۞ قمة التخلف
إذا صح معنى هذا العنوان وهو أن للتخلّف قمة؛ فإني رأيت أصنافًا من خلق الله يتربّعون -ولا فخر- على هذه القمة فأولهم النصارى من الأمم الغربية والشرقية، ووجه تخلفهم أنهم تمسكوا بدين قديم وتعصبوا له وجعلوه محورَ هويتهم وجزء كينونتهم، لا يقبلون عنه تزحزحًا ولا يتطلعون إلى أهدى منه، مع أن الرب ﷻ الذي أنزل هذا الدين قد أرسل إليهم وإلى الناس كافة رسولًا بعده يخبرهم أنه قد نسخ تلك الشريعة وأنه يبيّن لهم ما هم فيه مختلفون، وأنه أتاهم بالدين الأكمل والشريعة الأتم؛ فأبوا إلا التمسك بالقديم الذي اختاره يومًا من الأيام آباؤهم وأجدادهم، هذا على فرض بقائه كما أنزله الله، فكيف وقد حُرّف وبدّل حتى صار شيئا آخر.
فأي تخلّف أبعد من هذا وأسخف؟!
وقل مثلهم في اليهود وأولى.
والصنف الثاني ممن يتربعون على قمة التخلّف العلمانيون والمستغربون من بني جلدتنا؛ قومٌ أكرمهم الله بأفضل دين وأكمل شريعة وأعظم رسالة، وبعث فيهم أفضل خلقه وخيرته منهم، وبلسانهم، وعلى صبغتهم ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ﴾ [الرعد: ٣٧] حتى قال الإمام الشافعي في قوله تعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]: «ما استخبثته العربُ فهو الخبيث»١٬٠٥٧انظر: مختصر المزني (8/ 393)، قال الشافعي رحمه الله: «وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ الْعَرَبُ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْ هَذَا وَنَزَلَتْ فِيهِمُ الْأَحْكَامُ، وَكَانُوا يَتْرُكُونَ مِنْ خَبِيثِ الْمَآكِلِ مَا لَا يَتْرُكُ غَيْرُهُمْ».، ومع ذلك فهم يتملّصون منه ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويبدّلون نعمةَ الله كفرًا، ولا يدّخرون جهدًا في التبرؤ من معرّته كما صوّرت لهم شياطينهم -وحاشاه- وتحريفه وتأويله على غير تأويله ليرضوا بتأويلهم بني الأصفر والأبيض الذين ملكوا عليهم قلوبهم وأشربوا حبهم والانبهار بهم، ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١﴾ [مريم].
فهل رأيتم تخلفًا أبعد من هذا وأشدّ غُبنًا؟!
والصنف الثالث من المتربعين على تلك القمة السحيقة غلاةُ الأمازيغ في بعض بلاد مغربنا العربي الكبير، قومٌ منّ الله عليهم بأن أدخل عليهم الإسلام والعربية لغةَ الإسلام، حتى صاروا عربًا لا يتميّزون عن العرب العرباء، وبنوا بالإسلام والعربية أمجادًا، وارتقوا بهما الى قمم السؤدد في بعض حقب التاريخ، بعد أن نهلوا من الإسلامِ عذبًا بلا واسطة ولا ترجمان.
أراد الله أن يرفعهم ويكرمهم فأبوا إلا الحضيض والسفالة؛ يبحثون في جبالهم وأوديتهم لعلهم يجدون نقشًا أو أثارةً من غابر جاهليتهم العمياء ليرفعوا بها عقيرتهم ويثبتوا بها أن لهم حضارةً وماضيَ شرفٍ ومدنيةٍ.. ﴿فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ [غافر: ٨٣].
فأي تخلّفٍ أبعد من هذا؟ وأي جهالةٍ أظلم من تلك؟!
بل أيّ جريمة نكراء في حق شعوبهم وأجيالهم يرتكبونها بإبعادهم عن العربية لغة الإسلام، وإرجاعهم على أعقابهم منكوسين في جاهلية البرابرة الهمج؟!
﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦﴾ [الأعراف].
فسبحان الذي يخلق ما يشاء ويختار!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القهّار
عطية الله
17 - 11 - 1425هـ
•••