أهل التجارة مع الله

[الحلقة الحادية عشرة من سلسلة «قناديل من نور» لمؤسسة السحاب، مدتها: 22 دقيقة، ونُشِرت في: شوال 1444هـ، ولا يُدرى تاريخ تسجيلها تحديدًا]

قال الله تعالى: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [العنكبوت] والآيات في هذا الباب كثيرة جدا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾ [النساء: 97] فلامهم الله عز وجل على التقصير في الهجرة، وهذا حكم مستمر إلى يوم القيامة.

الهجرة تكليف وعبادة، ولها أحكام من حيثُ الفقه؛ فتجب أحيانا وتستحب أحيانا وتكون مستوية الطرفين أحيانا؛ فالهجرة عبادة عظيمة، وهي منة ونعمة وعطية من الله عز وجل وهبة كبيرة؛ فلما يوفق الله عز وجل الإنسان للهجرة في سبيله؛ فهذا اصطفاء في حد ذاته اصطفاء؛ فكيف إذا أضاف إليها أنه مجاهد في سبيل الله، والهجرة أم الجهاد، والهجرة والجهاد أخوان، ولهذا لا تنقطع الهجرة؛ كما جاء في الحديث: (ما قوتل الكفار)١٬٢٩٤سنن النسائي (4172) من حديث عبد الله بن وَقْدان السَّعدي، ولفظه: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)..

ص 1850

وقد قال النبي ﷺ: (وأنا أوصيكم بخمس: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله)١٬٢٩٥مسند أحمد (17170، 22910) وصححه الأرنؤوط، سنن الترمذي (2863) وصححه الألباني، وتقدم تخريجه.؛ فالهجرة أخت الجهاد، فهذان الديوانان ديوانان عظيمان أصحابهما محمودون وموعودون بوعد عظيم وفضل عظيم من الله عز وجل وأجر كبير وثواب عظيم؛ فإذا انضمَّ الجهاد إلى الهجرة فقد كملت المراتب، وإذا انضاف إليها تعرض الإنسان للشهادة وحصوله عليها؛ فأكرم وأعظم بها من مرتبة، ولا أظن أنه فيما بقي من عمر الدنيا فرصة لأن يدرك درجة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ درجة ﴿ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم﴾ [النساء: 69] مثل باب الشهادة في سبيل الله.

فيا إخواننا؛ هذه النعمة العظيمة تقتضي منا دوام الشكر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: 7]، وإذا شكرنا الله عز وجل فإنه ﷻ يزيدنا من هذه النعمة، يديمها علينا ويصبغها ويكملها ويوسعها علينا، وهذا مؤذنٌ بغيرها أيضا من النعم: ﴿وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧﴾ [إبراهيم: 7]؛ فإن كفرتم نعمتي فإنكم متعرضون لأثر هذه الصفة اللي ذيلت بها الآية، وهي التعرض لعذاب الله عز وجل.

فيجب علينا أن نستحضر نعمة الله عز وجل علينا بالهجرة وبالجهاد، وأن نطلب من الله عز وجل وندعوه ونلح عليه ونتضرع إليه بأن يكملها علينا ويزيدنا منها ومن غيرها من سائر النعم، والله عز وجل كما أمرنا بالثبات على هذه الطريق التي هدانا إليها؛ طريق الهجرة وطريق الجهاد في هذا الوقت، الذي ضلَّ فيه أكثر الخلق؛ فأكثر الخلق ضلوا عن الصراط المستقيم وضلوا عن طريق الله ومنهاج الله وسبيل الله، ونحن هدانا الله لهذا السبيل؛ فهل هذا قليل؟ بل هذا والله شيء عظيم وكبير جدا جدا، وانظروا إلى الآلاف المؤلفة بل الملايين من الناس الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، في غمرتهم ساهون ولاهون، وفي سكرتهم يعمهون، لا يرجون الله ولا اليوم الآخر، وليس عندهم هدف ولا يعرف الواحد منهم له غاية، فهم في ضلال.

والله عز وجل في هذا العالم وفي هذه الأمواج المتلاطمة من الضلالات ومن الظلمات؛ هدانا للجهاد في سبيل الله، وللهجرة في سبيل الله، وهدانا لمعرفة هذا الدين معرفة صحيحة كما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه، وبوأنا هذه المنزلة العظيمة التي هي ذروة سنام الإسلام؛ فبات الإنسان ينظر إلى الدنيا من علٍ، وينظر إلى الأشياء فيراها واضحة بمقاديرها الصحيحة، مستعلٍ على سفاسف الدنيا وحطامها وزخرفها.

ص 1851

والله عز وجل كما هدانا؛ أمرنا أيضا بالثبات على هذا المنهج وعلى هذا الطريق، وأمرنا بالصبر عليه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران]، وأمرنا بالثبات: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥﴾ [الأنفال]، وخطَّ لنا في الكتاب العزيز وفي السنة أسبابا تؤدي بنا إلى الثبات على هذا الطريق، واستدامة هذه النعمة.

ونحن نذكر مثالًا منها، وهي الآيات التي في سورة التوبة عندما قال الله عز وجل: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١﴾ [التوبة] ثمَّ بين الله عز وجل صفة هؤلاء المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، لأن لهم هذا الثمن الذي هو الجنة؛ فقال: ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢﴾ [التوبة] والله أعلم أن هذه المتعاطفات التي أولها كلمة ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ﴾ هي -في أحد الأوجُهِ على ما قيل في التفسير- خبر لمبتدأ محذوف، وعطفت عليها بقية المعطوفات، فهي جملة استئنافية ابتدائية المقصود بها صفة هؤلاء المؤمنين الذين عقد الله معهم هذه الصفقة؛ فبين صفاتهم في الآية التالية.

والمقصود أنَّ هؤلاء هم المستحقون لهذه الصفقة، وهم المتأهلون لعقد هذه الصفقة.

* فقال: ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ﴾ يعني: هؤلاء المجاهدون الذين قال الله فيهم ما ذكره في الآية الأولى ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ هم الذين يتصفون بهذه الصفات؛ فهم تائبون إلى الله عز وجل في كل حين، وليس معنى كون الإنسان مؤمنًا أو كونه مجاهدًا ومهاجرا وصالحا أنه لا يحتاج إلى التوبة؛ فالتوبة لا تفارق العبد المؤمن لأن الذنب لا يفارقه، والعصيان والتقصير والقصور لا يفارقه؛ فالإنسان محتاج إلى التوبة حاجة ضرورية، والتوبة ليست نفلًا للرجل الصالح؛ فقد يخطر ببال الإنسان الغافل أنه التوبة لا يحتاج لها الرجل الصالح؛ بل إنَّ الصالح هو أكثر الناس توبة، وقوله «التائبون» يعني كثيرو التوبة، الذين يتوبون إلى الله عز وجل دائما في كل حين، ويرجعون إلى الله، وكما جاء أيضا في الحديث: (المؤمن سريع الفيئة)١٬٢٩٦هكذا جاء في مسند أحمد (11587) في حديث طويل جاء فيه: (فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة) وضعفه الأرنؤوط وإن كان معناه صحيحًا له شواهد. والفيئة هي: الرجوع عن الشيء الذي باشره المرء.، فالمؤمن يخطئ ويقصر ويظلم فيما بينه وبين نفسه، ومع إخوانه فيما بينهم، وفيما بينه وبين الله عز وجل؛ لكنه سريع الأوبة سريع الفيئة سريع التوبة سريع الرجوع الى الله، أواب.

ص 1852

* ﴿ٱلۡعَٰبِدُونَ﴾ أي العابدون لله عز وجل، وهم طبعًا مؤمنون فلازم يكونوا عابدين لله، فيظهر أن المقصود هنا عبادة خاصة؛ كأن المقصود أنهم الذين يكثرون من عبادة الله، كما جاء في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب الي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببتُه -خلاص لا تسأل عليه بعد ذلك- كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذَنَّه)١٬٢٩٧صحيح البخاري (6137).، وأول العبادات وأعظمها في الإسلام: الصلاة، ولهذا فمنزلة الصلاة للمجاهدين منزلة عظيمة جدا بخصوص المجاهد؛ كما كان سيدنا عمر h يوصي المجاهدين ويسألهم ويتفقد صلاتهم، ويقول: «إن أهم أمركم عندي الصلاة»١٬٢٩٨موطأ مالك (6) عن نافع، مولى عبد الله بن عمر ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: «إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها، حفظ دينه، ومن ضيعها، فهو لما سواها أضيع».، والصلاة طبعا تقتضي قبلها شرطها الذي هو الطهارة؛ فهم متطهرون عابدون مصلون.

* ﴿ٱلۡحَٰمِدُونَ﴾ أي أنهم حامدون لله عز وجل، ومعناها واضح.

* ﴿ٱلسَّٰٓئِحُونَ﴾ فسرت بالصائمين، وجاء في آية أخرى في وصف أزواج النبي ﷺ أنهن ﴿سَٰٓئِحَٰتٖ﴾ [التحريم: 5]، وبعض المفسرين ذكروا السياحة بمعناها الذي هو السعي في الأرض على وجه من وجوه الخير مثلا، والله أعلم، لكن التفسير الأكثر عند السلف أنهم الصائمون.

* ﴿ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ﴾ يعني المصلون، طيب ألم يذكر أنهم مؤمنون عابدون؟ نعم، ولكنه ذكر الركوع والسجود لما لهذين الفعلين والشعيرتين من المكانة والعظمة عند الله عز وجل، والمقصود هنا كثرة الصلاة، وهذا يدل على أهمية الصلاة للمجاهد في سبيل الله؛ فهذه الأشياء تؤهله للثبات على هذا الطريق، وتؤهله لاستحقاق عقد هذه الصفقة مع الله عز وجل.

* ﴿ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ هاتان الصفتان مركبتان من معنى واحد، ولهذا عطف بالواو؛ فتلاحظ أنه في الصفات الأولى جاءت غير معطوفة بل مفصولة بدون الواو إلا بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن مجموعهما معنى واحد، ويعني أنهم دعاة الى الله يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قائمون بأمر الله عز وجل، يعلمون الجاهل، ويصلحون في الأرض، هذه المعاني كلها مندرجة تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهذه صفة المجاهدين في سبيل الله الذين عقد الله معهم هذه الصفقة العظيمة التي هي أعظم صفقة، ويعقدها معهم أعظم شيء وهو الله عز وجل؛ فهل هناك أي شيء أكبر من الله؟ هل ثمة أحد أكبر من الله؟ هل ممكن لأحد أن يعقد صفقة أكبر من الله؟

* ﴿وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢﴾ وهذه فيها عموم؛ فحدود الله عز وجل هي ما حده من الشرائع وما شرعه من الأحكام؛ لأن الله عز وجل شرع لنا الأحكام وفرض علينا الفرائض وبين لنا كيف نعبده؛ فهذه كلها حدود الله، وتطلق حدود الله إطلاقا خاصا وتطلق إطلاقا عاما، فإطلاقها العام على الحدود التي حدها الله عز وجل: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، وقد تطلق على الحدود التي هي الاصطلاح الفقهي بمعنى الحدود والعقوبات وهو المعنى الخاص لها.

لكن هنا المقصود بحدود الله: أوامر الله عز وجل وهو ما حده الله عز وجل لنا من الحدود الشرعية أمرا ونهيا وإباحة، فهم محافظون على ما أمر الله به بأن يأتوه على صفته المطلوبة في وقته المطلوب بقدره المطلوب لا يتجاوزونه، وهم يحافظون على نواهي الله عز وجل باجتنابها ولا ينتهكوها ولا يأتوها.

* ثم ختم الآية بالخاتمة التي هي: ﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣﴾ فبشر المؤمنين الذين اتصفوا بهذه الصفات، والذين عقد الله معهم الصفقة وهم أهلٌ لها؛ فبشرهم بماذا؟ لم يبين، والمراد: بالخير العظيم وبالفلاح وبالفوز الكبير.

فالمقصود التذكير بأن الله عز وجل في هذه الآية بين لنا صفات المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، وهذه الصفات -كما ترون- تدور حول مثبتات المسلم على هذه الطريق؛ فإذا كان المسلم متصفًا بهذه الصفات فليستبشر بتثبيت الله له، وليستبشر بتمام نعمة الله عز وجل عليه بأن يتوفاه الله عز وجل على الإسلام وعلى الإيمان وبأن يختم لهم الشهادة؛ لأنه قال: ﴿فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ وأن لهم الجنة، وهذا هو الثمن الذي باعوا أنفسهم من أجله؛ فالله عز وجل بين لنا الصفات التي تقتضي ثباتنا على هذا الطريق، ونستديم بها نعمة الله عز وجل، ونتأهل بها لنيل جنة الله عز وجل ورضوانه.

وتدور معظم هذه الأمور حول العبادة، وهذه العبادات وهذه الصفات إنما هي مثبتات وركائز، وإلا فالمجاهد لا يأمن على نفسه، واليوم المجاهد وارد -والله أعلم- قد يتحول إلى عصابة ومجرم، فكم من إنسان رأيناه في حياتنا القصيرة أشير إليه أنه مجاهد وبلغ درجة أنه شيخ المجاهدين وأمير المجاهدين وله تاريخ في الجهاد، ثم أضله الله، ولم يثبت على هذا الطريق؛ لأن الله لم يثبته، فالإنسان ضعيف، وهو لوحده والله لا يقدر على شيء أصلا؛ إلا أن يعينه الله، ولا يقدر على شيء إن لم ينصره الله، وإن لم يهده الله، وإن لم يثبته الله؛ فلا يثبت ولا يستطيع ولا يقدر على شيء أبدا.

ص 1853

لكنَّ الله عز وجل هو الذي ينزل نصره على عبده ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾ [محمد]، ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة]، ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ﴾ [آل عمران: 160] فإن يتخلى عنكم ويترككم فمن ذا الذي ينصركم؟ لا أحد ينصرنا من بعد الله، ولهذا علمنا النبي ﷺ أن نقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث؛ فأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)١٬٢٩٩السنن الكبرى، للنسائي (10330) وصححه الألباني في الصحيحة (‌‌227).؛ فلو أنَّ الله عز وجل وكلنا إلى انفسنا ولو شوية ومقدار بسيط من الزمن؛ فإنه يهلك ويضل ولا يستطيع؛ فالإنسان ضعيف، ما أضعفه، وأما كيف يمكنه الله، وكيف يعينه الله، وكيف ينصره الله؛ فعلى هذا العبد الضعيف أن ينصر الله أولا، وأن يعلم أن النصر مِن عند الله وحده: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 126]، ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ﴾، وعليه أن يجتهد في سؤال الله النصر والتثبيت والإعانة، والأخذ بالأسباب التي بينها الله عز وجل في القرآن والسنة، ومنها تلك الأشياء التي ضربنا لها مثالًا في هاتين الآيتين الكريمتين من سورة التوبة.

فهذا ما أردت لكم ولنفسي المقصرة من التذكير، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من المجاهدين في سبيله، وأن يتقبل منا هجرتنا وجهادنا في سبيله، وأن يكمل علينا هذه النعمة ويتمها علينا، ويجعلنا قابليها، وأن يوزعنا شكرها عز وجل.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

ص 1854

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: أهل التجارة مع الله

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا