أمة الشهادة
[تم نشـر هذا المقال في منتدى «أنا المسلم»، صفر 1426]
نِعَمُ الله تعالى على هذه الأمة كثيرة، وخصائصها التي ميزها بها عن الأمم كلها جليلة، وهي الأمة المرحومة، والمنصورة والمبتلاة، والمعصومة من الاجتماع على خطأ أو ضلالة، ونحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أمة الشهادة.
عن أبي هريرة h قال: قال رسول الله ﷺ: (ما تعدّون الشهيد فيكم؟) قالوا: يا رسول الله من قتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: (إن شهداء أمتي إذن لقليل) قيل: فمن هُم يا رسول الله؟ قال: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد) رواه مسلم٩٦٩صحيح مسلم (1915)..
وعنه h قال: قال رسول الله ﷺ: (الشهداء خمسة: المطعونُ، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله ﷻ) متفق عليه٩٧٠صحيح البخاري (653)، صحيح مسلم (1914)..
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (من قُتِل دون ماله فهو شهيد) متفق عليه٩٧١صحيح البخاري (2480)، صحيح مسلم (141)..
وعن سعيد بن زيد h قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) رواه أبوداود والترمذي وقال حديث حسن صحيح٩٧٢سنن الترمذي (1421)، سنن النسائي (4095)، سنن أبي داود (4772) وصححه الألباني..
وعن سويد بن مقرن h قال: قال رسول الله ﷺ: (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) رواه النسائي٩٧٣سنن النسائي (4093، 4096) وصححه الألباني..
وأما الشهيد في سبيل الله -الذي يقتل في سبيل الله، أي في القتال في سبيل الله-؛ فإن ما جاء في فضله وتعظيم شأنه لم يجئ مثله في الشريعة لأحدٍ غيره كما قاله العلماء.
وسأذكر فيما بعدُ إن شاء الله نبذةً من الأحاديث الواردة في فضله.
والشهادة اليوم هي أقصر وأقرب طريق للحاق بركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا..
إنها أوسع باب وأيسره لمن يسّره الله له، ولمن اصطفاه الله واختاره ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ﴾ [آل عمران: 140].
والشهادة حياةٌ.. ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤﴾ [البقرة]
﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠﴾ [آل عمران].
والشهيد يحي الله بشهادته أمَّةً من الناس، لأنه شهد على حقيّة هذا الدين بما لا يتصوّر أصدقُ منه، ببذل مهجته وإزهاق روحه في سبيله، وهذه أعظم شهادة على حقٍّ يمكن أن يقدّمها إنسان.
وهو أحد المعاني التي سمّي الشهيد شهيدًا لأجلها.
بشهادة الشهداء تحي أجيالُ الأمة، وتنبعث إلى النهوض والرقيِّ والبذل والعطاء والتضحية والفداء.
بشهادة الشهداء تنجو الأمة من خطر الذل الذي هو موتُ الأمم.
إن الأمة التي لا تقدِّمُ شهداءَ من أبنائها تموت! وموتها أن يتمكّن منها الذلُّ، ويستولي عليها الوهن؛ حب الدنيا وكراهية الموت، ويتسلّط عليها أعداؤها، ويقهرونها ويستحقرونها ولا يهابونها!
الشهيد يعطي للأمة درسًا في معنى الوجود، ويصحح لها قيمَ الحياة والموت.
الشهيد يعدّل في الأمة الانحراف الذي ينشأ دائما ويستفحل كثيرا في هذه المعاني
ويعطيها درسًا -لا كالدروس- في الإيمان بالقضاء والقدر: الأجل، والزرق، والجراح، والحرمان، الفِراق، والقوة، والضعف..!
تصوّر يا أخي أنه لم يكن في الأمة شهداء!!
وتفكّر كيف كان يمكن أن يكون الحال والشأن؟!
تصوّر أنه لم يكن ياسرٌ ولا سميّةُ ولا حمزة بن عبد المطلب، ولا مصعب بن عمير ولا عمير بن الحُمام، ولا حبيب بن أم عطية، ولا خبيبُ بن عديّ وأصحابه، لا أبو أيوب الأنصاري، ولا الحسين بن علي ريحانة رسول الله ﷺ، ولا عبد الله بن الزبير، ولا سائر شهداء الصحابة، ولا سعيد بن جبير وإخوانه من التابعين وتابعيهم، ولا عمر المختار ولا سيد قطب ولا عبد الله عزام، ولا الدكتور صالح الليبي ولا أبو العباس المدني ولا أبو معاذ الكويتي ولا خطاب ولا أبو عبد الله أحمد، ولا القاري سعيد، ولا أبو أنس الشامي ولا غيرهم من إخوانهم رحمهم الله ورضي عنهم جميعًا!
وتصوّر كيف ستتربى أجيالنا حينها، وأي مثُلٍ عليا في الوجود سيفقدون!
وكم رأينا ورأى الناس بيوتًا بأكملها أحياها الله من موت الجهالة والضلالة والذل بشهادة واحدٍ من أبنائهم.. وكم رأينا أحياءً و«شوارعَ» أحيا الله شبابها بشهادة شهيد منهم.
وكم رأينا من تأثر وعاد إلى الدين والإسلام واستفاق ونهض ونفض عن نفسه الغبار حين رأي الشهداء يشنقون على شاشات التلفاز.!
وكم أحيى الله بمقتل الشيخ عبد الله عزام، وقبله سيد قطب، وقبلهما عمر المختار وغيرهم كثير، مقلّ ومستكثر.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِن يَشَأْ | يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ٩٧٤صحيح البخاري (7402). |
عرفَ h بما آتاه الله من نور اتباع الوحي والعيش في كنف الرسول أن الشهيد يبارك اللهُ على أوصاله وأعضائه الممزّقة، ومن هذه البركة ما ذكرنا وغيره، يظهر أثرها في أهل بيته وفي قومه وفي أمته بل وحتى في أعدائه، وهل نسيتم قصة إسلام سعيد بن عامر الجمحيّ وغيره ممن شهدوا مقتل خبيبٍ كفّارًا فتأثروا مما رأوا، فما طال مكثهم حتى أسلموا وكانوا أبطالا في أمة الإسلام، وكانت أعمالهم إن شاء الله في صحيفة خبيبٍ، وأكرم بها.!
إن الأمم كلها تحرص أشد الحرص على أن يكون لها أبطال وقدوات ومثل عليا و«شهداء» في سبيل مبادئهم وقيمهم التي يؤمنون بها، حتى الكفرة الملحدون يحرصون على هذا لأنهم عرفوا قيمة أن يموت إنسانٌ في سبيل مبدئه وما يؤمن به.
عطية الله
10/ 2/ 1426هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: أمة الشهادة
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا