فصلٌ؛ في أن المشاعر والأحاسيس والوجدانات كثيرٌ منها داخلٌ تحت التكليف

فهي أفعالٌ قلبية من أفعال المكلفين التي يتعلق بها خطاب الله عز وجل بالطلب، إلا ما كان منها جِبِلِّيًّا طبيعيًّا، لا يقدر الإنسانُ على التحكم فيه، ولا طاقة له به، كالميل الطبيعي في محبة الأهل والولدِ ونحوه، كما قال النبي ﷺ في حديث القَسْم بين الأزواج: (اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملِك)٦٦٠سنن أبي داود (2134) وضعفه الألباني، مسند أحمد (25111) بلفظ مقارب قال فيه الأرنؤوط: إسناد رجاله ثقات، مسند الدارمي (2253) وقال محققه حسين سليم أسد: إسناده صحيح..

وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾، وقال: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾ [البقرة: 286].. فالفرح والسـرور وما قاربها، وأضدادها من الهم والحزن والأسف والوجد، وغير ذلك -إلا ما استثني من القِسْم الطبيعي- أفعالٌ قلبية ينبغي أن تخضع لحكم الله عز وجل، وهي في جملتها راجعةٌ إلى قاعدة جامعة هي: الحب والبغض.

فعلى المسلم أن تكون مشاعره وأحاسـيسه خاضعة للشـرع منضبطة به، يحب ما يحبه الله ويفرح ويسـر به ويأنس ويرتاح إليه، ويكره ما يكرهه الله ويحزن منه ويأسف ويهتم.. وهكذا.

لكن في كل ذلك تفاصيل دلت عليها الأدلة الشـرعية تُنظر في مواضعها من كتب أهل العلم، وإنما أشـير إلى شـيء منها:

فأما الفرح والسـرور: فقد أمر الله عز وجل عباده بأن يفرحوا بفضله ورحمته؛ قال الله عز وجل: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨﴾ [يونس]، فكل ما هو من فضلِ الله ورحمته وإحسانه ولطفه وهدايته وتوفيقه من النعم والمنن والأفضال الربانية الدينية والأخروية. فهو مما ينبغي أن يفرح به العبدُ، ومعنى الفرح هنا سـرورُ القلبِ بها المقتضـي لشكر الله عليها بأركان الشكر؛ القلبي واللساني وبالجوارح.

ص 821

قال العلماء: أغلبُ ما ورد لفظُ الفرح وفي لسان الشـرع وفي لغة الكتاب العزيز في سـياق الذم؛ كقوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿۞إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦﴾ [القصص]، وقوله: ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩ وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١﴾ [هود]، وقوله: ﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦﴾ [الرعد]، وقوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣﴾ [الحديد].

وهو في عامة الآيات الكريمات ونحوها: الفرحُ المطغي المؤدي إلى العُجْب والغرور والكِبر، أو الفرح بما لا ينبغي أن يفرَحَ به المؤمنُ.

ومن الفرح المحمود: الفرحُ بنصـر الله عبادَه المؤمنين على الكافرين، أو نصرِهِ الأقلَّ شـرا والأقرب إلى المسلمين من الكفار على غيرهم ممن هو أشَدُّ بُعْدًا وأكثرُ شـرًّا؛ كقوله عز وجل: ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥﴾ [الروم]، وقال النبي ﷺ: (من سـرته حسنته، ومن ساءته سـيئُتُهُ؛ فهو المؤمن) رواه الترمذي وغيره٦٦١سنن الترمذي (2165) وصححه الألباني..

وأما الحزن والأسـى ومثله الأسف؛ فإنه أكثر ما وردَ في القرآن مسلطًا عليه النهيُ أو النفي وشبهه، وليس في الكتاب والسنة أمرٌ به في حالٍ من الأحوال، وإنما غايتُهُ أن يكون مباحًا مأذونًا فيه لطفًا من الله وتخفيفًا وتيسـيرًا، ومما يكون من النوع الطبيعي الجِبليِّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ونهى الله ﷻ رسوله ﷺ والمؤمنين عن الحزن في مواضع عديدة من القرآن؛ فقال عز وجل: ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧﴾ [النحل]، ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨﴾ [الحجر]، ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩﴾ [آل عمران].

وأخبر ﷻ أن الشـيطان يُرِيد أن يُحزِن الذين آمنوا؛ كقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المجادلة: 10]، وكذا في الرؤيا: قال النبي ﷺ في بعض أقسامها: (ورؤيا تحزينٌ من الشـيطان) والحديث في صحيح مسلم٦٦٢برقم (2263).، وقد كان النبي ﷺ يُكثِرُ من الاستعاذة من الهم والحزن ويُرْشِدُ إلى أسباب ذهاب الهم وجلائِه، والأحاديث في ذلك معروفة مشهورة.

والذي يدل على جوازه وإباحته، كحالةٍ بشـرية طبيعيةٍ سويّةٍ، أدلةٌ منها قولُ وفعلُ النبيِّ ﷺ في قصة وفاة ولده إبراهيم عليه السلام؛ في الصحيحين والسنن -واللفظ للبخاري- عن أنس بن مالك h قال: «دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سـيف القين، وكان ظِئرًا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم؛ فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمُ يَجودُ بنفسه، فجعلت عينا رسولِ الله ﷺ تذرِفانِ، فقال له عبدُ الرحمن بن عوف h: وأنت يا رسولَ الله؟ فقال: (يا ابن عوف إنها رحمةٌ)، ثم أتبعها بأخرى، فقال ﷺ: (إن العين تدمَعُ، والقلبَ يحزنُ، ولا نقول إلا ما يرضـى ربَّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيمُ لمحزونون٦٦٣صحيح البخاري (1303) وقد تقدم..

ص 822

ومنها: ما ذكره الله ﷻ من قصة يعقوب عليه السلام وحزنه على يوسف؛ قال عز وجل: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣﴾ [يوسف]، وقال سبحانه: ﴿بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣ وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤ قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥ قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦﴾ [يوسف]، ومنها ما ذكره الله عز وجل عن نبيه ﷺ عن بعض أصحابه رضي الله عنهم أنهم حزنوا، وسكت النص القرآني عنه؛ كقوله عز وجل: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣﴾ [الأنعام]، وقوله عز وجل: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢ ۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣﴾ [التوبة].

ويُحتَمَلُ إثبات قسمٍ مستحب من الحزن؛ كالحزن والأسف لفوات طاعةٍ، ويحتمل أن يؤخذ هذا من الآية السابقة، وكحزن النَّدم والمعصية وهو توبةٌ، وهذا موضع يدِقُّ التعبير عنه، ولا يبعُدُ استحباب إظهارِ قدرٍ من الحزنِ في مثل هذه الأحوال، وفيما يصيب المسلمين من مصائبَ وشدائد وكروبٍ؛ فإن هذا أقربُ إلى هدي النبي ﷺ وسَمْتِهِ، وأشبه بكمال النفس واستقامتها، وأدنى للمواساةِ، والمواساةُ من مكارم الأخلاق، والله أعلم.

ص 823

فائدة: للعلماء توجيهاتٌ لحزن سـيدنا يعقوب عليه السلام، ذكرها القرطبي فقال: «قال النحاس: فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب عليه السلام؛ فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها أن يعقوب عليه السلام لما علم أن يوسف عليه السلام حي خاف على دينه، فاشتد حزنه لذلك٦٦٤أي: فحُزنُه راجعٌ إلى الدين، فهو حزنٌ على الدين ولأجله، أي وذلك محمودٌ، لما يتضمنه من تعطَفٍ على الدين وولاء له، ولأنه سبب دافع إلى خيرٍ وغيرةٍ للدين!. [المؤلف]، وقيل: إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا، فندم على ذلك، والجواب الثالث- وهو أبينها- هو أن الحزن ليس بمحظور٦٦٥أي كله جملةً، والتفصيل بالتفريق بين الطبيعيّ وغيره أولى. [المؤلف]، وإنما المحظور الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي، وقال النبي ﷺ: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب) [ابن ماجه وحسنه الألباني]، وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤﴾ أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه»٦٦٦الجامع لأحكام القرآن (9 / 248، 249)..

فائدة أخرى؛ في توجيه النهي عن الحزن:

المتحصل من كلام العلماء في النهي عن الحزن أنه لوجهين:

الأول: أنه متوجه إلى ما زاد عن القسم الطبيعي الجبلِّي منه، وهو ما كان للإنسان طاقةٌ بضبطه والتحكم فيه، وذلك لأنه سببٌ لمفاسدَ كثيرةٍ من تركِ عملٍ صالح كترك الدعاء أو الجهاد، أو فعل محرم، كالنياحة واللطم وشق الجيوب وما شابهه مما نهت عنه الشـريعة من مظاهر الجَزَع والتسخط المنافية للصبرِ الواجبِ؛ فيُؤمرُ المكلَّفُ بأن يكُفَّ نفسه عن الحزنِ وأن يجاهِدَه، ويستعيذ بالله منه.

الثاني: أن النهي عن الحزنِ نهيٌ عن أسبابه الجالبة له؛ قال الشـيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ﴾ [آل عمران]: «والوهَنُ والحزنُ حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتب عليهما الاستسلامُ وتركُ المقاومة، فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد»٦٦٧التحرير والتنوير (4 / 98). اهـ.

والأسـى قريب من الحزن أو بمعناه؛ نهى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين عنه، وعلل بنفيه (أي بنفي الأسى) بعض أفعاله وأحكامه ﷻ.. قال عز وجل: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦﴾ [المائدة]، وقال عز وجل: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢﴾ [الحديد].

❖❖❖

ص 824