• حقائق وأوهام وتصحيحات:

الرافضة إذن لهم دين كما تقدّم، ولكنه دينٌ مبدّلٌ عن دين الله، ومعنى كونه مبدّلا أنه ليس هو الدين الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ، فهم قد بدّلوه وغيّروه وطوّروه عبر الأزمنة والعصور، وأدخلوا فيه من البدع العظيمة الاعتقادية والعملية الكثير، فالتبديل واقع على مستوى الدين وهو التوحيد ومجمل الاعتقاد، وعلى مستوى الشـريعة وهي الأحكام العملية، فإنك إذا نظرت فيما عندهم من الدين اليوم وجدتَ شـيئًا مختلفا اختلافا كبيرًا -في كليات كثيرة وفي جزئيات غير منحصـرة كثرةً- عن دين محمد ﷺ وأصحابه.

وهم ينطلقون من هذا الدين في وضع أجنداتهم السـياسـية واستراتيجياتهم كلها، بالإضافة إلى دوافع أخرى قومية وتاريخية حضارية وتوسعية، كما ذكرنا. ونحن عندما نتحدث عن الرافضة هنا ونقول إن لهم دينا صفته كذا وكذا، نعني بطبيعة الحال الرافضة المتديّنين، الذين يملكون زمام الحكم في إيران، وفي حزب الله اللبناني وغيرهما، ولا نعني الرافضة العلمانيين والمنسلخين عن الأديان أصلا، وهم كثُر عندهم كما هو الشأن في المنتسبين لأهل السنة.

البعد المليّ (القومي) الجاهلي التاريخي الفارسـي عند شـيعة إيران على وجه الخصوص -وعند غيرهم من شـيعة العجم بنسبة أقل وعند بعض شـيعة العرب بنسبة أقل تأثرًا بالثقل الشـيعي الفارسـي- شـيءٌ موجودٌ عليه دلائل لا تخفى على المتوسّمين.

فانظر إلى إحيائهم لتاريخهم الفارسـي وعظيم اهتمامهم به، في مقابل انحصار تاريخ الإسلام عندهم في قصة الحسـين وكربلاء وأمثالها، مع ما فيها عندهم من الكذب العظيم والافتراء والشطح والبهتان.!

وخذ هذه الأمثلة:

ص 566

- يحترم الرافضة الإيرانيون ويعظمون عددا من الشعراء الفرس الإسلاميين وهم من أهل السنة انتسابًا، من أمثال «مولوي»، و«حافظ»، و«خيام» وغيرهم، لا لشـيء إلا لأنهم فرسٌ، من دون ذكر شـيء عن مذاهبهم؟

- تحرص دولة إيران على تسمية «الخليج العربي» بـ«خليج فارس»، وعندهم قانون يجرّم تسميته بغير ذلك، ويعاقب من يسميه الخليج فقط، بدون نسبة، فضلا عمن يسميه الخليج العربي، وعندما يريدون التعبير عن «دول الخليج العربية» يقولون: «دول خليج فارس العربية.!» ويعقدون المؤتمرات سنويا بعنوان: «الخليج فارسـي أبدًا».! وهذه عندهم مسألة عظيمة ولها شأن كبير، وهي لا تعدو في الحقيقة أن تكون تسمية، فسمّه ما شئتَ، والأسماء تتغير عبر العصور والأزمان، ولها مناسبات تخصّ أحيانا وتعمّ أخرى؛ فأي ضيرٍ في تسمية لها مناسبة ووجاهة، ولا مانع منها لا شـرعا ولا عقلا ولا أدبًا ولا حتى بالجغرافيا والتاريخ؟! وهل تستحق مثل هذه المسألة كل هذا التعنّت، لولا قوة القومية الجاهلية وعقلية الشعارات التافهة، وهم يظنونها من السـياسات الحكيمة.!! سمّه ما شئتَ ما دمت ترى أن التسمية الفلانية أنسب وأصدق، ودع غيرك يسمّيه بحسب ما يرى أيضًا، وقل لا مشاحّة، وإنما أنت إذا كنت تريد أن تكون قويًا ناجحا في ميدان الواقع، فالعمل هو المحك.

- ومن ذلك أيضا لو نظرت إلى شـيعة إيران وهم دولة الشـيعة في هذا الزمان، فانظر إلى قلة اعتنائهم باللغة العربية تعليمًا واحترامًا، وهذا شـيء مشاهد معروفٌ عند من عرفهم، وقد كان لهم فرصٌ في التاريخ أن يجعلوا العربية لغة رسمية أو شبه رسمية، لكن أنى لهم ذلك ونار القوة القومية تحرق أفئدتهم.! وقد لوحظ أنهم في لغتهم يعبّرون عن العرب أحيانا على قلةٍ بلفظ «أعراب»، وظني والله أعلم أن ذلك من دسائسهم الخبيثة، فلعل بعض أحبارهم دسّها لهم في بعض مراحل تاريخهم، يغمزون بها في العرب ويتوصلون بها إلى رميهم بأنهم مجردُ أعرابٍ، ومعلوم الفرق في لغة العرب بين عربٍ وأعرابٍ، وأن الأعراب هم بادية العرب أهل الجفاء وقلة التمدّن، ولا أظنها من أصل لسانهم، فهي كلمة عربية فصـيحة قديمة هم أخذوها من اللسان العربي، فهذا ظني فيما يتعلق باستعمالهم لهذه اللفظة في التعبير عن العرب، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد تحقيق.

- وقد تحدث عددٌ من الدارسـين للشأن الشـيعيّ عن مسألة كراهية الرافضة للعرب، وإطرائهم «سلمانَ الفارسـي» h لأصله الفارسـي، وميلهم إلى تعظيم «الحسـين» أكثر من غيره كذلك لمصاهرته الفرسَ، وأشـياء من هذا القبيل، أضف إليها ما في العديد من رواياتهم -عن أئمة آل البيت زعموا- في كتبهم المعتمدة كـ«الكافي» للكليني وغيره من الكلام الجافي عن العرب، يمكن مراجعتها في مواضعها، ولا ريبَ أن كل ذلك موضوع مكذوبٌ على آل البيت رضي الله عنهم وأنه من دسائس زنادقتهم الكبار مطوّري المذهب ومبدّلي الدين قاتلهم الله.!

ص 567

العداء بين الرافضة وبين أمريكا وإسـرائيل هو عداءٌ حقيقيّ، مبناه من جهة الرافضة على أشـياء: منها الدين أي دينهم المبدل الذي هم عليه وما فيه من بقايا دين الحق، ومنها لزوم ذلك بطبيعة الأشـياء حيث إن الرافضة يريدون أن يجعلوا أنفسهم أمة الإسلام الحقيقية ويريدون أن يمسكوا بزمام القيادة في الأمة الإسلامية، وهذا لا بد وأن يلزم منه الاصطدام مع اليهود والنصارى، كما أشـرنا في أول المقال، ومنها التاريخ والأطماع التوسعية والسـيادية الإقليمية.

فمن ظنّ أنه لا عداء بين الرافضة وبين اليهود في دويلة إسـرائيل، ولا بينهم وبين أمريكا، فقد أخطأ، ويرجع جزء من ذلك عند بعض الناس إلى تأثير ما يُسمى عند المثقفين بـ«نظرية المؤامرة» على العقل العربي والإسلامي والشـرقي عمومًا، وهي من معاقد الخلل في ثقافتنا للأسف.! والله أعلم، ولماذا يذهب الإنسان المسلم العاقل بعيدًا عن آيات الله في الكون، وهو يرى العداء بين ملل الكفر أمام ناظريه وعلى مدار التاريخ، فالصـراع والعداء يكون بين الحق والباطل، ويكون بين أهل الباطل المختلفين: أهل باطل يصارعون أهل باطل، فأين الإشكالُ؟ والباطل أشكال وأنواع وسبُلٌ.

وقد يستشكل بعض المسلمين هنا أشـياء نضـربُ لها أمثلة:

فمن ذلك: ما صدر عن بعض كبار قياداتهم ومسؤوليهم السـياسـيين من تصـريحات بأنهم أعانوا أمريكا في احتلال أفغانستان والقضاء على طالبان وكذا في العراق، كما قال «محمد أبطحي» وكان ساعتها معاونًا لـ«محمد خاتمي» رئيس الجمهورية في إيران حيث وقف -بفخر يحسده عليه العلمانيون العرب المتأمركون- في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية سنويا بإمارة أبو ظبي مساء الثلاثاء 15/1/2004م ليعلن أن بلاده «قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق»، ومؤكدا أنه «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة» ٣٥١نقلا عن موقع مفكرة الإسلام، والخبر مشهور نقلته العديد من وسائل الإعلام. [المؤلف] اهـ٣٥٢انظر تصـريحات مماثلة له مصورة في شـريط «مؤسسة السحاب الإعلامية»: «قراءة للأحداث»، وهو اللقاء الثاني للسحاب مع الشـيخ الدكتور «أيمن الظواهري»، عند الزمن (1: 15: 46) وما بعده، وراجع كلام «د. أيمن» في الموضوع في نفس الشـريط. [المؤلف].

ص 568

وهذا القول نفسه قاله قبله «رافسنجاني» الرئيس السابق ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام حاليًا حين صـرح في خطبة الجمعة في جامعة طهران يوم 08/02/2002 بالقول: «إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان وساهمت في دحرها وإنه لو لم تساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني، ويجب على أمريكا أن تعلم أنه لولا الجيش الإيراني الشعبي ما استطاعت أمريكا أن تسقط طالبان» ٣٥٣نقلا عن جريدة الشـرق الأوسط بتاريخ اليوم التالي لتلك الجمعة، نقلته بواسطة عدة أبحاث ومقالات نقلت عن الجريدة المذكورة. [المؤلف] اهـ.

وكرره «علي لاريجاني» مسؤول الأمن القومي في مؤتمر عقد بمدينة بيرن السويسـرية في النصف الأول من شهر فبراير من هذا العام الإفرنجي 2007م، ونقلته وسائل إعلام متعددة.

وكرره «علي أكبر ولايتي»، وهو وزير خارجية سابق، ومستشار دبلوماسي لمرشد الثورة «علي خامينائي» حاليًا في فرنسا بتاريخ 21 فبراير 2007م، كما نقلته «إذاعة البي بي سـي» في تقرير مراسلها «محمد منير سـراج» من باريس في برنامج عالم الصباح لليوم التالي 22 فبراير.

فإذا أردنا تحليل هذه التصـريحات، فيحسُن طرح بعض الأسئلة:

هل إيران فعلا ساعدت أمريكا في احتلال أفغانستان والعراق؟

ولماذا وعلى أي أساس فعلت إيرانُ ذلك؟

هل هو دليل على أنهم أولياء أصدقاء متحابّون، وأنه لا عداء بينهما في الحقيقة؟ أي هل هذا دليل على انتفاء العداء بين الطرفين؟

فالجواب عن السؤال الأول أن إيران أعلنت ظاهريًا أنها لا ولن تساعد أمريكا في غزوها لأفغانستان وللعراق، وبالفعل لا يُعرَف أنها ساعدت بشـيء ظاهرٍ كبير، وما يُـقال من أنها غضت الطرف عن استخدام الأمريكان لمجالها الجويّ في غزوهم لأفغانستان، فلا أعرفُ صحته، وهو إن حصل فيمكن تأويله بأنه واقعٌ من الأمريكان بدون إذنهم (الإيرانيين) وهذا غيرُ مستغرب، وأما شـيء آخر من المساعدة والمعونة فإيران ساعدت الأمريكان مساعدة أخفى قليلا وهي من نوعين:

من النوع السلبيّ، وهو عدم المدافعة، فإيران التي تزعم أنها دولة إسلامية وتزاحم وتنافس على قيادة العالم الإسلامي لم تبدِ أي مدافعة من أي نوعٍ للأمريكان النصارى الغازين لبلاد المسلمين في أفغانستان والعراق، بل قد أبدت الفرحَ بذلك بناءً على أن الأمريكان سـيخلّصونها من عدوّيها اللدودين وهما: نظام طالبان (إمارة أفغانستان الإسلامية) ونظام صدام حسـين.

ص 569

ومن النوع الإيجابي، وهي أنها ساعدت الأمريكان -في حالة أفغانستان على الأقل- بإغلاق الحدود والتضييق على طالبان، كما أن محاربة إيران السابقة لنظام «طالبان» وكيدها لهم واعتبارها إياهم عدوّا استراتيجيّـًا، وتحالفها مع تحالف الشمال الأفغاني المخالف والمعادي لطالبان، ومساعدتها المستمرة لهذا التحالف وهو تحالف البنشـيريين والطاجيك ومَن معهم بقيادة «أحمد شاه مسعود» عمليا، وبقيادة «برهان الدين رباني» نظريا، وهذا الأخير ذو علاقة جيدة مع الإيرانيين إلى حد اليوم، وقد كان يقيم لفترة طويلة في إيران كل ذلك يمكن أن يُعتَبر بمعنىً من المعاني من المساعدة للأمريكان على غزو أفغانستان، وهو أوضح منه في شأن العراق، لأنهم فيما يتعلق بالعراق بإمكانهم أن يقولوا إن صدام ونظامه عدوّ لنا حاربنا سنينَ طويلة وأضـرَّ بنا كثيرًا وفعل وفعل، أما «طالبان» فليس لهم حجة في حربهم إلا عداوة الدين لا غير، وهو مثال ينضاف إلى أمثلة تناقضات الرافضة، ودلالة مضافة إلى الدلالات الكثيرة على أجندتهم الطائفية الشـيعية، كما سبق الحديث عنها.

كما جهزت إيران قوات «محمد إسماعيل» التي هاجمت «هيرات» ثم سلمتها للصليبيين..

وفي العراق ساعدت إيران أمريكا من خلال دعمها للأحزاب الشـيعية الحليفة لها، التي دخلت إلى العراق على ظهور الدبابات الأمريكية.

فهذه بعض أنواع المساعدة التي قدمتها إيران لأمريكا في هذين الحربين الصليبيّتين، مما عرفناه؛ فإن كان أولئك المتحدثون الشـيعة يشـيرون إلى مساعدات أخرى قدّموها في الخفاء، فهذا شـيء آخر.!

وأما جواب السؤال الثاني.. فإن إيران ساعدت أمريكا المساعدة المشار إليها، أو غيرها مما يمكن أن يكون في الخفاء، لظنها أن في ذلك مصلحة لها؛ فإنها كانت ترجو أن أمريكا ستخلّصها من عدوّيها المَخوفيْن: نظام طالبان، ونظام صدام، وقد تمَّ ذلك إلى حد ما، ولكنها بطبيعة الحال ليست نهاية المطاف.. وهذا في الحقيقة مثالٌ للطبيعة الأنانية والانتهازية والظرفية في السـياسة الرافضية، والأمثلة كثيرة جدا؛ ثم هو مثال أيضا لما يفعله البغض والحقد بصاحبه من العمى والسكرة والزيغ عن الصواب في تحقيق مصالحه، وإلا فحتى الكافر العاقل لو أنصف لعرفَ أن بقاء نظام طالبان (إمارة أفغانستان الإسلامية) في أفغانستان خيرٌ لإيران من احتلال أميركا لها، سواء بمعيار الشـرع أو السنن الكونية، فبمعيار الشـرع فإن المسلم خيرٌ وجوارُه خيرٌ والإسلام رحمة للعالمين، وبمعيار السنن فإن التاريخ شاهدٌ برحمة أهل السنة للرافضة.

ص 570

لكن هذا التصـرف من الرافضة مبني على أصل أصـيل عند الروافض لا يتزعزع مهما حاولوا إخفاءه، وهو أن العدوّ الأول والأعظم لهم على مدار وجودهم وتاريخهم هو: أهل السنة، وأما النصارى واليهود فإنهم عدوٌّ سهلٌ وأهل كتابٍ يمكن موادعتهم والتعايش معهم، وأمرهم أهون من ذلك، هذا أصل عند الشـيعة الرافضة، انبنت عليه مثل هذه التصـرفات، فهم بكل بساطة يرون الآتي:

نظام «طالبان» لو تمكن وقويَ فإنه سـيكون دعما لأهل السنة في إيران ولا سيما في الإقليمين المجاورين له وهما: بلوشستان وخراسان، وسـيكون ذلك خطرا دائما وكبيرًا على دولتهم ونظامهم، لأنه سـيجمع بين عناصـر قوة متعددة: قوة العداء الديني والعقدي، وقوة الانطلاق من الداخل، وقوة العمق الاستراتيجي من خلال الجوار الأفغاني، أي دولة أفغانستان المجاورة المستقرة في يد أهل السنة المتدينين أهل التوحيد والتقوى؛ فمن أجل كل ذلك فإن الشـيعة في دولة إيران يفضّلون بلا تردد أن يكونوا في صف أمريكا على أفغانستان، هذا لا يترددون فيه، لكنهم مع ذلك عندهم زوايا أخرى للنظر، فلا يمكنهم أن يظهروا في الصورة أمام الأمة الإسلامية بأنهم أولياء وأعوان لأمريكا، كما لا يمكنهم أن يقفوا مع أمريكا وقوفا كاملا لما تقدم من العداء بينهما للأسباب التي ذكرناها، فالموقف الإيراني إذن كان مبنيا على موازنة بين كل هذه التجاذبات.

والخلاصة.. أن الرافضة ينطلقون من مصالحهم الشخصـية الطائفية، مصالحهم كشـيعة وآمالهم وطموحاتهم، فهم في الحقيقة شـيء، وأمة الإسلام (أهل السنة) شـيء آخر، ومهما حاولوا التمويه على ذلك؛ فإن تناقضاتهم تفضحهم والأحداث الكبرى في الوجود تكشفهم بسـرعة.

وأيضًا فمن الجدير بالملاحظة أن من طرائق الدبلوماسـية الإيرانية التلوُّن في المجادلة بالباطل وكثرة الدعاوى، وإظهار المنة على الخصوم، فهم يقولون للأمريكان من باب المحاجة لهم وإظهار أنهم لهم منة عليهم: لولانا نحن لما استطعتم كذا، ولما قدرتم على كذا، وهو سبيل فاشل على كل حال أشبه بأحوال أهل الخسة والضعة.! وبالتالي فإن السؤال الثالث يكون قد اتضحت الإجابة عليه.

ومما قد يستشكل أيضا: تصـريحات لصبحي الطفيلي الزعيم السابق لحزب الله (1989 إلى 1991) بأن «إيران خطر على التشـيع في العالم ورأس حربة المشـروع الأميركي، والمقاومة في لبنان خطفت وأصبحت حرس حدود لإسـرائيل» اهـ يعني بالمقاومة منظمة حزب الله٣٥٤صحيفة الشـرق الأوسط/ العدد9067 الخميـس25 سبتمبر2003. [المؤلف].

ومثلها تصـريحات لـ«محمد حسـين فضل الله» المرجع الشـيعي اللبناني قال فيها: «إن الحوار لم ينقطع بين إيران وأمريكا في بعض القضايا التفصـيلية هنا وهناك ما يوحي أن الحوار في التفاصـيل قد يجعل فكرة الحوار في المبادئ أكثر واقعية» ٣٥٥حوار له مع صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 21/12/2002، نقلًا عن موقعه على الانترنت. [المؤلف] اهـ.

ص 571

ومثلها تصـريحات مشابهة أخرى لمسؤولين إيرانيين أيضا، وهذه مجرد أمثلة حاضـرة؛ فكل هذا يجب أن يفهم في سـياقه الصحيح، ومن الخطأ الاستدلال به على أن منظمة حزب الله عميلة لإسـرائيل رأسًا وأنها حبيبٌ ووليّ لليهود، ولا أن إيران صديق لأمريكا وولي حميم، وأنه لا عداء بينهما، كما قد يستدل بذلك بعض الإخوة، هذا خطأ ينبغي أن يُصحّح.!

«صبحي الطفيلي» أولا هو الآن عدوّ لمنظمة «حزب الله» اللبناني، عداء شخصـيا وطبيعيًا، بسبب الانقلاب عليه وإبعاده عن قيادة الحزب سنة 1991م، فهو خصم لهم وعدوّ وبإمكانه أن يقول عنهم أي شـيء مما تسمح العوائد بمثله، ثم كلامه يمكن فهمه على المبالغة وأن المقصود أن هذه المنظمة صارت بسبب أفعالها وسـياساتها (تفاهمات يوليو «تموز» 1994 وتفاهم أبريل «نيسان» 1996) وغيرها من التصـرفات صارت كأنها حارسة لحدود إسـرائيل، بالإضافة إلى كونها حارسة لإسـرائيل من جهة أن محاولتها الانفراد بتلك الجبهة وبالتالي سعيها للقضاء على كل فصـيل مقاوم هناك من أهل السنة من الفلسطينيين أو اللبنانيين، يؤول إلى ذلك، أي إلى حراسة إسـرائيل، فهذا استدلال باللازم، ولا يخفى أن مثل هذه الآراء والانتقادات يقولها حتى الوليّ لوليّه، وأما جريانها بين الخصوم فكثير جدًا، فلا يُفرَح بها كثيرًا.! ثم هل هو مصـيبٌ محق في هذا أو لا، هذا نحن نقرر الجواب عليه بأدلتنا المستقلة.

وأما الأقوال الصادرة عن أقطاب الرافضة سواء من السـياسـيين الإيرانيين أو غيرهم المصـرحة بوجود تحاور بين إيران وأمريكا، وحتى إسـرائيل ربما، وأنها لم تنقطع، ونحو ذلك، فهي كذلك مما لا ينبغي للباحث أو للمناظر أن يعوّل عليه كثيرًا، ولا حاجة بنا إليه، فنحن متقررٌ عندنا بكل وضوح معالم وطبيعة السـياسة الإيرانية والرافضية عمومًا من حيث: العقلانية المفرطة والبراغماتية والميكافيلية أحيانا، والأنانية والطائفية..! وبالتالي فوجود حوارات ولقاءات، ومحاولات من الطرفين لتحقيق بعض المصالح -وغالبها مصالح آنية- من ذلك، هذا شـيء عادي جدًا، والطرفان (أمريكا والرافضة) يفعلانه بنفس مستوى النشاط أو الفتور.

وكل ذلك لا ينافي ثبوت العداء بينهما، ولا ينقض ما قررناه أعلاه، والعدوّ يحاور عدوَّه سـرا أو جهرًا ويفاوضه، ويستغله ويمارس معه السـياسة الانتهازية وغيرها، هذا غير مستغربٍ، لكن علينا أن نفهم ترتيب العداوات عند الإيرانيين والرافضة عمومًا، كما أشـرتُ إليه قبل قليل.