تقديم فضيلة الشيخ المجاهد: د. أبي محمود سامي العريدي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى الأنبياء والرسل أجمعين، وبعد:

فإن من رحمة الله عز وجل بأمتنا أن جعلها خير أمة أخرجت للناس، وجعل الخير فيها موصولًا؛ فما يصيبها من ضعف في بعض الأحيان والأزمان لا يستمر ولا يدوم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ)٣صحيح مسلم (156)..

وقال ﷺ: (إِنَّ مَثَلَ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَوْ آخِرُهُ)٤سنن الترمذي (2869)، وقال الألباني: حسن صحيح.، وفي رواية: (مَثَلُ أُمَّتِي كَالْمَطَرِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي أَوَّلِهِ خَيْرًا، وَفِي آخِرِهِ خَيْرًا)٥مسند الروياني (1343)..

وإن من صور هذا الخير الموصول وجود العدول من العلماء والدعاة والمصلحين في هذه الأمة على مر العصور والأزمان؛ يحملون رسالة الإسلام وينشرونها، وينفون عنها تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين؛ حتى تبقى نقية صافية كما أنزلت، قال رسول الله ﷺ: (يَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ)٦السنن الكبرى للبيهقي (20911)، وصححه الألباني..

ص 27

وهؤلاء العدول من العلماء والدعاة والمصلحين هم ورثة الأنبياء في الدعوة والتبليغ والتعليم والجهاد قال رسول الله ﷺ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ، أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)٧سنن أبي داود (3641)، وحسن إسناده الأرنؤوط..

وقد كان من هؤلاء العدول الأعلام في هذا الزمان الشيخ المجاهد «عطية الله الليبي» -تقبله الله- فقد جمع رحمه الله بين العلم والجهاد والدعوة إلى الله، وأمضى عمره في ذلك؛ فقد جعل الله له الأثر الكبير في ترشيد الصحوة الجهادية المباركة ونشرها في هذا الزمان، كما لا يخفى على كل متابع لهذه الصحوة الجهادية المباركة.

فقد كان الشيخ «عطية الله الليبي» رحمه الله من أشهر رموز وأعلام هذه الصحوة الجهادية المباركة التي بذل فيها وقته وعمره ونفسه وأصبح علما من أعلامها وفارسا من فرسانها؛ أبان كثيرا من مسائلها، ونصح ووجه وأرشد أنصارها وأتباعها إلى النهج الجهادي الصافي القويم كما يظهر من تراثه وسيرته رحمه الله.

فجمع تُراثِ الشيخ «عطية الله» رحمه الله ونشره عملٌ جليلٌ لما فيه من الفوائد العظام في نشر هذه الدعوة الراشدة؛ نقية من التحريف والتشويه، وبيان الصورة الحقيقة لها بعد أن شوهها الغلاة في هذا الزمان.

كما أن جمع هذا التراث يعود على جامعه بالثواب الموصول بعد موته؛ فهو من العلم الذي ينتفع به، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)٨صحيح مسلم (1631)..

نسأل الله أن يجزيَ الأحبة الذين جمعوا هذا التراث العظيم خير الجزاء وأن ينفع به المسلمين.

والحمد لله رب العالمين

•••

ص 28