[السؤال العاشر: الحفظ عند الشناقطة]

شبكة أنا المسلم: لو حدثتنا عن الحفظ عند الشناقطة، بارك الله فيكم.

الشـيخ عطية الله:

نعم يتمتع الشناقطة -وهم أهل الديار الموريتانية- بمقدرة على الحفظ ظاهرة، تفوق ما عرف عن غيرهم في عصورنا هذه، وقد رأينا من ذلك الكثير ورآه غيرنا من الطلبة، والقصة التي أشار إليها أخي مشهورة وهي تحكى عن الشيخ «سيديّا» رحمه الله، وهو من أقطاب المدرسة الموريتانية، وهم يحفظون المتون العلمية والشروح نظمًا ونثرًا، وأكثر محفوظهم النظم، فتجد الواحد من أهل العلم يحفظ آلاف بل ربما عشرات الآلاف من الأبيات نظمًا في سائر الفنون؛ لأنهم ينظمون المسائل لكي يحفظوها، فتجد الطالب يحفظ المتن الأصلي في الفن كألفية ابن مالك في النحو، أو متن خليل في الفقه ويحفظ تحت كل جملة من جمله ومسألة من مسائله الأبيات العديدة التي تنظم أقوال العلماء في المسألة وصورها وشروطها وقيودها ونحو ذلك، وقد رأينا من هذا الكثير، ولا سيما في اللغة والفقه.

ص 942

وكان شيخنا «محمد فال ولد آبنِ» حفظه الله وختم لنا وله بالحسنى يحفظ شيئا كثيرا يُتعجّب منه، كان يحفظ على سبيل المثال مقامات الحريري وشرحها، ويسردها سردًا كالسورة من القرآن بلا تلعثم! ولو سألته عن كلمة من غريبها -وما أكثره- يذكر معناها في اللغة ويأتيك بدلائل الشعر والنثر والقرآن والحديث، ومع أن المشايخ هناك اهتمامهم بالحديث وعلومه قليل، كان شيخنا المذكور إذا قال: هذا الحديث في البخاري أو ليس فيه، لم يكد يخطئ، وبعد البحث نجده كما قال، فكنا نقول له: يا شيخ تحفظ البخاري، فيقول لا: «إلا طالعتو وتوفْ» يعني طالعته فقط، وهكذا يحفظ الكثير جدا ويسرد بلا تلعثم؛ فإذا سألناه: حفظت الكتاب الفلاني، يقول لا، إنما طالعته فقط!! وكنتُ مرة مع أحد الإخوة الطلبة ذكره الله بالخير وكنا عند الشيخ «محمد السالم ولد عدود» ذكره الله بالخير وحفظه الله، وكان درسنا في الألفية وكانت «دالة» صاحبي -نوبته في الدرس- وكان يقرأ على ما أظن -وقد نسيت قليلا- في باب الإضافة، فذكر الشيخ مسألة، فقال: إن ابن مالك اختار هنا هذا الرأي ولكنه في الكافية رجح الآخر، ثم سرد أبياتًا، ما بين خمسة عشر وعشرين بيتا من الكافية، من دون أي تلعثم أو ركاكةٍ في الاستحضار، ثم كأنه تعجب من نفسه، فقال لنا: هذه الأبيات عهدي بها من زمن البلوغ، لم أراجعها ولا أقرأتها لأحدٍ..! وعمر الشيخ كان يومها حوالي خمسًا وستين سنةً، بارك الله في عمره، وهو ممن يحفظ الكافية، ولكنه حفظها على شيوخه في زمان الصبا، ولم يلتفت إليها بعدُ بسبب أن هذا النظم «الكافية لابن مالك» تركه أكثر العلماء في محاضر المدرسة الموريتانية ولم يعد أحدٌ يقرأه من أزمانٍ، واستغنوا عنه بما يعرف عندهم بـ«الطرّة»، وهي الاكحلال والاحمرار، وهي التي وضعها لهم علم أعلام المدرسة الموريتانية وصانع أمجادها: الشيخ «المختار بن بونَ» رحمه الله.

والمراد بالاكحلال: نظم ألفية ابن مالك؛ لأنهم كانوا يكتبونه بالأسود، والمراد بالاحمرار ما أضافه «ابن بونَ» من النظم ومزجه مع الألفية، وهو ضعف الألفية -حوالي ألفي بيت- وكانوا يكتبونها بالأحمر تمييزا لها عن أصل نظم ابن مالك فعرفت بالاحمرار، ثم وضع عليها شرحًا، ثم تعاقب عليها الشيوخ الكبار وتلامذتهم كالشيخ «يحظيه بن عبد الودود» وابنه «التاه» والشيخ «مَمّو» وغيرهم فأضافوا إلى الشرح أشياء كثيرة من الأنظام البديعة، وعُرف المجموع بالطرة، واسمها الكامل الذي وضعه لها مؤلفها ابن بون: «الجامع بين التسهيل والخلاصة، المانع من التطويل والخصاصة»٧١٦اسمه الصحيح: «الجامع بين التسهيل والخلاصة، المانع من الحشو والخصاصة» لابن بونة، وزياداته على قسمين: الزيادات المنظومة، والزيادات المنثورة وهي المعروفة عند الشناقطة بـ «الطرة»، وقد طُبع المتن طبعة جيدة عام 1424 أعدها: محمد محفوظ بن أحمد. إن لم أخطئ قليلا في الاسم، فهو في الحقيقة نظم ما نثره ابن مالك في كتابه التسهيل وأهمله في الخلاصة وهي الألفية، ثم مزجه بالألفية، وفي ظني أنه من أبدع ما ألّف على الإطلاق في علم النحو.

ص 943

وقد كان الشيخ «محمد بداه بن البوصيري» حفظه الله -وهو مقدّم علماء البلد في هذا الوقت- يحفظ شيئا عجبًا من أقوال العلماء في الشروح، حتى إنه أحيانا يسرد قدر صفحة كاملة من كتابٍ ككتاب الفروق للقرافي أو تفسير ابن العربي في خطبته أو درسه ثم يقول: انتهى، ويمضي سريعا في خطبته أو درسه بدون توقف حتى إن من يسمعه ولا يراه يقول هو يقرأ من كتاب.! ولم أقرأ عليه شيئا لكني حضرت له مجالس وخطبًا، وكان ينثر الخطبة مسجوعة غير متكلفة كأنه قد سهر الليل في إعدادها، ولكنك تعرف بدلائل معينة ومن خلال سيرته وأحاديث من عرفوه أنه لم يفكّر فيها أصلا، وربما لم يعرف موضوعها إلا قبلها بدقائق وإنما يرتجلها ارتجالًا، ويأتي فيها بالعجائب.. وقد أخبرنا بعض الشيوخ أنه كان كثير من علمائهم في السابق يحفظون «القاموس»٧١٧القاموس المحيط: معجم لغوي كبير، يقع في طبعة الرسالة في 1357 صفحة من القطع الكبير والخط الصغير!!. للفيروز آبادي حفظا كالقرآن.. وسمعت أن بعض حفظته لا يزال حيا إلى وقت قريب.

فهذا بعض ما رأيناه وسمعناه.. وعندهم في ذلك حكايات عجيبة.

وفي ظني أن السبب في ذلك راجع إلى عوامل: منها أنهم كانوا أهل بادية وتنقّل وترحال؛ فكانوا يعتمدون على حفظ العلم لا على كتابته، وكان عزمُ الواحد منهم من أول ما يضع قدمه في طريق طلب العلم ينعقد على أن يحفظ كل شيء يقرأه، فكانت الهمم من البداية عالية لم يصبها كلل ولا مثنوية ولا تعللات، هكذا بهذا الجزم والوضوح: كل ما يقرأه يحفظه لا فرق بين مسألة صغيرة وكبيرة، مهمة أو غير مهمة، كل شيء.! أما نحن فنقول: هذه مسألة مهمة ركّز عليها واحفظها، وهذه ليست مهمة، ونتعنّى في الحفظ ونتعب.! وكنت في بعض المرات أتكلف حفظ نظم في مسألة، ثم قلت لنفسي: ما فيه فائدة كبيرة هذا -وهو كذلك عندي- ففاتحت فيه شيخنا «عبد الله ول الفغ» ذكره الله بجميل الذكر وعفا الله عنا وعنه، فقال لي: إنك لا تتقن المهمّ حتى تحفظ الكثير مما لا يهم! فعلمتُ أن ذلك من شأنهم ومفاهيمهم التي ساعدتهم.

ثم تنوقل هذا فيهم من جيل إلى جيل، وصار كالخلق المتوارث والعُرف والعادة الراسخة فيهم، ينشأ ناشؤهم عليها، فكان العلم عندهم مرادفًا للحفظ، لا سيما وهم الغالب عليهم التقليد وعدم الاجتهاد وعامة أعلامهم الكبار ممن صنعوا تلك المدرسة العريقة الكبيرة كانوا على الاعتقاد بانغلاق باب الاجتهاد في الفقه، مع أنهم بلغوا مراتب عالية في امتلاك آلة الاجتهاد، فهذا ثبّت عندهم أن العلم هو الحفظ.. ولم تكن عندهم الكتب والمكتبات كما الآن.. فكان لا بد أن يكون العلم في الرأس.! والاعتماد على الاستحضار لا على الاستحصال.

ص 944

ومنها أنهم أهل صحراء وطبيعة بسيطة قريبة إلى الفطرة، لم يشبها الكثير من آثار التمدّن، وينشأ الناشئ فيهم في الصحراء ورمالها وآفاقها يرى الشمس تشرق من هنا ثم عندما تغرب تغوص هناك في الرمال!! ويرى النجوم في غسق الليل كما كان يراها العربي القديم فيحفظ أسماءها وأبراجها وفنونها وما قيل فيها من شعر العرب الأوائل وآدابهم وغير ذلك.

بالجملة أظن أن طبيعة الصحراء معينة على الحفظ، والله أعلم.

ص 945

فائدة: الحفظ موجود عند كثير من أهل العلم في أقطار الأرض، وإنما على العموم الموريتانيون تميزوا فيه عن غيرهم، وقد قرأت في ترجمة كتبها الشيخ الإمام «محمد البشير الإبراهيمي» صاحب الإمام «ابن باديس» وهما من علماء الجزائر ومؤسسا جمعية علماء المسلمين أيام الاحتلال الفرنسي، أقول: قرأت للشيخ الإبراهيمي ترجمةً كتبها لنفسه بطلبٍ من مجمع اللغة العربية في القاهرة حين اختاروه عضوا شرفيا فيه، مما جاء فيها وقد تكلم عن ما أوتيه من مقدرة على الحفظ، يقول ما مثاله بقريب من حروفه: «وقد أوتيت مقدرة على الحفظ يُتعجّب منها، تشهد بصدق ما ورد عن السلف في ذلك»٧١٨قال الإبراهيمي رحمه الله محدثًا عن نفسه: «حفظت القرآن حفظًا متقنًا في آخر الثامنة من عمري، وحفظت معه- وأنا في تلك السن- ألفية ابن مالك وتلخيص المفتاح، وما بلغت العاشرة حتى كنت أحفظ عدّة متون علمية مطولة، وما بلغت الرابعة عشرة حتى كنت أحفظ أَلْفِيَتي العراقي في الأثر والسير، ونظم الدول لابن الخطيب ومعظم رسائله المجموعة في كتابه ريحانة الكتاب، ومعظم رسائل فحول كتاب الأندلس كابن شهيد وابن أبي الخصال وأبي المطرف ابن أبي عميرة، ومعظم رسائل فحول كتاب المشرق كالصابي والبديع، مع حفظ المعلقات والمفضليات وشعر المتنبي كله وكثير من شعر الرضي وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وأبي نواس، كما استظهرت كثيرًا من شعر الثلاثة جرير والأخطل والفرزدق، وحفظت كثيرًا من كتب اللغة كاملة كالإصلاح والفصيح، ومن كتب الأدب كالكامل والبيان وأدب الكاتب، ولقد حفظت وأنا في تلك السن أسماء الرجال الذين ترجم لهم نفح الطيب وأخبارهم وكثيرًا من أشعارهم، إذ كان كتاب نفح الطيب- طبعة بولاق- هو الكتاب الذي تقع عليه عيني في كل لحظة منذ فتحت عينيّ على الكتب، وما زلتُ أذكر إلى الآن مواقع الكلمات من الصفحات وأذكر أرقام الصفحات من تلك الطبعة، وكنتُ أحفظ عشرات الأبيات من سماع واحد مما يحقق ما نقرأه عن سلفنا من غرائب الحفظ.. وكان عمّي يشغلني في ساعات النهار بالدروس المرتبة في كتب القواعد وحدي أو مع الطلبة ويمتحنني ساعة من آخر كل يوم في فهم ما قرأت فيطرب لصحة فهمي، فإذا جاء الليل أملى علي من حفظه- وكان وسطًا- أو من كتاب ما يختار لي من الأبيات المفردة أو من المقاطيع حتى أحفظ مئة بيت، فإذا طلبت المزيد انتهرني وقال لي: إن ذهنك يتعب من كثرة المحفوظ كما يتعب بذلك من حمل الأثقال» انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 165). قلتُ: وهذا والله من عجائب الدهر التي يكاد العقل يطيش بتصور حدوثها فضلا عن حصولها عيانا في زمانه؛ فنسأل الله من فضله العظيم. أي ما ورد عنهم في قوة الحفظ، وأنهم كانوا إذا قرأوا شيئا حفظوه ولم ينسوه، ثم حكى عن نفسه عجائب.. وقد كان أعجوبة بالفعل رحمه الله ورضي عنه، وقد حكى عنه الشيخ «علي طنطاوي» رحمه الله مرة في إحدى مقالاته أنه لما كان في دمشق معهم كان مرة معه في بعض الطريق في سفر، فظل الشيخ «الإبراهيمي» يسرد الشعر الكثير، قال فتعجّبت من حفظه فقلت له: لو استعملت هذه القدرة على الحفظ في حفظ الأحاديث وكذا وكذا، فقال لي: إنني لم أحفظ شيئا -أي لم أتعنّ ولم أتكلف حفظه- وإنما قرأته فعلِق، أو كما قال٧١٩قال الشيخ علي الطنطاوي في: ذكرياته (5/ 52) وهو يتحدث عن الشيخ البشير الإبراهيمي: «قد كنّا يومًا معًا في سيارة واحدة من القدس إلى دمشق، وكنت إلى جنب السائق حيث تعوّدت أن أركب دائمًا (حتى إني إن ركبت داخل السيارة توهّمت أنه دار رأسي وضاق نفَسي). وكنّا نتحدّث، فتعبَت رقبتي من الالتفات إليه لأنني لم أكُن أتلو بيتًا من الشعر إلاّ قال: إنه لفلان الشاعر من قصيدة كذا، وسرد عليّ القصيدة كلها أو جلّها.. فقلت: كيف حفظت هذا كله؟ قال: وأخبرك بأعجب منه، فهل تحبّ أن تسمع؟ قلت: نعم.. فراح يقرأ عليّ مقالات لي كاملة ممّا نُشر في «الرسالة» أو مقاطع كثيرة منها، ما كنت أنا نفسي أحفظها. قلت: يا سيدي، الشعر فهمت لماذا تحفظه، فلماذا حفظت مقالاتي وما هي من روائع القول ولا من نماذج الأدب؟ قال: ما تعمّدت حفظها، ولكني لا أقرأ شيئًا أحبّه وأطرب له إلاّ علق بنفسي فحفظته» اهـ، وهذه آية صدقِ إخباره عن نفسه فيما ذكرناه من قبلُ، نسأل الله التوفيق والفضل.!؛ فسبحان الله.!

نسأل الله تعالى أن يفتح علينا وعليكم في العلم والعمل، إنه كريم وهّاب.

❖❖❖