[معاملة العلماء المخطئين الموالين للحكام، المحاربين للمجاهدين، والتعامل مع أنصارهم]
السؤال الأول: كيف يكون معاملة العلماء الذيـن يوالون الحكام ويحاربون أهل الجهاد ويصفونهم بأقبح الأوصاف بحيث نكون عادليـن في ذلك ومقسطيـن لا نظلم أحدًا منهم، وكيف يكون بيان أخطائهم وأخص هنا علماء الجزيرة.. وما حكم هؤلاء ممن يوالي الطواغيت ويدعو لهم بالتمكيـن والنصـر على الموحديـن ويحدث الناس بأنهم يحمون الديـن ويقيمون الإسلام، ويصف المجاهديـن بأنهم خوارج وباغون وأهل ضلال وسفهاء أحلام ومفسدون في الأرض.
السؤال الثاني: كيفية التعامل مع الشباب المستقيم الذي يصده عن أهل الجهاد هؤلاء العلماء.
السؤال الثالث: لدي أخ في الله أحسبه من المخلصـيـن والصادقيـن ولا أزكيه على الله، ولكن كلما أتناقش معه في أمر الطواغيت أحيانا يقتنع ولكنه يتردد ويقول: العلماء قالوا هكذا وهم أعرف بالكتاب والسنة منا -ويكره أهل الجهاد لأن أهل العلم المعروفيـن قالوا فيهم كذا- ولكنه يقسم بالله أنه إذا كان هناك جهادٌ حقٌ لذهبت؛ وأراه صادقا ولكن العقبة الحقيقية -والله أعلم- هم علماء الحكام إن صح التعبير..
[السائل: محب الغرباء]
الجواب:
بارك الله فيك أيها الأخ الفاضل «محب الغرباء» على حرصك على العدل والإنصاف، فهذا هو الحق الواجب، ونسأل الله تعالى أن يفتح عليـنا وعليك وعلى سائر أحبابنا من فضله علما وعملا.
فجواب السؤال الأول أظنه قد تحصل معظمه مما تقدم من أجوبة.
وأضـيف هنا أن الواجب في رأيي يمكن وضعه في النقاط الآتية، وهي تقريبية:
- التمسك بالحق الذي بان لنا وظهر، وقامت عليهم بذلك البراهيـن، وإن خالف مَن خالف؛ فإن الحق إنما هو في ما دل عليه الكتاب والسنة، والعلماء إنما يطاعون تبعا لطاعة الله ورسوله، وهم سبيل إلى معرفة الحق، فإن الله أمر الجاهل بسؤال العلماء لكي يدلوه على أمر الله وحكمه وشـرعه، فإذا عُرف الحق واستبان واتضح، بأن كان نصًا أو معلوما من الديـن بالاضطـرار أو ما يقاربه مما تظافرت الدلائل على إثباته؛ فلسنا مأموريـن أن نسأل أحدًا.!
ثم إن العلماء يختلفون؛ فالواجب حيـنئذ تحقيق الحق، وذلك بحسب درجات الناس في العلم، فالعاميّ مأمور بالأخذ بقول من يراه الأعلم الأورع على الأصح، والعالم يجتهد ويلزمه اجتهاده ولا يجوز له التقليد، وطالب العلم المتوسط بيـن الاثنيـن الذي له قدرة على الترجيح ولـمَّــا يستقل استقلالا كاملا بالنظر والاجتهاد يتّبع ما ترجح عنده بحسب نظره في أدلة الأقوال، ونحن بحمد الله تعالى لا نعدم عالما كبيرا قال بقولنا في كل مسألة، والحمد لله؛ فلسنا متفرّديـن خارجيـن عن الإجماع، ولن يجد خصومنا قولًا خالفنا فيه إجماعًا معلومًا مهما اجتهدوا، وهم لا يألون!! فالحاصل أن الواجب هو التمسك بالحق وشكر نعمة الله تعالى أن هدانا إليه إذ تفرق الناس فيه.
- دعوة الناس إلى هذا الحق وبيانه والصدع به بحسب الإمكان.
- والعمل به والصبر على الأذى في هذا الطريق.
- ثم المخالفون لنا، لا نعتدي عليهم ولا نظلمهم، بل ننصفهم ونعاملهم بالقسط الذي أمر الله ﷻ به ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ [النساء: 135]، فلا نعتدي ولا نتجاوز الحد في الحكم على أحدٍ ولا نسـيئ الأدب ولا نرد الحق ممّن كان ولو جزءا صغيرا من الحق، بل نقر بالحق ونقبله ممّن كان، ونرد الخطأ والباطل مهما كان وممّن كان، ونحن في كل ذلك ملتزمون بالأدب متحلون بالسكيـنة والوقار.
فلا تنافيَ بيـن أن نكون متمسّكيـن بالحق وصادعيـن به، وبيـن أن نحترم المخالف ونتأدب معه، ولا سـيما إن كان المخالف لنا من العلماء الذيـن لهم فضل وسبق وحسن بلاء في الإسلام ولهم فضائل وخير كثير، ولا سـيما إن كانوا مع ذلك كبارًا في السن شـيوخًا قد شابوا في الإسلام والعلم والدعوة إلى الله، والله أعلم.. والحمد لله رب العالميـن.
وجواب سؤالك الثاني: أن الشاب المستقيم الذي منَّ الله عليه بالهداية عليه أن يعرف النقاط المتقدمة ويتفقه في فقه الخلاف ويعرف حدود كلام العلماء وأقوالهم ومذاهبهم، وأن الحجة هي في الدليل من الكتاب والسنة؛ فلا يتعصب لقول أحدٍ ولا يقلد أحدًا حيث ظهر الدليل وبان، بل يجتهد في طلب الحق، ويسأل العلماء ليتوصل إلى الحق لا لغرضٍ آخر، ويتجنّب العجلة والطيش، فإن العجلة من الشـيطان، ويعرف قدر نفسه وقلة علمه فيلتزم الحياء وكمال الأدب، ويكثر من الدعاء والإلحاح على الله تعالى بأن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه، وأن يرزقه الهدى والسداد، فإن الله أكرم الأكرميـن لا يرد سائلا..
وبالجملة.. عليه بأسباب الهداية التي ذكرنا نبذة مفيدة فيها في هذه الأجوبة في «محور الجزائر والمغرب العربي»، والله الموفق، لا إله غيره لا رب سواه.
جواب سؤالك الثالث: لا بأس عليك أخي الكريم، فأنت تطرح مشكلات نحتاج فعلا إلى دراسة حلولها المرضـية شـرعا، فبارك الله فيك وسددك الله.. ونسأل الله أن يجعلنا وإياك وصاحبك من أهل الصدق، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة]، وإذا كان صاحبك ممن يتحرّى الحق والصواب، فإنه سـيهتدي إلى الحق والصواب إن شاء الله تعالى.
والتمسُّك بما عليه العلماء هو في الجملة خير وحق، بالنسبة للعوام المقلديـن، لكن عليك أن توضّح له أن الواجب هو البحث عن الحق، لأن العلماء ما أكثر اختلافهم! وطريقه إلى ذلك ما دام هو ليس من طلبة العلم القادريـن على النظر والترجيح أن يسأل العلماء الموثوقيـن المؤتمنيـن على الديـن أهل التقوى والورع الصادعيـن بالحق أهل الشجاعة والقيام بأمر الله لا يخافون في الله لومة لائم، والمعروفيـن بالتمكن في العلم والقوة فيه.. هذا هو سبيله؛ فإذا فعل فقد أدى ما عليه وأحسنَ، وما على المحسنيـن من سبيل، والله غفور رحيم.
وأنت تقوم في حق صاحبك بما أوجبه الله عليك من النصح والدعوة إلى الله تعالى والتحريض على الجهاد والنصح للمسلميـن وخاصة للإخوان ولسائر مَن له حق خاص، كما قال تعالى: ﴿۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء]، وتبيـن له ما يجب عليه من البحث عن الحق، وترك التقليد المحض لأهل العلم، ونبذ التعصب لأي عالم ولو كان كبيرًا، وبيـن له الواجب عند اختلاف العلماء، وهو كما ذكرنا، وبخصوص هذه المسألة فبيـن له أن هنالك علماء كثيريـن من العلماء الكبار المشهود لهم بالعلم والخير والصلاح يؤيدون المجاهديـن ويحبونهم ويـنصـرونهم ويوالونهم، ولا تعوزك الأمثلة؛ فكيف يقول إن العلماء قالوا في المجاهديـن كذا وكذا، اللهم إلا أن يقصد مجاهديـن مخصوصـيـن في مكان مخصوص، كالإخوة في جزيرة العرب، فما زلنا نقول إن الخلاف في هذا محتملٌ، لكن هل يصح أن يختلف المؤمنون في الجهاد في العراق أو في أفغانستان أو في الشـيشان ونحوها؟!
ولهذا.. ما حكيته عنه بأنه يكره أهل الجهاد، هذا مؤشـر سلبيّ، وهو يـنافي الصدق المدّعى..!!
لكن لعل العبارات تعوزها الدقة، فنسأل الله أن يصلحه ويصلح أحوالنا جميعا.
وليعلم كل إنسان منا من المكلفيـن أن الله تعالى قاسِمٌ له نصـيبه من الابتلاء والامتحان والفتنة لا محالة، فلا يخدعَـنّ امرؤ نفسه بالاتكاء على فتاوى علماء أو حكماء..!!
كلّ إنسان مكلفٌ بحسبه، وسـيأتيه نصـيبه من الامتحان وسـيوضع على المحك؛ فلئن استطاع أن يخدعنا نحن البشـر فلن يستطيع أن يخدع الله ﷻ، الذي يعلم السـر وأخفى، ويعلم خائنة الأعيـن وما تخفي الصدور، والذي يخرج الخَبْءَ في السماوات والأرض، الأول الآخر الظاهر الباطن، له الأسماء الحسنى عز وجل.!
ونحن في النهاية دعاة فقط، والهداية بيد الله تعالى وحده، وكل امرئ ميسـر لما خُـلِـق له.. فقضـية «صادق ومش صادق»، و«علماء قالوا وما قالوش».. هذه كلها شكليات ومظاهر قد يكون تحتها رصـيد من الصدق والحقيقة، وقد تكون مجرد كلام فقط..!! ولكن كل إنسان أدرى بنفسه، فما عليه إلا أن يرجع إلى نفسه ويسألها فستجيبه بما هنالك.! ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥﴾ [القيامة]، (استفتِ قلبَــك؛ البرّ ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب) إلخ الحديث الصحيح المشهور الثابت في مسند أحمد وغيره، وفي آخره: (وإن أفتاك الناسُ وأفتوك)٢٠٩مسند أحمد (18006) لكن قال الأرنؤوط: إسناده ضعيف من أجل «الزبير أبي عبد السلام»، ومثله في: مسند ابن أبي شيبة (753)، وذكر ابن رجب في: جامع العلوم والحكم (2 / 95) أن إسناده جيد حسن. وفي لفظ: (وإن أفتاك المُـفتون)٢١٠مسند أحمد (17742) وصحح إسناده الأرنؤوط، وقال الألباني في: الجامع الصغير (950): «حسن».، والحق له نور، ونصب الله عليه علامات لا تخفى، وبراهيـن ساطعة، ولا سيما في المسائل الكبار التي تشتد حاجة المكلفيـن إليها وعليها الوعد والوعيد الكبير؛ فلا والله لا يبحث أحدٌ عن الحق فيخسـر أو يخيب، بل إما أن يجد الحق ويهتدي إليه وهو الأكثر، وإما أن يُعذِرَ فيجد من الله العذرَ و(لا أحدٌ أحبُّ إليه العذرُ من الله) رواه البخاري ومسلم٢١١صحيح البخاري (7416)، صحيح مسلم (1499) ولفظ مسلم: (لا شخص أحب إليه العذر من الله)... والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
•••