الشهيد «أبي مصعب الزرقاوي» رحمه الله، وهكذا هذا المعنى بارز وواضح ومفهوم في خطاب الإخوة في «دولة العراق الإسلامية».. فبعض الناس يركز على خروج المحتل ولا يفتأ يقرعُ الآذان بالكلام عن خروج المحتل، حسنًا، خرج المحتل..! ثم ماذا بعد؟

إذا خرج المحتل واستطاع أن يرتب أمره جيدا ويطمئن على مَن سـيخلفه، وتمكّن من بعده بالفعل طوائف من المرتدين والزنادقة هم أشد كفرًا من المحتل نفسه، تحت مسميات خبيثة؛ حكومة وحدة وطنية وغيرها، مكونة من أخلاط من علمانيي وزنادقة الشـيعة والسنة والعرب والأكراد وغيرهم، يتقاسمونها.. فما الفائدة؟!

ليس هذا هو الهدف الذي نقاتل من أجله وضحَّى من أجله خيرُة شبابنا ورجالنا بأرواحهم ودمائهم..! هذا والله هدفٌ لا يستحق أن يقاتل الإنسان ويريق دمه من أجله، أعني مجرد خروج المحتل وتحرر الأرض منه، بغضّ النظر عمّن يحكم ويؤول إليه الأمر، وبغضّ النظر عن صـيرورة الدين كله لله أو لا.! هو الكافر موجود على الأرض موجود، سواء كان كافرًا أجنبيًّا أو محليًّا، ونحن مكتوبٌ علينا من قِبَل ربنا ﷻ جهادُ هؤلاء الكفار حتى يفتح الله بيننا وبينهم بالحق وهو الفتاح العليم، هذه هي طريق الجهاد؛ هي طريق طويلة، طريق صبر ومصابرة وثبات، وإنما يتنزل النصـر مع الصبر، فمن غلبَ بالصبر حالفه النصـر، واعلم (أن النصـر مع الصبر)٣٩٣مسند أحمد (2803) وقال: حديث صحيح.، مع باقي شـرائط وأسباب النصـر المبيّنة في الكتاب والسنة؛ والمجاهد ليس عنده ما يخسـره، لأنه بين إحدى الحسنيين نصـر أو شهادة.

ص 629

والمحتل خارجٌ خارجٌ لا محالة، فلتستمرّ الحركة الجهادية إذن في ضـربه والإثخان فيه واستنزافه وإهلاكه، مستعينة بالله عز وجل متوكلة عليه، ساعية لأن يكون خروجه حين يخرج هروبًا وانهزامًا مدوّيًا كما قلنا، وتكون نتيجة خروجه وثمرته آيلة إلى أهل الإسلام أهل التوحيد..! لا يهم مَن، «القاعدة» أو غير «القاعدة»، فلان أو علان، غبيٌّ ومغبون من يحصـر الحق أو استحقاق الثمرة الطيبة في أسماء وأناسٍ بأعيانهم..! المهم أن تكون الثمرة والنتيجة لأهل الإسلام ويكون الدين كله لله، هذا هو المهم وهو الهدف والغاية التي نحن مأمورون بالجهاد حتى تتحقق وحتى نصل إليها، وما دام الدينُ بعضُه لله وبعضه لغير الله فإن القتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله، والله أعلم، ونسأل الله من فضله.

•••