[مسائل في البيعة: لمن تكون؟ وماذا يترتب عليها؟، وهل من كتب نافعة في الباب؟]
دائما أفكر في «البيعة» لمن تكون اليوم وكيف تكون؟
ومن أبايع وأنا في بلد بعيد عن الأحبة في أرض الوغى؟ لمن البيعة؛ هل هي للشـيخ أسامة حفظه الله؟ أم للأمير الملا عمر حفظه الله؟
وما الذي يترتب عليـنا في هذه البيعة.. نرجو من الله أن تبيـن لنا في هذا الأمر كل ما قد نجهله كبيره وصغيره، أو تنصحنا بقراءة أي كتب تفيدنا في هذا الأمر؟
[السائل: محب الغرباء]
الجواب:
وفقك الله وسددك..
اعلم أخي الكريم أن البيعة الواجبة على المسلم هي للإمام الأعظم «الخليفة» المنعقد له بيعة شـرعية بطريق صحيح، والطرق ثلاث هي:
الطريق الأولى: بيعة المسلميـن واختيارهم، ويكفي عنهم أهلُ الحل والعقد.
الطريق الثانية: استخلاف الخليفة السابق للاحق، فيقرّه المسلمون «أهل الحل والعقد».
الطريق الثالثة: أن يتغلّب أحدٌ على الحكم ويستتب له الأمر، فقال أكثر علماء أهل السنة إنه حيـنئذ وإن لم يكن مستوفيا للشـروط، يجب على المسلميـن اعتباره إمامًا، فيسمعون له ويطيعون، ومبنى ذلك على قاعدة «المصالح والمفاسد وموازناتها»، وإلا فهو خلاف الأصل٢٥٣هذا السبيل ليس من الطرق الشرعية، وإنما أجازه من أجازه ضرورة لأجل مصلحة المسلمين وحقن دمائهم، وهذا الطريق لم يجمع المسلمون على اعتباره مما تنعقد الإمامة عن طريقه بل هم فيه مذهبان: الأول: قالوا لا تنعقد إمامته ـ أي المتغلب ـ ولا تجب طاعته، لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة إلا باستكمال الشروط فكذا القهر، وذهب إلى هذا القول الخوارج والمعتزلة ووجه لبعض الشافعية. الثاني: وهو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإمامة يصح أن تعقد لمن غلب الناس، وقعد بالقوة على كرسي الحكم وأقام مقاصد الإمامة، ونُقل هذا عن مالك والشافعي وأحمد، وقال ابن تيمية: «فمتى صار قادرًا على سياستهم، إما بطاعتهم أو بقهره فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة الله»، قال رشيد رضا رحمه الله: «وَمعنى هَذَا أَن سلطة التغلب كَأَكْل الميتَة وَلحم الخِنْزِير عِنْد الضَّرُورَة تنفذ بالقهر وَتَكون أدنى من الفوضى. وَمُقْتَضَاهُ أَنه يجب السَّعْي دَائِما لإزالتها عِنْد الإِمْكَان، وَلَا يجوز أَن توطن الأَنْفس على دوامها، وَلَا أَن تجْعَل كالكرة بَين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها، كَمَا فعلت الأُمَم الَّتِي كَانَت مظلومة وراضية بالظلم لجهلها بقوتها الكامنة فِيهَا، وَكَون قُوَّة مُلُوكهَا وأمرائها مِنْهَا» اهـ. ولي مبحثٌ بعنوان: «هل البغدادي متغلب؟ وما حكم بيعته؟» تكلمت فيه عن حكم التغلب..!
وهذا الأخير هو الذي قال فيه الإمام أحمد قولته المشهورة: «ومن غلبهم بالسـيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنيـن، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه برًا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين» ذكره أبو يعلى في «الأحكام السلطانية»٢٥٤(ص 20)..
فالإمام الأعظم المنعقد له الإمامة بإحدى هذه الطرق يجب على المسلم أن يعتقد إمامته.
وقولنا «يعتقد إمامته» هو معنى قول الإمام أحمد «يراه إمامًا على نفسه».. فهذا هو القدر الواجب على عموم المسلميـن، وهو معنى البيعة بالنسبة إليهم.
وأما البيعة الخاصة التي هي: صفقة اليد مع النطق بلفظ المبايعة والعهد على السمع والطاعة.. الخ؛ فهذه لا تلزم عموم المسلميـن، ولا هي شـرط لانعقاد إمامة الإمام، بل إنما تجب أو تستحبُّ من خواصّ المسلميـن وهم أهل الحل والعقد، أو ممن يطلبها منه الإمامُ، أو مَن حضـر مجلس المبايعة.
فهذه هي باختصار أحكام البيعة للإمام الأعظم للمسلميـن إذا كان واحدا.
فيقال: إذا تعددت الأئمة، بأن كان لكل ناحية من بلاد المسلميـن إمامٌ ممكّـن انعقدت له بيعة من أهل ناحيته -شعبِــهِ- فما الواجبُ؟
الجواب: الواجب هو أن يبايع المسلم الإمام المنعقد له بيعة شـرعية في ناحيته وإقليمه وبلده ومِـصـره، فهو في حقه حيـنئذٍ كالإمام الأعظم للمسلميـن جميعا.. سواء قلنا بجواز تعدد الأئمة في الوقت الواحد للنواحي المختلفة المتباعدة.. أو قلنا بعدم الجواز، فاعتبرنا ذلك ضـرورة، وأجريـنا على كل واحدٍ حكمَ الإمام الأعظم في مِـصـره وفي محل سلطانه.
وتحرير هذه المسائل وتحقيقها تجده في مظانه من كتب أهل العلم٢٥٥انظر في مسائل البيعة وأحكامها: البيعة ووجوب الوفاء بها؛ لأبي عمرو عبد الحكيم حسان، العمدة في إعداد العدة (مسألة عهود الطاعات بين المسلمين)؛ لسيد إمام، واعتصموا (فصل الوفاء بالعهد)؛ لأبي مصعب الزرقاوي، صفة الطائفة المنصورة التي يجب أن تكثر سوادها (معنى البيعة والأدلة على شرعيتها)؛ للطرطوسي، دعوة المقاومة (إشكاليات لم يستطع الجهاديون حلها وتبيينها)؛ لأبي مصعب السوري، التذاكر الجياد لأهل الجهاد (التذكرة الثالثة)؛ لعبد الله العدم، البيعة في الإسلام تاريخها وأقسامها بين النظرية والتطبيق؛ لأحمد آل محمود، البيعة في الكتاب والسنة؛ لبدر الرخيص..
والحاصل أنه بالنسبة لك ولسائر المسلميـن اليوم هل يلزمهم بيعة أحدٍ من قيادات المسلميـن هذه البيعة؟ الظاهرُ أنه لا يلزم لعدم وجود الإمام المنعقد له بيعة شـرعية (على الإمامة العظمى).
أما أمير المؤمنيـن «الملا عمر» حفظه الله وسدده ونصـره، فمع التسليم بأنه يأخذ حكم الإمام الأعظم، فإنما ذلك في قطره وناحيته وحيث بلغ سلطانه، والله أعلم.
وأما الشـيخ أسامة حفظه الله وسدده ونصـره، ونحوه من قيادات المجاهديـن الكبراء؛ فإنهم أظهر في ذلك، فليس أحدٌ منهم إمامًا أعظمَ.. نسأل الله تعالى أن يفتح عليهم ويبارك فيهم.
لكن مَن رآهم واعتبرهم أمراء له والتزم طاعتهم فيما يستطيع على سنة الله ورسوله ﷺ، فهذا لا مانع منه، وتلزمه حيـنئذٍ بالالتزام.!
وأما البيعات الأخرى المشـروعة ومنها بيعات أمراء الجهاد على الجهاد في سبيل الله والسمع والطاعة فيه، وسائر بيعات الجماعات الإسلامية العاملة في الدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه فيها تفصـيل من حيث حكمها وحدودها.. والله الموفق.
وأحيلك على كتاب بسط شـيئا من هذه المسائل بأسلوب سهل وهو كتاب الشـيخ «أبي المنذر الساعدي» فرج الله عنه: «وبل الغمامة في بيان أحكام الإمامة»٢٥٦نشره الشيخ عطية الله رحمه الله، وهو غير مكتمل في بعض مسائله، بسبب أسر مؤلفه.. فنُشر لتعم الفائدة بما فيه، وهو مهم. فطالعه فإنه مفيد.
•••