[السؤال السادس: الغموض الذي يكتنف بعض الشخصيات الجهادية المعاصرة، وعن لقاء الشيخ عطية الله ببعض قادات المجاهدين]
شبكة أنا المسلم: توجد بعض الشخصيات البارزة على الساحة؛ هناك من يشكك فيها وربما حتى في وجودها على الواقع أصلا، وهذا قد حصل مع الشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي؛ حيث أثير منذ فترة أنه مجرد أسطورة خيالية لا وجود لها ولا حقيقة، وأن أمريكا تبرر وجودها في العراق بمثل هذه الإشاعات والأسباب.
وسؤالنا لفضيلتكم: هل سبق لكم وأن التقيتم أو عرفتم عن قرب هذه الشخصيات الشهيرة؟ أسامة بن لادن، أبو مصعب الزرقاوي، أبو الفرج الليبي، أبو مصعب السوري، أبو قتادة الفلسطيني، محمد الحسن بن الددو، أبو بصير الطرطوسي.. وجزاكم الله خيرا.
الشـيخ عطية الله:
بخصوص الغموض الذي يكتنف بعض الشخصيات الجهادية المشهورة، من حيث فكرها وفهمها ورأيها في الكثير من القضايا المهمة:
في البداية: أقول إنني اقتصرت في الجواب على قدر السؤال ولم أردْ أن أتوسّع، إرجاء لكثير من الكلام لما يأتي من الأسئلة عن «النزعة التكفيرية» وغيرها، ولذلك تكلمت على من ينفي أو يتشكك في وجود بعض تلك الشخصيات كـ«الزرقاوي» مثلا.
وأما ما دمتم قد سألتم عن «الغموض» والتشكيك في فكر وعقلية الشخصية من تلك الشخصيات؛ فسنتكلم على ذلك بما يفتح الله ﷻ.
فاللهم اشرح لي صدري يسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واهدني وسددني.
قال الأخ: «فالتشكيك في بعض الشخصيات الجهادية ليس من حيث وجودها أصلا، ولكن الاختفاء الذي يفرضه الواقع، ثم صدور بيانات لهؤلاء القادة المختفين تحدث عزلة للجهاد والتيار الجهادي بما يجعل الإنسان منا يقف حائرا أو قل متشككا؛ فيتحدث الناس عن الجهاد والجهاديين والنزعة التكفيرية التي عندهم.. فيأتي بيان من أحد القادة،، ينفي هذه التهمة ثم يقرر أنه لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله ثم تلمح -بوضوح- في بيانه تأصيل النزعة التكفيرية..
يتحدث الناس عن قتل المجاهدين للأبرياء في العراق.. فيأتيك بيان لقائد مختفٍ ليؤصل لهذه المسألة تحت بند مسألة التترس.
يتحدث الناس عن بغض التيار الجهادي الجديد للعلماء وسلاطتهم عليهم وتضليلهم لهم..» الخ.
فأقول وبالله أستعين:
كلام الأخ منطقي جدًا ومحترم، بارك الله فيه.
وسأحاول توضيح الصورة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب:
هذا الكلام لا ينطبق على المعروفين المشهورين مثل الشيخ أسامة نصره الله وواضح أن المقصود به على الخصوص الأخ «الزرقاوي» وفقه الله.
نعم الاختفاء الذي يفرضه الواقع مع عدم اشتهار الشخصية المعنيّة في السابق، بحيث يعرف أفكارها ومذهبها ورأيها في جمهور المسائل والقضايا، وينضم إلى ذلك بعض الأشياء التي تثري تلك المخاوف ككون الزرقاوي -وهو مثالنا- تلميذا أو صديقا حميمًا للشيخ «المقدسي»، والشيخ «المقدسي» عُرف بتشدده، ومتّهم بنوعِ غلوٍّ في مسائل التكفير وفي موقفه من العلماء، وينضم إليه أيضا كلمات تصدر في بيانات «الزرقاوي» تعطي للناس فكرة أنه يسارع في إطلاق الكفر ويستهين بمسألة التكفير، ويتكلم في أهل العلم بقسوة ونحو ذلك.
فهذه كما ترى مجموعة من العوامل اجتمعت لترسّخ تلك المخاوف عند الناس.
بالنسبة للذي يعرف الأخ «الزرقاوي» وأخلاقه ودينه وأصوله النظرية، فهو أكثر اطمئنانًا ولله الحمد إلى أن هذه الأشياء هي عارضة وليست بالعمق الذي قد يتصوره من لا يعرفه.
فأنا لا أملك إلا أن أطمئن إخواني ومن يعرفني أنه ليس هناك تكفير بالمعنى المذموم الذي عرفناه عند جماعات التكفير، وأن الأخ «الزرقاوي» بحمد الله بعيد جدًا عن ذلك، ولا خوف من بدعة الخوارج أو التلبس بضلالتهم إن شاء الله.
وأن تلك الأشياء التي ترون إنما هي مجموعة أخطاء واتفاقات على درجات متفاوتة، وهي فتنة، قدرها الله؛ فالموفق في تجاوزها من تريّث وتثبّت وأنصف واستعان بالله واعتصم به، فلا يتسرّع في رمي المجاهدين والتنفير منهم، بل يتثبت ويتمهّل، وإن كان لا بد فليقل: إني أخشى كذا وليقل خيرا أو ليصمت.
وأما من يتسرّع ويبدي الاحتمالات السيئة ويظهر الأوهام والتحليلات المخيفة ويجعلها كالعلوم النافعة ويظل يتحدّث عن العمالة للاستخبارات الفلانية والحكومة الكافرة العلانية، ويبرز تلك الشكوك ويكررها، فهذا قد جانب الصواب فعلا وأتى منكرًا، ولم يصنع شيئا في إصلاح ولا دعوة إلى خير.! وإني أحذّر إخواني من ذلك، وأذكّرهم الله تعالى في المجاهدين وحرمتهم، وحرمة الجهاد الذي يقومون به.. نسأل الله لنا ولكم الصلاح والتسديد.
ومما يدلّكم على صحة ما قلت لكم: أنكم تعلمون وتسمعون تصريح الأخ «الزرقاوي» وإخوانه في التنظيم في بياناتهم بتعظيم دماء المسلمين، والإقرار بأن الشعوب العربية والإسلامية شعوب مسلمة، وأنهم يتوجعون لأحوال المسلمين في كل مكان، ويهبّون لنجدة امرأة مسلمةٍ اغتصبت واعتدى عليها العلج أو الرافضي، ويقدّمون أنفسهم فداء لها، وغير ذلك كثير، وهم بحمد الله يعيشون مع الشعب العراقي ومع باقي الجماعات المجاهدة، ولا يكفرونهم ولا يفسّقونهم ولا شيء من ذلك؛ فكيف يصح أن يظن الإنسان بهم أنهم «تكفيريّون» مع هذا كله..!
ومسألة «التترس» التي تكلم فيها الأخ الزرقاوي واعتذر بها عن إصابة -مقتل- بعض المسلمين أحيانا، مهما خالفته أو وافقته فيها فهي في حد ذاتها دلالة على هذا الأصل العظيم وهو أن شعوبنا مسلمة ولله الحمد، ودماؤهم معصومة محترمة كل الاحترام، ما في ذلك شك.
وعلينا أن نبلّغ إخواننا في «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» وأميرهم الأخ «الزرقاوي» وفقهم الله، أن يبتعدوا عن إطلاق الكفر في المسائل التي لم تتحرّر ولم يكن فيها فتاوى معروفة من علماء مجتهدين، وأن يخاطبوا الناس بما يعرفون، ومعنى ما يعرفون: المسائل المشتهرة والواضحة التي تعقلها وتستوعبها قلوب الناس، ولا تحدثُ لهم فتنةً، وذلك يتضمن الابتعاد عن المسائل المشتبهة والصعبة على الناس والتي قد تسبب لهم فتنة وتشويشًا، وهذا من أصول الحكمة ولا سيما لمن يتصدى للقيادة وسياسة الخلق.. ومن ذلك الكلام في أهل العلم؛ فليكن بأدب كامل وتلطّف واحترام مهما اختلفنا معهم ومهما رأينا العالِم وقف ضدنا فإنه إن كان من أهل الصلاح -وهو فرضنا هنا- فإن ما يصدر منه محمول على أنه ما أداه إليه.
وبالنسبة للأخ الشيخ أبي بصير الطرطوسي؛ فلم يسبق لي أن التقيت به، ولم أقرأ له إلا مقالاتٍ على الانترنت، ومن آخرها مقال له بعنوان «هؤلاء أخافهم على الجهاد» أو نحو ذلك، وهو مقال جيد، نصح فيه وأجاد، جزاه الله خيرا.
وبقية الأسماء الستة المذكورة للسادة القادة النبلاء والمشايخ الفضلاء والمفكرين والعلماء؛ فقد شرُفتُ بلقائهم ومعرفتهم ولله الحمد، وبعضهم عرفته أكثر من بعض، على تفاوت درجاتهم وتنوّع مواهبهم، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، وغفر الله لنا ولهم جميعا، ووفقهم الله وثبّتهم وفرج كرب المكروبين منهم، وجمعنا بهم في خير حال وأهنئِ بال، في هذه الدار وفي دار القرار.. آمين.
وكون البعض يشكك في بعض الشخصيات المشتهرة منهم ومن غيرهم، فهذا يحصل بسبب عدم الاطلاع، ولكن قد ينضاف إليه عند البعض سيطرة فكرة «المؤامرة» على تكوينه الثقافي، وقد ينضاف إليه عند آخرين غرض نفسيّ وهوىً ومؤثرات أخرى؛ الله أعلم بها.
والذي لا يعرف له عذره إذا اقتصر على نفي علمه وتشكك في الأمر، ونحن لا حيلة لنا كبيرة معه، وماذا نفعل..؟!
ونقول لهم: اسألوا وابحثوا وتبيّنوا، سافروا وارحلوا إلى بلد الرجل واستخرجوا حقيقته؛ فبلده معروف، وأسرته وقبيلته وبيته، ومسجده ومدرسته وزملاؤه، إن كان يهمكم أمره.
وغالبًا مع مرور الوقت تتبين الأمور للناس وتشتهر.
وأظن في أكثر الأحوال أن من ينكر وجود الزرقاوي مثلا ليسوا هم من الناس المهمين والمؤثرين في الأمة الفاعلين على ساحة التغيير فيها؛ فإن وجد من ذلك أحدٌ فهو قليل، ويكون الأمر عارضًا مؤقتا يزول بقليل من البحث والسؤال والتحقيق، والله أعلم.
فالأمور تتبين للمطلعين والباحثين المتابعين المهتمين.. ولله الحمد رب العالمين.
وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه.
❖❖❖