۞ الحكمة الثانية: قوله ﷺ: (ولا تلتفت):

ص 763

قال له: (انفذ على رسلك ولا تلتفت)؛ وقد ذكرنا رواية مسلم التي فيها: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك)، قال -أي الصحابي راوي الحديث-: فسار عليٌّ شـيئًا ثم وقف ولم يلتفت، فصَرَخَ: «يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟..» الخ وفي لفظ آخر -عند ابن أبي شـيبة- قال: (قم اذهب فقاتل ولا تلفت حتى يفتح الله عليك)، فلما قفَّى -أي عليٌّ h، أي رجَعَ ليسأله هذا السؤال- كره أن يلتفت، فقال: «يا رسول الله! على ما أقاتلهم؟» قال: (حتى يقولوا لا إله إلا الله).. الخ، والمقصود بهذا النهي عن الالتفات تأكيد الأمر السابق بالنفاذ والمضيّ، فهو من باب التأكيد بنفي الضدّ (بالنهي عن الضدّ)، وفيه أيضا تنبيه له على عدم الاشتغال بأي أمرٍ جانبيّ يلهيه عن مقصوده، أو يستهلك شـيئًا من طاقته، أو يفسد عليه نشاطه ويُضعِفُ همَّته.

وكذا ينبغي لأهل الجهاد أن ينفذوا ويمضوا لما أُمِروا به ولا يلتفتوا..! يمضوا إلى الأهداف الكبيرة الواضحة المرسومة، ولا ينشغلوا بشـيءٍ مما لا يخدمهم في سعيهم، بل يفسد عليهم ويأكل من عزمتهم.! وسنزيد هذا المعنى توضيحًا إن شاء الله تعالى.