۞ حُلُمَانِ..!

يحلم كثيرٌ من المسلمين أن يستيقظوا صباحَ ذات يومٍ وحاكمٌ عربيّ أو حاكمُ بلدٍ من بلاد الإسلام قد تاب إلى الله وانصلح شأنه وهداه الله إلى الدين الحقّ ورجع إلى الله وأناب، وشرع يصلح البلاد والعباد، ويقرّب العلماء الصالحين والأتقياء الناصحين، وينفي عنه الفجّار الغشاشين والنفعيّين الخائنين، ويرفع لواء الدعوة إلى الله ونشر العلم النافع والدعوة إلى الخير، وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبدأ يتدرّج في عزمٍ ويقين -وفق تصوّر وخطةٍ مدروسة- في إصلاح المجتمع والاقتصاد والإعلام وكل مناحي الحياة، وإصلاح المناهج والطبقة السياسية والجيش والشرطة والأمن وغيرها من مباني الدولة، ويعدّ العُـدّة ويرصّ صفوفَ أبناء أمته الذين أحبّوه وصاروا يلهجون ليلًا ونهارًا وسرًّا وجهارا بالدعاء له - يرصّ صفوفهم ويبني منهم نموذجَ خيرِ أمةٍ من جديد، ويتطلّع لإقامة الجهاد الحقّ ونصرة الإسلام والمسلمين حيثما أمكنه، وَفق تصوّر مدروس أيضا يجتمع عليه العلماء الصالحون والعقلاء الناصحون والخبراء الباحثون..!

ما أجمل هذا الحلم وما أروعه..! إنها أمنية وحلم لكل مسلم صادق.

ويراودني أنا حلمٌ آخر أرجى من ذلك وأقرب غير أنه لا يقلّ عنه -إن تحقق- خطرًا وأثرًا: أن أستيقظ في يوم من الأيام.. فأسمع أن عالمًا كبيرًا من علمائنا ممن علا بين الناس صيتهم، وطار في الأقطار ذكرهم، وسلّم الناسُ لهم بالتقدّم في العلم والفضل وقد التحق بالجهاد في الفلوجة والعراق، أو في أفغانستان ووزيرستان، أو في الشيشان وما شابهها!!

أحلم أن أصبح ذات صباح فأصلّي الفجر وأقول أذكاري ثم أفتح المذياع أو الانترنت لأطالع أخبار المسلمين والدنيا من حولي؛ فأسمع أن الشيخ سلمان العودة أو الشيخ سفر الحوالي أو ناصر العمر أو الطريري، أو البراك أو الراجحي أو ابن جبرين أو غيرهم من علماء السعودية، أو محمد إسماعيل المقدّم أو غيره من إخوانه ونظرائه من علماء سلفية الإسكندرية وغيرهم من علماء مصر وما أدراك ما مصر!.. أو عالمًا كبيرًا من علماء موريتانيا وبلاد شنقيط بلاد العلماء ومعقل الأدباء والفصحاء.. أو غيرهم أو غيرهم أو غيرهم من علماء المسلمين..!

أحلم أن أسمع وأرى واحدًا منهم على الأقل -أو اثنين أو ثلاثة- قد امتشق سلاحه ولبس لأمته والتحق بإخوانه في الجبهة جنديًا مجاهدًا..

ص 1327

أشعث أغبر، أنور أزهر..! قد يكون قائدًا أو لا يكون بعدها.. ليس مهمًّا!

لكنه بكل حال سيكون معلّمــًا ومرشدًا ومفتيًا وداعيًا ومطاعًا مبجّلا..

وفوق ذلك سيكون بطلًا من أبطال الأمة -حيّـًا- وشهيدًا عظيما من شهدائها -ميِّـتــًا- إن شاء الله.. وسيُـحيي الله بعمـَله قبل عِــلمه فئامًا عظيمة من أمة محمد ﷺ.

بعبارة أخرى: سيكون ثورةً حقًا..! سيكون نصرًا وفتحًا..!

آه.. ما أجمل ذا لو تمّ ذا.! ما أجمل هذا الحلم وأروعه..! تُـرى هل يتحقق الحلم؟

[تكميل: جوابًا على قول من قال: إنَّ الواجب على «القاعدة» أن تعود إلى العلماء وتصدر عنهم!]

أنت تدندن حول فكرة صحيحة في الجملة وتبدو متينة وهي الكون مع العلماء واتباعهم، فهم أولو الأمر.. لكن أخشى أنه قد يكون هناك نوعُ تطرّف في الفكرة، وتجاوز بها الحدّ..!

لأن معناها هنا في موضوعنا: كونوا مع «العلماء» فإن جاهدوا جاهدتم، وإن قعدوا ونكلوا عن الجهاد فاقعدوا معهم.! لأنك إن أردت بالعلماء جميعهم (الإجماع) فهذا غير ممكن في العادة، وليس مطلوبًا شرعًا، ولن تجده، وهم غيرُ ممكن أن يجمعوا على خلاف الحق.

وإن أردتَ جمهورهم (أكثرهم) فكذلك ليست الحجة فيه حيث يسطع البرهان.

وإن أردت البعض فحاصل ولله الحمد في معظم الأمثلة، وما خرج عن ذلك فهو النادر جدًا، كمسألة «عمل القاعدة في السعودية» التي هي محور فكرتك أنت وكثير من الإخوة، والتي يبدو أنكم تنظرون إلى كثير من الأمور من خلالها، وهي لا تعدو كونها «مشكلة» نرجو من الله تعالى أن ييسر حلها لصالح الإسلام والمسلمين، ونصرًا للمجاهدين.

ألم تلاحظ أخي أن الكثيرين من أهل الجزيرة وبلاد الحرمين ينظرون إلى الدنيا من خلال «السعودية» فقط، حتى العلماء والدعاة، والمفكرون كثير منهم.!

انظر عندما يقع الكلام عن «وليّ الأمر»، والسمع والطاعة.. الخ.

ص 1328

أخي العزيز: إنما يقال كونوا مع العلماء حيث لم يتبيّن لنا الدليل والبرهانُ من الله على صحة المسألة، أما حيث يتضح الدليل ويتبيّن البرهان ويسطع نوره فلا يبقى لأحدٍ مقال؛ فالقول الفصل هو: كونوا مع الحق، ووافقوه، مع الدليل والبرهان، وطاعة العلماء إنما هي تبعٌ لذلك، ولا طاعة لهم استقلالا، وكذا الأمراء، وهذا ليس فيه خلاف بين المسلمين؛ كما قال الشافعي رحمه الله: «أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ أنه ليس له يدعها لقول أحدٍ كائنا من كان» ١٬٠٥٦ينظر: الروح (ص 264)..

انظر إلى آفاق أخرى، وتأمل الجهاد في الجزائر وفي ليبيا وفي باكستان وغيرها ضد الحكومات المرتدة هناك.. هل ستقول لي أيضا كونوا مع العلماء؟

سأسألك: ومن هم؟ تعال نعيّنهم ونرى من يصلح أن يؤخذ منه؟ وماذا قالوا؟ وماذا تعني؟ كم واحدًا منهم؟ هل تريد كلهم؟ أو أكثرهم؟ أو حتى القليل؟

ثم أقول لك: ألا يكفي أن يفتي في مشروعيته وتأييده واحدٌ واثنان وثلاثة وعشرة من أهل الثقة والدين والورع؛ من العلماء؟.. هذا من حيث الفتوى وموقف العلماء الذي تطلبه ويطلبه الناس عادة لكي يطمئنوا، وإلا فإن البرهان ساطع سطوع الشمس في صحو الظهيرة، لأهل النظر، ولله الحمد والمنة.

تبقى بعد ذلك تفاصيل المسائل والأفعال وما نأتي وما نذر من جزئيات فقه الحرب؛ فالمرجع فيها إلى أهل العلم بالشريعة ودلائل الكتاب والسنة، كمسألة «التترس» مثلا وما شابهها مما يُسأل عنه.

أخي الكريم: أنت تطلب من العلماء أن يقودوا العمل السياسي والحرب والجهاد

هذا مطلب ولنقل «حُــلُـم» مشروع، لكنه بعيد عن الواقعية، وفيه مثالية، ولا يراعي سنّة الله في الخلق، وأما حلمي أنا فإنه بحمد الله واقعيّ قريبٌ، فأنا لم أطلب من العلماء أن ينفروا كلهم للجهاد والحرب، وإنما تمنّيت عليهم أن ينفر بعضهم والقليل منهم من كبارهم؛ سواء قادوا المسيرة وكانوا هم الأمراء، أو كانوا جنودًا في الصف مع إخوانهم وأبنائهم المجاهدين يعلّمون ويفتون ويرشدون ويربّون ويوجّهون ويحفظون ويصونون.. وحينئذ يكونون هم القيادة الأدبية والعلمية، وهي القيادة الحقيقية.!

أخي الكريم: إن العلم والسياسة افترقا في الأمة بعد عصر الصحابة، ولن يتحدا في شخص أو أشخاص إلا في النادر القليل جدًا جدًا لو حصل، وهذا التاريخ وكلام العلماء والحكماء معروف ومسطور.. السياسة والحرب والجهاد لها رجالها، كما أن العلم والفقه له رجاله.

والمطلوب هو أن يكون هناك انسجام وتواؤم وتعاون بين الطائفتين.

ولكلٍ واجباته وحدوده ودوره ومقامه المعلوم.. وهو ما لا نفتر ندعو إليه، والله أعلم وأحكم..

ونسأل الله أن يصلح حالنا وأحوال أمتنا إنه على كل شيء قدير.

والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه.

[كُتب هذا المقال بتاريخ: 3 شوال 1425]

•••