[القول في حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين]

نريد من فضـيلتكم بيان الحكم الشـرعي الواضح البيـن المبيـن، الذي لا لبس فيه وبالتفصـيل في: حركة حماس والخط الذي تنتهجه، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطيـن.

[السائل: أبو بصـير السهلي]

الجواب:

الحكم الشـرعي الواضح البيـن المبيـن الذي لا لبس فيه!! وبالتفصـيل «كمان»..؟!! هذا يا أخي الكريم شـيء صعب.. ربما يحتاج إلى مجالس علماء وشورى..!

وأنت لا بد أن تعرف أنك تسألني عن رأيي، فأنا أقول رأيي بحسب ما أراني الله تعالى، وأفيد بما عندي من رأي ومعرفة، ولا نقول إن هذا هو حكم الشـرع إلا فيما علمنا يقيـنا أنه حكم الله وشـرعه، كالمسائل المنصوص عليها والمجمع عليها، وأما أكثر ما نتكلم فيه من مسائل فهي مسائل اجتهاد ونظر طريقها الاستدلال، وليست مما يقال فيه: هذا حكم الله.. قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦﴾ [النحل]، وقال رسول الله ﷺ: (وإذا حاصـرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصـيب حكم الله فيهم أم لا) رواه مسلم وغيره من حديث بريدة بن الحصـيب h٨٩صحيح مسلم (1731)، مسند أحمد (23030)، سنن الترمذي (1617) في حديثٍ طويلٍ مشهور..

وهكذا كانت طريقة علمائنا وأئمتنا في الفتوى والقول في سائر المسائل: نرى كذا ولا نرى كذا، يعجبنا كذا ولا يعجبنا كذا، إلا أن تكون المسألة منصوصة عن الله ورسوله، أو في قوة المنصوص، كما قرر هذا علماؤنا في مواضعه، كما تجده مبسوطا في إعلام الموقعيـن وغيره.

فالحاصل أن ما أقوله هو رأيي؛ فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فهو مني ومن الشـيطان، والله ﷻ ورسوله بريئان منه.

فيا أخي الكريم، حركة حماس أنت تعلم أنها حركة إخوانية بالأصل، بمعنى أنها تنتمي إلى فكر وإلى جماعة الإخوان المسلميـن.. وهذه الجماعة (الإخوان المسلمون) ليست جماعة مأمونة على الجهاد..!!

ص 187

هذا شـيء لا بد أن نقوله، وهو رأيـنا وقناعتنا طبعا، وهذا تحصّل عندنا من مجموع أمريـن:

- معرفة فكرة هذه الجماعة ومنهجهم وما يتربّون عليه، والمنظومة الثقافية التي تحكمهم.

- التجارب مع هذه الجماعة في بقاع متعددة من العالم.

ولا بد أن تتذكر أننا نتكلم عن الجماعة (التنظيم) لا عن أفراد، فالأفراد فيهم وفيهم، وبيـنهم تفاوت، ويوجد فيهم من يـنتمي إليهم ولا يكون حاملا لكل قناعات الجماعة وتركيبتها الفكرية وتكويـنها العقلي، ويكون فيه خير وصلاح وفضائل خاصة، والواقع شاهد والحمد لله.. فحماس هي من الإخوان المسلميـن.

نعم قد يقال لها خصوصـيتها، ونحن لا نعمم الأحكام، لكن من حقنا أن نعبّر عن خشـيتنا ونحن نرى ما نرى، ونحن ندرك تأثير «الجماعة الأم» وفكرها.!

حماس وُجِدتْ في أرض محتلة مغتصبة، مآسـي يومية ومصائب وابتلاء وعُدوان متكرر من عدوّ كافرٍ أصليّ مجمع على كفره وعدوانه ومعلومٍ من ديـن المسلميـن بالضـرورة أنه عدوّ كافرٌ يجب جهاده ودفعه.

بارك الله في قياداتها ورجالاتها الأوائل وجزاهم الله خيرا، نهضوا لجهاد هذا العدوّ والتصدي له، وجنّدوا الشباب ونظموا أنفسهم وتطوروا وتقدموا على الصعيد الاجتماعي..! هذا لا شك أنه خير وصواب وعمل صالح، نسأل الله أن يتقبل منهم.

ولكن أيضا: العلمانيون الوطنيون وحتى الشـيوعيون كثير منهم يقاتلون هذا العدوّ..! فتح مثلا، والشعبية والديمقراطية وغيرها، وهل نسـيـنا نضال ياسـر عرفات؟! والقتال في فلسطيـن كما أنه مشـروع في ديـننا، هو أيضا مشـروع في ديـن العلمانييـن والشـيوعييـن والوطنييـن، شـريعة المقاومة للمحتل.!! والقتال في فلسطيـن ضد الصهايـنة كما نؤيده نحن يؤيده أيضا سـيد طنطاوي، ويؤيده البوطي، ويؤيده القرضاوي، ويؤيده بشار الأسد ومبارك والقذافي أيضا..!!

فالقتال في فلسطيـن لهذا العدو اليهودي، مع أنه عمل صالح للمؤمن الذي قام به، لكنه أيضا ليس هو المحك الحقيقي الذي يقاس به الإنسان ويقوّم.. بل التقويم لا يتم إلا بإضافة شـيء آخر وهو: صحة المنهج وانضباطه بالكتاب والسنة، وعلى رأس ذلك وفي قمته: التوحيد الخالص وصحة العقيدة؛ هذا كله يُعرَف من جهتيـن:

الجهة الأولى: المنهج النظري المكتوب والمصـرح به.

الجهة الثانية: الممارسة العملية والمواقف والإجابات العملية على الامتحانات الميدانية.

ص 189

واستحضـر معي أننا نتكلم بالأساس عن التنظيم (الجماعة)، وإن كان الفرد والجماعة يشتركان في كثير من هذه الأحكام؛ فلو نحن نظرنا في هاتيـن الجهتيـن فإننا سنجد على حركة حماس (كتنظيم) ملاحظات كثيرة..! هذه الملاحظات تجعلنا -وإن اعتذرنا عنهم بصعوبة الظرف والعجز والاضطرار- نخشـى من أي سقوط، ونخاف من الانحراف..! فالخلفية الفكرية والمنهجية هي: الإخوان المسلمون.. ونحن نعرف الإخوان المسلميـن وجربناهم، ولكن نحن لا نسبق الأحداث، ولا نحكم على الناس بمجرد ذلك.. ولكن أيضا نحترس..!

وكل هذا نذكره لكي لا ننخدع ولا نصدم لو حصل شـيء، وللاحتراس، ولنكون واعيـن متأهبيـن.! بل نجري أحكام الناس على الظاهر، ونؤمّل الخير، ونعذر المسلميـن ما أمكن.

وعلى كل حال هم اليوم لهم فرصة ليعطوا ما عندهم، نتمنى لهم كل خير، وندعو لهم بالتوفيق لطاعة الله والبر والصلاح، والله ﷻ بيده الأمر كله، والله حافظ ديـنه ومعلٍ كلمته، فطوبى لمن عمل بمرضاة الله.

الأخطاء التي عند حماس، والملاحظات عليها لا أظنني في حاجة إلى التطويل بذكرها، والمتمثلة في مجموعة متراكبة من القناعات والرؤى الفكرية والمنهجية والسـياسـية والأقوال والتصـريحات والمواقف والعلاقات الداخلية والخارجية، والله المستعان..!

ومنتهاها كان المشاركة في الانتخابات التشـريعية والفوز بالمجلس التشـريعي لتتحول حماس إلى أداة للنظام الكافر المرتد (السلطة الفلسطيـنية)، وتكون جزءا من هذا النظام الفاسد المتعفن بكل المقاييس، الذي الواجبُ محاربته وإزالته -لو أمكن- لا أن نكون جزءا منه وجهازًا تشـريعيًا وتنفيذيًا له..!! والشكوى إلى الله.!

ونحن ندعو إخواننا في حماس إلى أن يرجعوا عن ذلك ويستغفروا ربّهم ويتوبوا إليه، ولا يغرّنهم من يفتي لهم بذلك ويسوّغ، فإن هؤلاء المسوّغيـن المفتيـن لهم، هم من يسكت عن كل الطواغيت المرتديـن في عالمنا الإسلامي، ويضعون أيديهم في أيديهم، ويجالسونهم، كما فعل كبير من كبرائهم قبل مدة مع الزنديق القذافي مسـيلمة العصـر لعنه الله!! وهؤلاء المسوّغون المفتون لكم هم الساكتون عن ما يجري لأهل السنة في العراق على أيدي الرافضة المشـركيـن، وغيرها وغيرها.. فكيف تثقون فيهم وتسمعون فتواهم وتسويغاتهم؟ لولا استسهال الأمور وضعف العزائم.! ولولا ركاكة المنهج والفكرة..! نسأل الله أن يصلح الأحوال.

ص 190

وأما جماعة «الجهاد الإسلامي في فلسطيـن».. فهي وإن كانت لا تنتمي لجماعة الإخوان المسلميـن كحماس بالأصل، لكن هي في مجمل الأفكار متقاربة معها، وعندنا عليها تقريبا نفس الكم من الملاحظات، بالإضافة إلى ما تميّزت به بشكل أكبر من علاقة بالرافضة في إيران وفي لبنان.

ومع كل ذلك.. فنحن نراهم إخواننا، وندعوهم إلى إصلاح أنفسهم وتصحيح طريقهم.

وإلى هذه اللحظة ليس عندنا أكثر من ذلك، وندعمهم فيما يقومون به من خير وجهاد وعمل صالح، ولا نتردد في الوقوف معهم بما نستطيع.

ولا سـيما في هذه الأيام -يونيو 2006- وإخواننا في فلسطيـن يقاسون الجوع والحصار، ويتعرّضون للمجازر من العدوّ الصليبي الصهيوني الغاصب لعنه الله وكل مَنْ والاه، ويودّعون كل يومٍ الضحايا من أطفالهم وشـيوخهم ونسائهم فضلا عن شبابهم..! رحمهم الله جميعا، ونسأل الله برحمته التي وسعت كل شـيء أن يفرج كربهم وأن يـنصـرهم على عدوّ الله وعدوّهم الذي بغى عليهم.. آميـن، ونأخذ على أيديهم فيما أخطأوا فيه ونعيـنهم على الإصلاح.. وننتظر فرج الله تعالى.

قال الله ﷻ: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ٣٨﴾ [محمد]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤﴾ [المائدة]، وقال: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩﴾ [التوبة].. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

•••