وعلى وجه التقريب يمكن ترتيب المراحل التي مرت وستمرّ بها أمة الإسلام مع الشأن الرافضـي في عصورها الأخيرة كالآتي:

- مرحلة الغفلة السنية، وإن شئت فقل السُّبات، أو حتى الموت..!

- مرحلة التلبيس والغش والخداع والانخداع..

- مرحلة الاتضاح والافتضاح الرافضي..

- مرحلة الانتفاش والغرور الرافضـي، ولا سيما بعد سقوط نظام «صدام حسـين»، وأيضا بسبب نجاحات حزب الله اللبناني الظاهرية المؤقتة.

- مرحلة المفاصلة الكاملة والبيان الواضح.

- مرحلة المواجهة، أو المتاركة والمعايشة على مفاصلةٍ في أحسن الأحوال.

- مرحلة الغلبة للحق والتوحيد والسنة، بإذن الله عز وجل.

وإن من خير البشـرية جمعاء أن يكون الحق والتوحيد والسنة هو الغالب والظاهر، ففيه الرحمة والعدل والإحسان، ولا والله لن يكون حالٌ أحسن منه، وإن أهل التوحيد والسنة لهم أرحم بالرافضة وسائر أهل البدع والأهواء المنتسبين إلى القبلة من بعض هؤلاء لبعضٍ، وهذا كما شهدت به دلائل الشـرع شهدت به أيضا دلائل الواقع والتاريخ.

ص 593

وسأضـرب هنا مثالا واحدًا فقط خشـية التطويل -وأختم به هذا المقال- واخترت هذا المثال لأن صاحبه من أشد الناس على الرافضة وأعظم من فضحهم ونكّل بهم بالحجة والبرهان على مدار التاريخ الإسلامي، وهو من أبغض الناس عند الرافضة، وذلك هو شـيخ الإسلام الإمام «أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرانيّ» رحمه الله؛ قال رحمه الله في «منهاج السنة النبوية» بعد كلامٍ عن مخازي الرافضة في التاريخ ووقوفهم دائما مع أعداء الله الغزاة من اليهود والنصارى والتتار وغيرهم ومعاونتهم لهم على المسلمين، قال: «ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقا كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خيرٌ من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خيرٌ وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضًا، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصلٌ فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض، والخوارج تكفر أهل الجماعة وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم وكذلك أكثر الرافضة ومن لم يكفر فسّق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا ويكفرون من خالفهم فيه، وأهلُ السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ﷺ، ولا يكفرون مَن خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق، كما وصف الله به المسلمين بقوله ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، قال أبو هريرة h: «كنتم خير الناس للناس»٣٦٦صحيح البخاري (4557).، وأهل السنة نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس، وقد علم أنه كان بـ«ساحل الشام» جبلٌ كبير فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس ويأخذون أموالهم وقتلوا خلقا عظيما وأخذوا أموالهم، ولما انكسـر المسلمون «سَنَة غازان» أخذوا الخيلَ والسلاح والأسـرى، وباعوهم للكفار النصارى بـ«قبرص»، وأخذوا من مرّ بهم من الجند، وكانوا أضـر على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعضُ أمرائهم راية النصارى وقالوا له: أيما خيرٌ المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى، فقالوا له: مع مَن تحشـر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى، وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين، ومع هذا فلما استشار بعضُ ولاة الأمر في غزوهم وكتبت جوابا مبسوطا في غزوهم وذهبنا إلى ناحيتهم وحضـر عندي جماعة منهم وجرت بيني وبينهم مناظرات ومفاوضات يطول وصفها، فلما فتح المسلمون بلدهم وتمكن المسلمون منهم نهيتهم عن قتلهم وعن سبيهم، وأنزلناهم في بلاد المسلمين متفرقين لئلا يجتمعوا» ٣٦٧منهاج السنة النبوية (5 / 160). اهـ.

والجبل الكبير الذي كان لهم في الشام هو على ما أظن «جبل كسـروان»، وقد تقدم ذكره في أول مقالنا هذا، ووليّ الأمر الذي أشار إليه لعله هو الملك «الناصـر بن قالوون»، السلطان المملوكيّ المعروف، ولـ«شـيخ الإسلام» رسالة كتبها له يهنئه فيها بفتح هذا الجبل ويذكر فيها قصتهم وشـيئا من أحكامهم، مثبتة في «مجموع فتاويه» ٣٦٨مجموع الفتاوى (28 / 398) وما بعدها..

ص 595

وقوله «سَنَة غازان»، السنة هي سنة ستمئة وتسعة وتسعين للهجرة. و«غازان أو قازان»، هو أحد ملوك التتار من ذرية «جنكيزخان»، وهو الذي قابله شـيخ الإسلام ابن تيمية في سفارة مع وفد من أهل العلم وأعيان الشام وخاطبه تلك المخاطبة المشهورة، قال عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» في حوادث سنة أربع وتسعين وستمائة: «وفيها ملكَ التَّترَ قازانُ بنُ أرغون بن أبغا بن تولى بن جنكيزخان فأسلم وأظهر الإسلام على يد الأمير توزون رحمه الله، ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه، وتسمى بمحمود، وشهد الجمعة والخطبة، وخرب كنائس كثيرة، وضـرب عليهم الجزية ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد، وظهرت السبح والهياكل مع التتار والحمد لله وحده»٣٦٩البداية والنهاية (17 / 676). اهـ، وذكر وفاته في حوادث سنة ثلاثٍ وسبعمائة٣٧٠البداية والنهاية (17 / 578)..

والحمد لله رب العالمين، ونسأله عز وجل أن يفتح على المسلمين ويأخذ بأيديهم إلى كل خيرٍ، وينصـر المجاهدين في سبيله في كل مكان، إنه وليُّ المؤمنين، نعم المولى ونعم النصـير.

كتبه: أبو عبد الرحمن عطية الله

صفر 1428هـ

•••

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: حزب الله اللبناني والقضية الفلسطينية.. رؤية كاشفة

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.