قراءة في كتاب «مختصر منهاج القاصدين»؛ فصل: العزلة والاختلاط
قراءة في كتاب «مختصر منهاج القاصدين»
فصل: العزلة والاختلاط
[محاضرة صوتية: مدتها ستة وعشـرون دقيقة، نشـرها: بعض المجاهدين -بصورة غير رسمية-، وقام بتفريغها١٬٢٨٠بما أن هذه المحاضرة غير رسمية وهي موجهة للطلبة في دورة شرعية؛ فقد اقتضى ذلك تغييرَ كثير من الكلمات العامية واستبدالها بأخرى فصيحة مناسبة للسياق؛ مع مراعاة أصل الفكرة التي يريدها الشيخ رحمه الله. «مؤسسة التحايا للإعلام»، نُشـرت في مطلع عام 1435، والدرس عبارةٌ عن شـرح نصي لكلام «ابن قدامة المقدسي»، وقد ميزنا كلامه بتغميقه بين «قوسين»]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه:
هذا هو كتاب «مختصر منهاج القاصدين»، وأصل الكتاب: «منهاج القاصدين» هو لابن الجوزي حيث اختصر به «إحياء علوم الدين» للغزالي وهذبه، وكتاب ابن قدامة هذا هو اختصار لكتاب ابن الجوزي، وابن قدامة من عائلة الشيخ الإمام الفقيه ابن قدامة صاحب «المغني»١٬٢٨١اختلف الناس في مؤلف «مختصر منهاج القاصدين»، وذلك لعدم شهرته إلا في زماننا فلم يذكره المتقدمون في كتبهم، وكذلك لعدم بيان من «ابن قدامة» على مخطوطة الكتاب؛ فاختلف الناس في نسبته على ثلاثة أقسام:
فمنهم من نسبه إلى موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (ت 620) صاحب المغني، وهذا غلط لأن ترجمة موفق الدين معروفة، ولم يُشر أحد من مترجميه إلى أن له كتابا بهذا الاسم، بل له كتاب اسمه «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» وهو مطبوع موضوعه مطابق لعنوانه، وأيضا فاسم «موفق الدين» مخالف تماما للاسم المكتوب على المخطوطة.
ومنهم من نسبه إلى أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، وهذا الرجل غير معروف وترجمته غير موجودة، ومن ذكر أن هذا اسمه فقد خلط بينه وبين غيره؛ فتكون هذه النسبة خاطئة أيضا.
أن مؤلفه: نجم الدين أبو العباس أحمد بن شيخ الإسلام شمس الدين ابن أبي عمر بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 689)، وهذا هو الصحيح، الذي أكده المحققون لهذا الكتاب كمحمد دهمان، وغيره، والله أعلم.، والله أعلم.
ويتكلم المؤلف الآن في باب «العزلة» وفوائدها وفضلها، وقد سبق وتكلم في مطلع الباب على مذاهب الناس، وأشار إليها إشارات خفيفة، مذاهب الناس -يقصد العلماء- في العزلة والخُلطة، من اختار هذه ومن اختار هذه، يعني من فضَّل هذه ومن فضَّل هذه، وأشار إلى أن الصواب فيها التفصيل، وأن هذا يختلف باختلاف الأشخاص، وباختلاف الأزمان، وباختلاف الأحوال.
ثم ذكر أن للعزلة ست فوائد إجمالية، وتحت كل واحدة منها كلامٌ طويلٌ؛ ونتكلم الآن عن في الفائدة السادسة:
«الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى»: يعني أن العزلة يخلُص فيها الإنسان من مشاهدة الثقلاء والحمقى، والثقلاء: جمع ثقيل، هو الإنسان الذي يثقل على غيره بالإيذاء وبالفضول، وبكامل المنغصات والمكدرات، يسموهم ثقلاء، ومعروف هذا الاستعمال، حتى اليوم عندنا معروف، يقول لك: واحد ثقيل.
«ومُقاساة أخلاقهم»: يتأذى منهم ويقاسي أخلاقهم، ويعاني منها.
«وإذا تأذى الإنسان بالثقلاء، لم يلبث أن يغتابهم»: فيكون ذلك ذريعةً لاغتيابهم، وفي العزلة الخلاص من هذا كله.. هذا هو المقصود.
«فإن آذوه بالقدح فيه كافأهم»: وإذا قدحوا فيه فالغالب أنه يزِلُّ إلى مكافأتهم؛ يعني الرد عليهم بمثل ما آذوه به ونحو هذا، فيقع في مذمة أيضًا.
«فانجرَّ الأمر إلى فساد الدين، وفي العزلة سلامةٌ من ذلك» فهذه هي الفائدة الثالثة: الخلاص من مخالطة الثقلاء والحمقى، والناس الذين من هذا القبيل؛ فيسلم من أن يُستجر إلى مكافأتهم، وإلى اغتيابهم، وإلى مُقاساة أخلاقهم، والبقاء تحت وطأة ثقلهم وأذيتهم؛ فيضيق صدره وربما يفسد قلبه، وفي العزلة سلامة من هذا كله، هذا معنى هذه الفائدة.
العزلة لا شك أن فيها فوائد كثيرة؛ كهذه الخمس التي ذكرها قبل، وأيضًا فيها كثير من الحق والصواب، مع بعض الملاحظات والتقييدات؛ تكلمنا عنها في حينها في الدروس السابقة.
«فصلٌ في آفات العزلة: اعلم أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير، ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة»
أشار في مطلع الباب إلى أن الصواب في الكلام على فضل العزلة أو الخلطة: التفصيل، ونظَّر هناك بمسائل مثل: النكاح وغيرها؛ متى يكون مطلوبًا؟ ومتى يكون تركه مطلوبًا؟ وما الأفضل فيه بحسب الأشخاص والأحوال والأزمنة.
فهنا بعد كلامه عن فضل العزلة وما فيها من الفوائد، تكلم هنا على آفات العزلة؛ فذكر فضل المخالطة وما فيها من الفوائد، وأشار إلى أن هناك من المقاصد الدينية والأخروية ما لا يتأتَّى إلا بمخالطة الخلق.. هذا معنى كلامه؛ أي أنك محتاج إلى المخالطة.
«ومن فوائد المخالطة: التعلم والتعليم»: كيف تتعلم العلم والشريعة والدين والأخلاق والآداب وسائر العلوم المباحة والمشروعة والمستحبة والواجبة.. الخ إلا بالمخالطة، وهكذا إذا أردتَ أن تُعلم.
«والنفع والانتفاع»: عموم النفع والانتفاع، هذا أعم مما قبله، يعني النفع بالعلم وبغير العلم.
«والتأديب والتأدب»: واضح.
«والاستئناس والإيناس»: الاستئناس بالناس وإيناسهم أن تُدخل عليهم الأنس، أي أن تؤنسهم؛ هذا مقصود شرعي؛ لأن فيه سكينة القلب، واطمئنان، وراحة، وفي الراحة والاطمئنان والسكينة يفعل الإنسان الخير؛ لأن هذا الإنسان محتاج إلى السكينة، والراحة، والاطمئنان، والأنس، ولا يأنس إلا بمجانِسِه من البشر.
«ونيلِ الثواب في القيام بالحقوق»: كثير من حقوق البشر، حقوق الناس والخلق؛ تُحرم منها في العزلة، أما في الخلطة فتنال ثوابها وتُحصلها، وتقوم بها.. هذا من فوائد الخلطة.
«واعتياد التواضع»: فالمنعزل كيف يتعلم التواضع وهو بعيد عن الخلق؟ فمن يخالطهم يتربى ويتعلم، وقليلا قليلا يتعلم التواضع من مخالطة الناس ومعاشرتهم والعيش معهم.
«واستفادة التجارب من مشاهدة هذه الأحوال والاعتبار بها، فهذه فوائد الخلطة، ولنفصلها»: يريد أن يفصل الآن بعض التفصيل في فوائد الخلطة، مما يرجح جانب الخلطة وفضلها، كما أن العزلة لها فضائلها وفوائدها التي سبق أن ذَكَرها؛ فالإنسان العاقل الفقيه ينظر الأصلح والمناسب لشخصه وفي حاله وزمانه، ويفعل الخير.
«الفائدة الأولى: التعلم والتعليم، وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم»: تقدَّم كتاب «العلم»، في هذا الكتاب -الكتاب يقصد بهِ الباب-، وفي اصطلاح التصنيف: الكتاب أعم من الباب؛ الكتاب يكون تحته أبواب، والباب تحته فصول، وتحته فروع، ثم مسائل.. وهكذا.
«فأما من تعلم الفرض ورأى أنه لا يتأتى منه الخوض في العلوم، ورأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل، وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع؛ فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران»: معناها أن هذا تفصيل للكلام الذي قاله أولًا أن هذا الأمر يختلف باختلاف الأشخاص، رجل -مثلًا- يُرجى له التبرز في العلم -عنده إمكانية البروز فيه-، عاقل ذكي، عنده جلد على السرد والجرد والقراءة والكتابة والسهر، وعنده شغف ومحبة للعلم وفهمٌ فيه، وحسن فهم، ويرجى له أن يكون من أهله وأن ينبغ فيه، هذا يقال له: اذهب تعلَّم.
لكن شخص آخر يكفيه أنه تعلم الفرائض، وتعلم ما يقيم صلاته وصومه وضروريات العلم في حقه، أي العلم العيني المتعين عليه وبعض ما يفيده من المستحبات، وكان عنده جلدٌ وقوةٌ على العبادة ومحبة لها؛ فهذا من الممكن أن يعتزل.. العزلة جيدة مناسبة لهذا الرجل الأخير، ولكن الأول لا.
هذا المثال يوضح الكلام الذي قلناه، فيختلف حكمها وفضلها من عدمه، بحسب الأشخاص وبحسب الأحوال، وهكذا.
«ولهذا قال الربيع بن خثيم: تفقَّه ثم اعتزل١٬٢٨٢انظر: العزلة والانفراد لابن أبي الدنيا (38).، والعلم أصل الدين، ولا خير في عزلة العوام»: العالم يعتزل، يعني لا يخالط الناس؛ لأن الكلام هنا عن العزلة بمعنى ترك المخالطة في أكثر الأحوال وعمومها، لكن ليس معناها ترك الجمعة والجماعة وترك الجهاد!
«سُئل بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبالٌ ووبالٌ» نسأل الله العفو والعافية، كيف يتعلموا؟ وكيف يتفقهوا؟ وكيف يُصلح دينه وقلبه وهو جاهل؟ وكيف يعتزل الناس ويترك مجالس العلم ويترك مصاحبة الصالحين!! هذا لا يستفيد شيئا.
«فقيل له: فالعالم؟ فقال: ما لك ولها، دعها، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجهدها ربها١٬٢٨٣نسب «ابن رجب الحنبلي» هذه العبارة بشطريها لـ«ابن عقيل الحنبلي»، انظر: ذيل طبقات الحنابلة (1/ 353).» هذا اقتباس من حديث النبي ﷺ في باب اللقطة، وفيه حديث اللقطة المشهور، لما سُئل عن لقطة الغنم، فقال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب)، ثم سُئل عن لقطة الإبل، قال: (ما لك ولها، دعها معها سقاؤها وحذاؤها)١٬٢٨٤صحيح البخاري (91، 2428)، صحيح مسلم (1722). معناه أنها لا تضيع؛ فالإبل من شأنها أنها تسرح وتمشي الأيام والليالي وربما تغيب فترات طويلة وترجع لصاحبها، وصاحبها يطلبها ويبحث عنها؛ فما تضيع، ومعها حذاؤها وسقاؤها. وحذاؤها: أخفافها، أي تتحمل المدة الطويلة والمشي الطويل. وسقاؤها: يعني أنها لا تحتاج للشرب، فإذا شربت رويت وتبقى مدة طويلة؛ فهي سفينة الصحراء، والله أعلم.
هذا اقتباس من الحديث، ومعناه أن المتضلع من العلم لو اعتزل فلا بأس.. فهو تمثَّل بهذا الحديث، أي أجراه مجرى المثل ومجرى الرمز فاقتبسه وعبر به عن المقصود هنا، ومعناه أن العالم والفقيه لو اعتزل فلا بأس؛ دعه معه حذاؤه وسقاؤه.
«وأما التعليم، ففيه ثوابٌ عظيم إذا صحَّت النية فيه»: تعليم الناس العلم النافع.
«ومتى كان القصد إقامة الجاه والاستكثار من الأتباع فهو هلاك الدين»: نسأل الله العافية والسلامة؛ هذا بالنسبة للمعلم.. فإذا كان قصده الاستكثار من الأتباع وقصده الجاه -أي أن يكون له جاه- وغير هذا من المقاصد الدنيوية غير الأخروية؛ فهذا -والعياذ بالله- هلاك ووبال على صاحبه.
«والغالب في هذا الزمان سوء القصد من المتعلمين فيقتضي الدينُ الاعتزال عنهم»: هذا هو النظر إلى الزمان والأحوال، فهو يذكر أن في تلك الأزمان المتأخرة ساءت الأمور.. فكيف بزمننا هذا الآن؟! هو يتكلم في القرن السابع أو الثامن؛، فكيف بزمننا هذا؟! لا شكّ أن الغالب على المتعلمين هو المقاصد السيئة، نسأل الله العافية والسلامة.
«فإن صودف طالبٌ لله ومتقربٌ بالتعلم إليه، لم يجزْ الاعتزال عنه» إذا كان محتاجًا لمن يعلمه، أنت إنسان تستطيع أن تعلم الطلبة، آتاك الله علمًا -وكنتَ من أهل العلم- ووجدتَ الطلبة محتاجين لمن يعلمهم، وهم بهذه المنزلة، يعني طالبون لله ولليوم الآخر، وللفوز والنجاة في اليوم الآخر، يريدون الطلب الأخروي الممدوح، المحمود المحبوب لله عز وجل، ونياتهم ومقاصدهم صحيحة.
حين إذن لا تنعزل عنهم وتتركهم وتذهب وتقول: أنا أتعبد، وأنا لا أريد أعلم الناس، ولا أنتصب للعلم، ولا أبغي التعليم ونحوه.. هذا خطأ، ولا يجوز إذا كان ليس هناك من يسد هذا الثغر؛ لأن الأصل أنه فرض كفاية إذا وُجد من يعلمهم سقط عنه.. لكن إذا لم يجد من يعلمهم، إلا بمشقةٍ بالغة أو صعوبة، أو لم يوجد أصلًا، وتعذر ذلك، حين إذن لا يجوز الاعتزال عنهم بل يجب عليك أن تقوم بواجب التعليم، وفي هذا تفصيل؛ يجري على النسق الفائت الذي فصلنا فيه أحكام هذه المسألة.
«ولا يحل كتمان العلم، ولا ينبغي أن يغتر بقول من قال: تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله» يريد أن يقول أن هذه العبارة التي وردت عن بعض السلف -تجدونها في كتب الفقيه والمتفقه وآداب طالب العلم- ويذكرها أهل العلم، فقد قالها جماعة من السلف، غير واحد منهم قال: «تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله» ١٬٢٨٥نُقل هذا عن: سفيان الثوري، انظر: النكت على ابن الصلاح للزركشي (3/ 644)، وعن معمر وعن الحسن البصري، انظر: جامع بيان العلم وفضله (1378، 1383)، وعن الغزالي، انظر: طبقات الشافعية للسبكي (6/ 149).، ومرادهم أن العلم يجر صاحبه إلى الله ﷻ، لكن ليس معناها: يا طالب العلم؛ لا يهمك النية وتصحيح المقصد من البداية؛ واطمئن لأن العلم سيأتي بك لا محالة.. لا تفهمها هكذا، ولا تغتر بهذا القول.
لكن معناها أنها تُحمل على أنهم لم يكونوا يعرفوا، ربما كانوا جهالا، أو كانوا صبيانًا صغارًا، فالصبي الصغير عندما يرسل إلى الكُتاب وإلى المعلمين وإلى المؤدبين يتعلم منهم، ولا يكون عنده قصد صحيح في البداية؛ فما زال لا يعرف الإخلاص والرياء وهذه المعاني، وربما يغلب عليه المحبة والشغف بالعلم، وأن يكون من العلماء، وأن يكون متعلمًا.
وربما يقصد أيضًا مُراءاة الناس والشهرة؛ ربما يدخل عليه هذا، لكنه ما زال في الغالب إما تحت التكليف، وإما في بدايات التكليف وما زال جاهلًا، لكنْ يكون فيه صلاحٌ من جهة انجذابه إلى الله ﷻ واليوم الآخر، ومن جهة ما رزقه الله عز وجل من لين القلب والتواضع والتعبد لله عز وجل.
فإذا تعلم ذلك العلم جره إلى الخير وانتفى ذلك الفساد الذي كان موجودًا؛ لأنه ناشئٌ طارئٌ بسبب جهله، وبداياته.. هذه هي التي عبَّــرَ عنها السلف وأرادوها، لكن ليس معناها: لا يهمك القصد، لا بل يجب عليك أن تصحح القصد.
«فإنه أشار بهذه العلوم إلى علوم القرآن والحديث، ومعرفة سير الأنبياء والصحابة، وذلك يتضمن التخويف والتحذير، وهو سببٌ لإثارة الخوف من الله عز وجل؛ فإن لم يؤثِّر في الحال أثَّر في المآل، فأما علم الكلام وعلم الخلاف فإنه لا يَرُدُّ الراغب في الدنيا إلى الله عز وجل، بل لا يزال صاحبه متماديًا في حرصه إلى آخر عمره» أشار إلى محمِل هذه العبارة ووجهها التي ينبغي أن تفهم وتحمل عليه، وهي أنها محمولة على من طلب علم الدين؛ العلم الصحيح من الكتاب والسنة وعلم الشريعة، وأراد أن يتعلم الدين وعنده محبة وانجذاب إلى الدين والتعلم -كما قلنا-؛ فهذا ينفعه العلم حتى إن كان في البداية ما زال لا يعرف الأمر، فينفعه العلم ويأتي به للطريق، ويجره إلى الإخلاص وإلى إصلاح مقصده ونيته وإصلاح قلبه ونفسه، ويظهر عليه هذا ويرسخ فيه بعد مدة.
أما من كان يتعلم علوم الكلام والفلسفة والمناظرة والجدل؛ فهذا لا ينفعه، فلا يقول: أنا أتعلم هذه العلوم لغير الله، ليست مشكلة، لكن هي ستجرني إلى الله.. فنقول: لا لن تجرك! بل والله لن تجرك إلا إلى الهلاك -والعياذ بالله-.
«الفائدة الثانية: النفع والانتفاع» هذه هي الفائدة الثانية في الخلطة ومخالطة الناس؛ النفع والانتفاع، وهو أعم من العلم والتعلم الذي سبق.
«أما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة، والمحتاج إلى ذلك مضطرٌ إلى ترك العزلة، وأما إن كان معه ما يقنعه، فالعزلة أفضل» يعني بـ«ما يقنعه» ما يسد حاجته، فمن كان عنده ما يكفيه فالعزلة أفضل من هذا الوجه بغض النظر عن الوجوه الأخرى؛ لأنك أنت أحيانًا تجتمع الوجوه فتحتاج إلى الترجيح وتحتاج إلى الموازنة، لكن هنا يتكلم المؤلف عن كل عنصر على حدة.
إن كان عنده ما يقنعه وما يكفيه؛ فالعزلة أفضل له، وغير لازم له أن يطلب الكسب.. العزلة هنا أفضل من الكسب ومن مخالطة الناس ومعاملتهم.
«إلا أن يقصد التصدق بكسبه، فذلك أفضل من العزلة» يتصدق على الفقراء والمساكين ونحوهم، إذا قصد هذا، ستكون الخلطة مطلوبة؛ لأنه كيف يكسب وهو معتزل؟
«إلا أن تكون العزلة مفيدةً له معرفةَ الله عز وجل والأنس به، عن كشفٍ وبصيرة، لا عن أوهامٍ وخيالاتٍ فاسدة»: هذه أشياء يرجح بينها الإنسان؛ فهو يذكر من يريد التصدق، ثم قال «إلا أن يكون يرى أن العزلة أفضل له»؛ لأنها تفيده معرفة الله والأنس به، وليس كل الناس هكذا؛ ولهذا احترز وقال لك: «عن بصيرةٍ، وليس عن أوهام»؛ يعني إذا عرفت بالفعل عن بصيرة وتبين لك أن العزلة مفيدةٌ لك، تفيدك معرفة الله والأنس به، والتحقق بعبادة الله عز وجل والسير في طريق العبودية لله عز وجل سيرًا صحيحًا مستقيمًا، مع الاجتهاد في هذا، فلا بأس.
وأضاف هنا: «أو كشفٍ»: العلماء وقع منهم هذا كثيرًا، خاصةً في هذه القرون، وفيه حقٌ وفيه باطلٌ، لا نريد أن نتكلم فيه الآن، لكن المقصود أنه إذا كان عن بصيرة تبين لك هذا لا بأس، لكن إذا كانت أوهام؟ ظننتَ أنه قد يفيدك الاعتزال بينما هو لا يفيدك! فاحترز من هذا وانتبه ولا ترجح به.
«وأما النفع: فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه؛ لقضاء حوائجهم، ومن قَدَر على ذلك مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات، والأعمال البدنية»؛ لأن هذه الأعمال التي ينفع بها الناس أعظم من الاشتغال بنوافل العبادات القاصرة من صلاةٍ ليلًا ونهارًا، وقراءة القرآن، وذكرٍ لله، وهكذا.
فنفع الناس مقدمٌ عليها إلا القدر المتعين منها أو الواجب، لكن المستحب منها والمتطوَّع بها أفضل منه الاشتغال بنفع الناس، وهذا في حالة عدم التعين طبعًا، أما إذا تعين فالمتعين هو المتعين بلا شك، وهو الأفضل، (ما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه)١٬٢٨٦صحيح البخاري (6502)..
لكن في حال كونها نوافل وتطوعات كلها؛ فالاشتغال بما ينفع الناس الذي يتعدى نفعه.. أفضل.
فمن مرجحات الأعمال: التعدي والقصور؛ كما تقرر عند العلماء، وهذا لأدلة الشريعة على أن العمل الذي ينفع الناس أفضل من القاصر على نفسه في العموم وفي الأغلب، ولكن قد يكون في فروع هذا الأصل بعض التفاصيل.
«وإن كان ممن انفتح له طريق العمل بالقلب بدوام ذكرٍ أو فكر، فذاك الذي لا يُعدل به ألبته» هذا إشارة إلى أنه قد يترجح القاصر أحيانًا على المتعدي، وهذا كله مقيد بما إذا لم يتعين هذا الفعل المتعدي، أو القاصر.. فإذا لم يتعين أحدهما، وكان لك أن تتنفل بالعبادة كالصلاة وتلاوة القرآن، ولك أن تتنفل بأن تذهب للناس فتبني وتحضر معهم الطوب وتعاونهم وتخدمهم قليلًا، وهم محتاجون لمن يعاونهم.. فأيهما أفضل؟ هنا مقصد كلامه، وعلى نحو هذا قِسْ.
فيقول لك: في الأغلب والأعم نفع الناس أفضل، لكن قد توجد بعض الحالات وبعض الناس؛ الأفضل له هو أن يبقى في بيته أو في عزلته ومكانه ويتعبد؛ لأنه أفيد لقلبه، لأنه ينفتح عليه في العبادة، ولا يختلف فيه الناس.
هذا إذا جلس للعبادة وقراءة القرآن يُفتح عليه في الإيمان، ومقاماته، والاتصال بالله عز وجل ومناجاة الله ﷻ ودعائه، ويحصل له علو في الإيمان وكمالٌ وتمامٌ؛ فهذا يكون في حقه أفضل، والله أعلم.
يكفي هذا القدر، وجزاكم الله خيرًا.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: قراءة في كتاب «مختصر منهاج القاصدين»؛ فصل: العزلة والاختلاط
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا