۞ الذب عن سيد قطب رحمه الله

[جوابا على موضوع بعنوان: «أين رجع الأستاذ سيد قطب عن سبه للصحابة؟» قال الشيخ رحمه الله]

لا بأس بأن تحرر هذه المسألة، ونقصد بذلك إن شاء الله المقاصد الخيّرة؛ من الذب عن الصحابة وبيان منازلهم الرفيعة، والاعتذار عن الأستاذ سيد رحمه الله، وبيان منهج أهل السنة عند ذكر ما وقع بين الصحابة من فتن واقتتال واختلاف وما شابه ذلك.

ولكن يا أخي الكريم، العنوان الذي وضعته لموضوعك وسؤالك لم يكن في نظري موفقًا؛ فإن الاستاذ سيد رحمه الله وعفا عنه بمنه وكرمه لا يحسُن ولا يليق أن يقال في مثله: سبّ الصحابة!! هكذا بإطلاق، ولو في سياق السؤال؛ فهذا ينافي معرفة قدر الرجل وحسن بلائه في الإسلام والدعوة إلى الله عز وجل ودينه والمجاهدة في سبيله وبذله روحه في سبيل ذلك، وصبره لله تعالى وما عُرِف عنه واستُوقِن من حسن الإسلام والمحبة لله ورسوله والنصح لأمة الإسلام، والتعظيم لأمر الله ورسوله وشعائره، والتعظيم للصحابة الكرام رضي الله عنهم على الجملة بلا شك ولا ريب، ولو لم يكتب في ذلك غير «الجيل الفريد» لكان كافيًا رحمه الله ورضي عنه.. آمين.

ومن قرأ كتبه كـ«الظلال» وغيره من كتبه التي كتبها بعد التزامه بالدين واهتدائه إلى التمسك به يرى على كلامه نور الإيمان الاهتداء بالقرآن العزيز وقوة التدين والله حسيبه.. وهذا يعرفه من عقل وأنصف.

فمن العيب وغير اللائق بطالب علم عرف الناس وأقدارهم ومنازلهم أن يأتي ويقول عن «سيد» إنه سبّ الصحابة..!!

وإنما الذي وقع من «سيد» كلامٌ في بعض الصحابة رضي الله عنهم لا يليق، وأخطأ فيه «سيد» بلا شك، ونحن نستغفر له ونسأل الله أن يعفو عنه.

وكلامه في الصحابة الثلاثة الكرام رضي الله عنهم ليس كله أيضا من طبقة واحدة وعلى درجة واحدة.

فمنه ما قد يصح تسميته سبًّا، ومنه ما هو دون ذلك من ذكر مآخذ أو ما رآه هو مآخذ وانتقدها على الصحابي المعين.

ص 1361

ومعروف أن هذا الذي وقع منه خطأ، ولكنه بعيدٌ كل البعد عن ما يرومه القاسطون من رمي «سيد» -بسببه- بالكفر والضلال المبين.

فإن الكلام في بعض الصحابة بسبب تلك الفتن وقع من جماعة من العلماء بعد عصر الصحابة، وهو وإن كان خطأ استقرت مذاهب أكثر أهل السنة على التشنيع عليه واعتباره مما يجب تركه والكف عنه.. لكنه ليس كمن سبّ الصحابة لدينهم أو لأنهم عربٌ أو قال عنهم على الجملة أقوالًا فيها انتقاص وتحقير.. وحاشا سيدًا أن يكون من ذلك، بل والله هو أبعد ما يكون من ذلك.

إنه على النقيض من ذلك تمامًا.. وما وقع منه كان رأيا له لعله اقتدى فيه أو تأثر ببعض من سبق من أهل العلم ممن أخطأ قبله أو بعض المبتدعة.

ولم يحرر المسألة جيدًا، وكان ظرفه ووقته وانشغاله سبّب له عدم إتاحة فرصة لمراجعة الأمر بشكل مناسب وأصر على كلامه.. فسامحه الله وغفر له.

ولا تقل لي: نصحه فلان؛ فلم يرجع، فإن أمرًا كهذا لمثل سيد ومواهبه لا يرجع عنه صاحبه بسهولة في العادة.. فالسبيل هو الاعتذار عنه والاستغفار له وكفى.

وأذكر ممن وقع منه كلام لا يليق في الصحابة الشيخ «صديق حسن خان» رحمه الله، وقد علّق عليه العلامة أحمد شاكر في نسخته من «شرح الدرر البهية».. ووقع من غيره قديما أشياء من هذه.

لكن هذه لا يقال في صاحبها إنه سب الصحابة أو حتى انتقص الصحابة، هكذا بإطلاق، بل هو إنما تكلم في صحابي أو بعض الصحابة بسبب آراء سياسية أو تصرفات انتقدها عليهم.

وقد نصّ علماؤنا على أن ذلك خطأ، ولكنهم نصّوا أيضا على أنه ليس بمنزلة من يسب الصحابة أو يطعن فيهم لأجل الدين وما فضّلهم الله به من العلم والفهم والسابقة وحسن الديانة والبلاء في الإسلام.. فبين الأمرين فارق عظيم لا ينبغي لطالب علم أن يغفل عنه أو يخلط.

وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه.

[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 18/ 3/ 2005م]

•••