التعليق على كتاب «الفيديو الإسلامي» للشيخ: ناصر الفهد -فرج الله عنه-

[وصلتنا هذه الرسالة من أحد طلاب الشيخ الملتصقين به جزاهم الله خيرًا، وقد كتبه الشيخ في ربيع الأول 1427، وهي رسالةٌ تضمنت تعليقات على كتاب «الفيديو الإسلامي» للشيخ: ناصر الفهد، ملحقة بجوابٍ عن سؤال الأخ «أبي النور الرومي» عن حكم التصوير.. ولأن الكتاب كبير فسنذكر تعليق الشيخ «عطية» رحمه الله بعد ذكرنا النص المعلَّق عليه، ولا بد من مراجعة أصل الكتاب ليتضح التعليق؛ فيفهم ضمن سياقه التام، وقد أضيف في بعض كلام الشيخ ناصر كلامًا ليفهم المراد فأضعه بين [معكوفين] مربعين]

[الشيخ ناصر: إضافة «جهاز الفيديو» أو «أشرطة الفيديو» إلى «الإسلام» وتسميته بـ«الفيديو الإسلامي» تفسر على أحد ثلاثة تفسيرات كلها بدعة في الدين].

التعليق: بسم الله الرحمن الرحيم، سيأتي التعليق على هذا في آخر البحث.

[الشيخ ناصر: أما ما لم يُنص عليه، ولم يكن من جنس المشروع فهو بدعة.. فكيف إذا كانت الوسيلة أصلا محرمة كالدعوة إلى الله بالتصوير أو التمثيل أو الرسوم الكرتونية وغيرها؟].

التعليق: هذا استدلال بمحل النزاع، ولا يخفى أنه ممنوع، لا يفيد!!.

[الشيخ ناصر: إضافة هذا الجهاز إلى «الإسلام» و«الإسلام» منه براء].

التعليق: أيضًا هذا استدلال بمحل النزاع!!.

[الشيخ ناصر: النسبة [أي نسبة الفيديو للإسلام: «الفيديو الإسلامي»] توهم العامة أن هذا الجهاز مستحب أتى الشرع باستحبابه -وهذا الأمر تفيده الإضافة- وهو أمر باطل].

ص 1209

التعليق: الإضافة لا تفيد ذلك، أي الاستحباب، بل فائدتها على الأكثر: الجواز ومطلق المشروعية، فتأمل.

[الشيخ ناصر: من أراد أن يسوغ بدعة أو منكرًا ونحوها، فما عليه إلا أن ينسبه إلى الإسلام، وقد وقع هذا فعلا فرأينا «المسرح الإسلامي» و«التمثيل الإسلامي» و«الغناء الإسلامي»..].

التعليق: ولا تستبعد أن يأتي بعض الزنادقة فيقول: «الدعارة الإسلامية»؛ تعالى الله عما ينسبون إلى دينه علوًا كبيرًا!! ولكن مع كل ذلك؛ فإننا نعطي كل شيء حقه، فما كان حلالًا باجتهادنا، فلا بأس بنسبته إلى الإسلام فنقول: إسلامي، أي منسوب إلى أهل الإسلام، ولا نسلّم أن ذلك ذريعة إلى من يريد أن ينسب الباطل إلى الإسلام، فإن كان لابد من التسليم بأنها ذريعة فهي ذريعة من الدرجة الصغرى التي لا توجب منعًا بنفسها، والله أعلم.

[الشيخ ناصر: نسبة المنكرات -من التصوير والتمثيل والرسوم الكرتونية وغيرها مما تنشر في هذه الأجهزة- إلى «الإسلام»، أمر عظيم؛ إذ يُنسب إلى الإسلام ما حرّمه ومنع منه].

التعليق: مرة أخرى: الاستدلال بمحل النزاع! ويمكن أن يقال بالتفريق بين هذه الأشياء؛ فالرسوم الكرتونية ليست كتصوير الفيديو مثلا.

[الشيخ ناصر: ولو كان هذا الجهاز ليس فيه من المنكرات مثقال حبة من خردل فلا تجوز نسبته إلى (الإسلام)، ولكن يسمى -إذا أتي الأمر من بابه- «الملهي» أو «الفيديو الملهي» أو «الأشرطة الملهية» ونحوها؛ فإن أقل ما فيها عند ذلك أنها من «اللهو المباح»، والله المستعان].

التعليق: مبالغة لا تخفى.. بل فيه غير اللهو المباح الكثير من المصالح التي لعل المؤلف لم يكن يلاحظها، ونحن نعرفها اليوم.

[الشيخ ناصر: ولو أن قائلا قال بأن المضاهاة الحاصلة من هذه الآلات أعظم من المضاهاة الحاصلة من مجرد «التصوير باليد أوالرسم» -الوارد في النص- لكان كلامه صحيحًا؛ فدخولها في النص من باب أولى].

التعليق: خُولف الشيخ في هذا، والأكثرون فيما رأيتُ على خلافه فيه، أي في كون التصوير الفوتوغرافي والفيديو أكثر مضاهاةً لخلق الله، بل الكثيرون صرّحوا بأنهم لا يرون فيه معنى المضاهاة، والله أعلم.

[الشيخ ناصر: ومن المتفق عليه بين الجميع أن الرسول ﷺ قصد بـ(الصورة) المانعة من دخول الملائكة نفس (الصورة) المتوعد على صنعها الوارد في باقي النصوص].

ص 1210

التعليق: قد يمكن للمخالف أن يحيد عن هذا الإلزام بالقول إن الفاعل (مستعمل الكمرا، ولا أريد أن أسمّيه مصوِّرا الآن حتى لا تختلط الألفاظ) هو ناقِلٌ للصورة هنا وليس مصوّرًا، كما صرّح كثيرون منهم بأنه ليس فعلَ تصويرٍ بل هو نقلٌ وحبسٌ للظلّ وحفظٌ لانعكاس الصورة على الجدران المخصوصة ونحو ذلك، وبهذا قالوا: الفعل ليس تصويرًا، لكن عندما تخرج على الورق مثلا فهي صورةٌ، لأنها صورةُ فلانٍ مثلًا، لكن مستعمل الكمرا (المصوِّر في لغتنا واستعمالنا الآن) هو ناقِـلٌ لهذه الصورة، ولم يصنعها بالمعنى الذي فهمنا من الأحاديث الشريفة أنه المقصود بالذم والوعيد، والله أعلم.

[الشيخ ناصر: في دلالة «العقل» على دخول ما يعرض في هذه الأجهزة في «الصور» المحرمة؛ فإذا فرّقنا بين الصور؛ فجعلنا المصوّر باليد محرمًا والمصوّر بالآلة مباحًا للزم أمران باطلان: الأول: أننا بذلك نكون قد فرقنا بين المتماثلين شرعًا، ولكان هذا تفريقًا بلا دليل؛ فإن التفريق هنا بكون هذا بـ(اليد) وهذا بـ(الآلة) تفريق بوصفٍ طرديٍ لا تأثير له على الحكم].

التعليق: المخالفُ فرَّق لا بكون هذا باليد وهذا بالآلة، بل بكون هذا فيه معنى التصوير وهو المتضمن للمضاهاة والخلقِ كخلق الله تعالى، والآخر ليس فيه ذلك.

[الشيخ ناصر: التصوير أشد مضاهاة لخلق الله تعالى].

التعليق: واضحٌ أن المخالف ينازع في ذلك، وبنى على منازعته في ذلك خلافكَ.

[الشيخ ناصر: التصوير بالآلة أيسر من التصوير باليد مما جعل عامة الناس يفعلونه، وكان سابقًا مقصورًا على الخواص].

التعليق: حاصل هذا الوجه تقرير أن التصوير بالآلة أعظم أي شرًّا وفسادًا من التصوير باليد لأنه أي التصوير بالآلة سهل ميسّرٌ لعامة الناس، وهذا استدلال عجيبٌ، لأننا لو قررنا أنه مشروعٌ فلا تأثير لكل ما ذكره، فتأمل!!.

[الشيخ ناصر: التصوير بالآلة أخطر من ناحية انتشار المنكرات بكثرة بسببه].

التعليق: هذا صحيح في نفسه، لكن إنما جاء الخطر من أمرٍ خارجيّ، فالمخالف لك يقول: التصوير مباح في ذاته من جهة كونه ليس داخلا في التصوير المنهي عنه، لكنه حرام إذا استعمل في منكر.. الخ، كما وضّحه الجميع وهو محل اتفاق، فلا إشكالَ.

[الشيخ ناصر: ومن تأمل أحكام الشريعة وانتظامها لم يشك لحظة أن الذي حرّم تلك الصور حرّم أيضًا هذه الصور].

ص 1211

التعليق: هذه دعوى، وقصاراها أن يُسلَّم بوجود فساد في هذا التصوير، لكنه ليسا غالبًا (ليس راجحًا) على المصلحة التي فيه، والشريعة لا تحرّم إلا ما كان فسادًا خالصا أو راجحًا، أو يفصَّل فيه كما يقوله المخالفُ.

[الشيخ ناصر: استعمالات ومفاسد هذه التصاوير في هذا الوقت هو نفس استعمالات ومفاسد التصاوير في السابق].

التعليق: هذا صحيح وقويّ جدًا، والمخالف يقول: من أجل ذلك نهى الجميع عن تعليق الصور وتعظيمها ولا سيما إن كانت للعظماء والزعماء وما شابه، مراعاةً لهذا المعنى، حفظا لجناب التوحيد، ولكونها وسيلة إلى الشرك، فرجع الأمر عندهم إلى النهي عن التعليق والتعظيم لها لا لذاتها؛ لأنهم رأوها ليست صورة بالمعنى المنهي عنه، والله أعلم.

[الشيخ ناصر: في دلالة «العرف» على دخول ما يعرض في هذه الأجهزة في «الصور» المحرمة وهذه الدلالة للاستئناس فقط؛ فإن الناس تعارفوا على تسمية ما يعرض في هذه الأجهزة بالصور، وسموا الصانع لها «مصوّرًا»، وسموا فعلها «تصويرًا»، فوافقت تسميتهم الحقيقة الشرعية واللغوية].

التعليق: لا أثر لذلك، والله أعلم، وقد احترس المؤلف في هذا بقوله «إنه لمجرد الاستئناس».

[الشيخ ناصر: «التصوير» حرفة لها أهلها في السابق، وكذلك هذه الآلات حرفة لها أهلها].

التعليق: أيضًا هذا، الظاهر أنه لا أثر له.

[الشيخ ناصر: المفاسد المترتبة على الصور: عبادتها في السابق ورفعها وتعظيمها الوارد ذمه في الأحاديث موجود نظيره في هذه الصور المأخوذة بهذه الآلات، بل ويوجد من مفاسد الصور هذا اليوم ما لا يوجد نظيره في أي زمنٍ من الأزمان].

التعليق: على الجملة هذا كلام صحيح، لكن المخالف للمؤلف يقول: نحن نمنع تعليقها وتعظيمها بل وحتى الاحتفاظ بها للذكرى، كما يقوله الكثيرون من المجيزين.. الخ، قالوا: فنحن راعينا هنا وجود العلة، وراعينا وقوع المفسدة، لكن الكلام في أصل تحريم الصورة شيء آخر، ولهذا أجزناها حيث كانت في خير وصلاح.

[الشيخ ناصر: فإن قيل: ولكن هذه الصور لا مضاهاة فيها لخلق الله؛ لأنها نفس خلق الله تعالى، وإنما هي نقل للصورة التي خلقها للعبد، بخلاف التصوير باليد].

التعليق: هنا معقد الفرس في ظني، وهو عمدة المخالف.

ص 1212

[الشيخ ناصر: الوجه الثالث [في الرد على اعتراض المجيزين السابق] أن هذا يلزم منه أن تباح الآلات التي تصوّر وتخرج الصورة ثلاثية الأبعاد «مجسمة»، ولا أظن قائلا يقول بهذا].

التعليق: هذا الوجه قويّ، ولا أعرف كيف رد المجيزين عليه.

[الشيخ ناصر: الفرق بين التصوير باليد والتصوير بالآلة كالفرق بين نقل الوثائق باليد وتصويرها بالآلة، فالأول تنسب الكتابة إليه دون الثاني؛ فتنسب في الآلة لصانعها وهو الله].

التعليق: هذا قاله الشيخ ابن عثيمين وغيره من المجيزين، وهو متفق مع قولهم إن الصورة الفوتوغرافية -والفيديو أوضح- ليس فيه المضاهاة المجعولة علة للتحريم، لأنه ليس فيها إبداع وصنع وتصويرٌ وخلقٌ، ويحتاج إلى تأمل أكثر، فالله أعلم.

[الشيخ ناصر: هذا [يعني أن الفرق بينهما كالفرق بين نقل الوثائق باليد وبين تصويرها] ينتقض بتصوير التماثيل والرسوم اليدوية، فإنه لو صورها بآلة التصوير فإن ذلك داخل في تصوير ذوات الأرواح، ومع ذلك يقال فيه ما قيل في هذا إن هذه الرسوم لا تنسب إليه بل تنسب إلى صانعها وراسمها الأول، والمصوّر آثمٌ بفعله هذا حتى عند من أجاز التصوير].

التعليق: المخالفون يسلّمون بوجود المضاهاة فيها، وليس لليد أو الآلة تأثير في الحكم، إنما الكلام في معنى المضاهاة والخلق والتصوير.

[الشيخ ناصر: تسمية «الصورة» بـ«العكس» عند بعض أهل العرف هو في حقيقتها موافقة لمعنى «المضاهاة»، فإن العكس من انعكاس الصورة وانطباعها بواسطة الآلة، وهذا معنى المضاهاة فهو صنع النظير والمثيل].

التعليق: بل مرادهم أنها ليس فيها معنى التصوير والخلق، وأنها مجرد نقل للصورة وانعكاس لها وحبسٌ لظلها.. الخ؛ هذا تقرير قولهم، والمؤلف لم يقرره بشكل دقيق فتأمل!!.

[الشيخ ناصر: من رأى صورته في المرآة لا يقال له «صوّر» ولا يسمى هذا العمل «تصويرًا»، بخلاف هذه الآلات].

التعليق: لكن يقال لصورته في المرآة: صورة، وهذا يتدافع مع كلام المؤلف السابق في إلزامه للمخالفين حين قال إنه إلزام لا محيد عنه!!، لأن مقتضاه إمكان عدم التلازم بين الصورة والتصوير.

[الشيخ ناصر: مسمى «الصورة» في «الشرع» و«اللغة» و«العرف» ينطبق على هذه «الصور»، والحكم تابع للحقيقة الشرعية -ولو خالفتها الحقيقة اللغوية والعرفية-، فكيف وقد اتفقت الحقائق الثلاث؟].

التعليق: كما تقدم مرارًا، هذا بيت القصيد، والمنازع يقول إن الحقيقة الشرعية للصورة المحرمة لا تنطبق على هذا التصوير الفوتو والفيديو، فالله أعلم.

[اللجنة الدائمة -سؤال وُجه إليها-: بدأنا مشروع «مجلة للأطفال المسلمين» باسم «أروى»، وجاء من نثق به وبدينه يعترض علينا من جهة رسوم الأشخاص].

التعليق: واضح بالنسبة إلى هذا أنه يسأل عن الرسم، لأن لفظ رسم في لغتنا اليوم معروف، وهو غير التصوير، والله أعلم.

[ملاحظات على الكتاب إجمالا]

بقيت بضع ملاحظات أحببت أن أسجلها:

* الملاحظة الأولى: حول كلامه على تسمية «الفيديو الإسلامي» ونحوه، والثلاثة التفسيرات التي ذكرها في الدليل الأول، ورأيي أن كلامه فيه تكلف وإجحاف، وأنه ليس هناك بدعةٌ ولا شيء، والحق -إن شاء الله- أن تسمية «الـشريط الإسلامي» و«الفيديو الإسلامي» ونحوه هي على معنى النسبة إلى أهل الإسلام؛ فمعنى «الإسلامي» -والياء المشددة في آخره ياءُ النسبة-: المنسوبُ إلى الإسلام، أو شيءٍ ملابس للإسلام، أي على تقدير مضافٍ، كأهل الإسلام أو عصـر الإسلام، وعلماءُ اللغة يقولون: الإضافة لأدني ملابسة.. وقد وُجِد هذا كثيرا في الماضي والحاضر، كقولهم: شاعرٌ جاهليّ، وشاعر إسلاميّ؛ فالجاهليّ المنسوب إلى زمن الجاهلية وعـصرها، والإسلامي المنسوب إلى عصـر الإسلام، وأحيانًا إلى أهل الإسلام أي المسلمين، ويُعرَف معنى ذلك بالملابسات، حتى إنهم يصنّفون «الأخطلَ» مثلا في طبقات الشعراء الإسلاميين، ومعلوم أنه نصرانيّ، فهذا وأمثاله المقصود بالنسبة فيه: النسبة إلى العصر والمرحلة الزمنية.. وهكذا أمثلة كثيرة.

فالحاصل أن نسبة الـشريط أو الفيديو هنا إلى الإسلام مما لا يستدعي كل هذه التفسيرات الثلاثة التي ذكرها المؤلف، وهي في نظري تكلف وتعمّق غير محمود.

ص 1213

وهذه النسبة عند المجيزين للتصوير الفوتوغرافي والمتحرك «الفيديو» نسبة لا غبار عليها ولا تناقض فيها؛ فإنهم يقصدون معنى صحيحا، وهو أنها منسوبة إلى أهل الإسلام الملتزمين بدين الإسلام والمتحاشين عما يخالفه، أما نفس حكم التصوير فهو محل النزاع بين المؤلف وبينهم.!!

فهم لو أقروا معك بتحريم التصوير بدون استثناء، لما أقروا هذه النسبة -إلى الإسلام- بل لنبذوها ورفضوها.! والله أعلم.

* الملاحظة الثانية: حول ما ذكره في الدليل العاشر، وفي غير موضع من الكلام على التشبُّه؛ ففي كلامه شيء قد لا يوافَق عليه، وهو: كون استعمال هذه الأجهزة للتصوير والعرض من التشبه، فإن المخالف -الذي يجيز هذا النوع من التصوير ويرى أنه غير داخل في التصوير المنهيّ عنه- يقول: لا تشبّه هنا!! بل هذا من المباحات في أمور دنيا الناس والمعاش والصنائع والتصـرفات العادية التي يشترك فيها المؤمن والكافر وتؤخذ عن أي أحدٍ، كصناعة السلاح والأدوات المباحة والنافعة وغير ذلك مما لا يُحصى..!

والحاصل أن كلام المؤلف فيه أيضا -كمواضع أخرى من استدلالاته- استدلالٌ بمحل النزاع.. والله أعلم؛ لأن المخالف لو أقرَّ معك بتحريم هذا التصوير وآلاته، لأقرَّ معك تبعًا لذلك بتحريم أخذها عن الغرب، وسهُلَ القول أنها من التشبّه بهم حينئذٍ.

* الملاحظة الثالثة: في كلامه عن المصالح والمفاسد، أطنب في بيان مفاسد هذه الأجهزة، ومعه حق بارك الله فيه، وثبّتنا الله وإياه على دينه الحق، وهو يتكلم عن «التلفزيون» والفيديو في حياة الناس، وكلامه صحيح في الجملة وملآن بالحكمة لا شك، لكنه بالَغ قليلا في نفي أي فائدة لها، حتى جعل قصارى ما فيها أن تكون من اللهو الذي لا فائدة فيه لو جازتْ!! ولعله لم يكن اطلع بشكل تامّ على ما فيها من الفوائد التي اطلعنا نحن عليها اليوم في عملنا العسكري والجهادي والسياسي وفي الدعوة والتعليم.

والمجيزون لهذا النوع من التصوير لا يقولون بحله كله بدون ضوابط أصلا كما هو معروف مسلَّم لا يلتبس.. بل يحرّمون استعمالاته التي احتوت على سبب آخر للتحريم، ويحرّمون ما كان منها مستعملا للحرام وفي الإفساد وذريعةً إلى الفساد والإفساد بدون أن يقابلها مصلحة راجحة.. الخ كلامهم وتفصيلهم كما يفصّله الشيخ «ابن عثيمين» وغيره.

فلا يرد عليهم كلام المؤلف في المفاسد والذرائع، والله أعلم.

ص 1214

* الملاحظة الرابعة: حول ما ذكره في الدليل الأخير وهو اتقاء الشبهات، وظاهر كلامه وصنيعه في جعله من الأدلة، أنه يحمله على الوجوب، ولكن كلام سائر الفقهاء خلافه، وهو أن الاستبراء للدين بترك الشبهات ومباعدتها مستحبٌّ مرغّبٌ فيه، وهو درجة المتقين، ولا يفتى به، بمعنى أنه ليس فتوى وإنما هو نصيحة وإرشادٌ إلى الورعِ والاحتياط. والله أعلم.

وبعبارة أخرى يذكرها بعض الفقهاء: أن العامة لا تُحمَل على الورع وترك الشبهات، بل يندبون إلى ذلك، ولا سيما حيث يتعلق الأمر بما تعمّ به البلوى وبما يشق التحرز منه، ومثله -والله أعلم- ما تنازعه موجِب الشبهة من جهة، والمصلحة الكبيرة الظاهرة فيه من جهة أخرى، فهنا يرجح الفقيه المصلحة الكبيرة -والله أعلم- لأن مقابلها شبهةٌ.

فلا نترك مصلحة كبيرة عرفناها وتحققناها، ونرتكب مفسدة عرفناها وتحققناها، وهي مصلحة عامة -للإسلام وأهله جملة- ليستْ خاصة، من أجل الشبهة، والله أعلم.

هذا فيما يتعلق بكلامه عن الشبهة فقط، وهو الدليل الأخير الذي ذكره.

ولكن:

* الملاحظة الخامسة: الحق يقال أن مبحثه وكلامه -على بعض ما فيه من ملاحظات أشرنا إلى أكثرها- في غاية الجزالة، وبالغ الإزعاج والإفزاع للقلب، وحتى إن بقي الإنسان مختلفا معه؛ فقد استفدتُ أنا شخصيا منه كثيرا، ونحن ربما قد غلبنا التيار للأسف، ومشينا مع فتاوى الإباحة لهذه الأنواع من التصوير مطلقا، والإباحة للرسوم المتحركة، وأفلام الكرتون «الإسلامية» وغير الإسلامية.. وإنني -عن نفسي- سأمتنع عن اقتنائها لأولادي إن شاء الله، وسأسعى للتخلُّصِ مما كان عندي منها.. فلعلّ هذا من التوسع الذي وقعنا فيه زمانًا، صحيحٌ أنه قد أفتى جماعة من أهل العلم بإجازتها وأنه لا بأس بها، ولكن والله كان في النفس شيء منها، وقد قوي بقراءة مبحث الشيخ «ناصر» فرج الله عنه وثبّتنا الله وإياه.

ص 1215

فلئن استمررنا بحسب ما نرجّحه -حتى يأتيَ من ذلك أمرٌ واضحٌ جدًّا لا مردَّ له- على استخدامنا للتلفزيون والفيديو ونحوهما فيما يفيد من المصالح التي عرفناها، فإننا لابد أن نحتاط ونضيّق الدائرة، ولا سيما في الأشياء المرسومة باليد مما فيه تصوير وخلق وإبداعٌ بلا شك كالرسوم المتحركة، مع ما انضاف إليها مما ذكروه في أسباب تحريم التمثيل، وغير ذلك من بقية المفاسد..!!

اللهم إلا أن نضطرَّ من باب ارتكاب أخف الضـررين، عافانا الله وإياكم؛ فوالله إن ظروف الحال صعبة في واقعنا ومجتمعاتنا، وأولادنا شبه محبوسين، ومهما حاول المرء أن يمتنع عن بعض المكروه والفساد صعُب عليه جدا، وربما زاد بالإغلاق والتضييق تضييقًا لا يطاق، فبالله أقيموا العذرَ فإن الحال والله صعبٌ في عالَمٍ يسيطر عليه عدوّنا كما أشرتُ، ولا دولة للإسلام، ومعلوم أنه في مثل هذه الأحوال يُرخّصُ في بعض ما كان في زمن القوة والغلبة للإسلام محرَّما ممنوعًا..!

نسأل الله ﷻ أن يرفع راية الإسلام خفّاقة ويقيمَ لنا دولة الإسلام والتوحيد والسنة شامخة نفرح بها ونطمئن فيها ونعبُدُ ربنا ﷻ أحرارًا كما أمرَ وأحب ورضي عز وجل.

والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

ونستغفر الله تعالى ونتوب إليه من كل ذنبٍ.

اللهم إنا نسأل العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوك المحب

ربيع الأول 1427هـ

•••

ص 1216

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا