۞ تعليقة مختصرة على فتوى الشيخ أبي بصير في العمليات الاستشهادية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: هذه تعليقة مختصرة على فتوى الشيخ «أبي بصير» وفقه الله في مسألة «العمليات الاستشهادية»١٬١٠٤هي فتوى مختصرة في ست صفحات، نُشرت في موقعه -الشيخ أبي بصير- بتاريخ: 20/ 7 /1426.، أردت بها المذاكرة والمباحثة للمسألة مع الشيخ وغيره، مع تأكيدي على أن المسألة قابلة للبحث أكثر، ومن الله نستمد العون والتوفيق.

في البداية ملاحظات عامة:

* هذه المسألة من النوازل، فلا يُعرف للسلف فيها كلام، لأنه لم يكن ثَمَّ وسائل تشبه وسائلنا الحربية المعاصرة من المتفجرات والبارود ونحوها، والظاهر أنهم لم يفترضوها، فلم نعثر لهم على كلام فيها.

* المسألة اجتهادية محتملة، وكلامنا في ترجيح أحد القولين.

* لاحظت في كلام الشيخ «أبي بصير» أنه حصل في تصويره للمسألة خلط بين العملية الاستشهادية، وبين مسألة «التترس»، والحق أنهما يجتمعان ويفترقان؛ فلكل واحدة منهما حكمها مفردة ومقترنة بالأخرى.

وهذا أوان التعليق المفصل:

استند الشيخ في تحريمه للعمليات الاستشهادية إلى الدليلين الآتيين مع جوابهما:

أولا - ما عبر عنه بقوله: «أهمها أنها تعني بالضرورة قتل المرء لنفسه بنفسه.. وهذا مخالف لعشرات النصوص الشرعية المحكمة في دلالتها وثبوتها، التي تُحرم على المرء أن يقتل نفسه بنفسه أيًّا كان السبب الباعث على فعل ذلك» اهـ.

ص 1479

وجوابه والله أعلم: منع هذا المقام؛ فلا نسلّم أنها قتلٌ للمرء لنفسه بنفسه على النحو المحرّم المتوعّد عليه بالنار.. فجميع الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة الدالة على تحريم قتل المرء نفسه أو نفس غيره: هي حق وصدق، وهو وحي من الله تعالى.. سمعنا وأطعنا وصدّقنا وآمنا، وإنما البحث في كون هذا من هذا، والمجوّزن يقولون إنه ليس منه لما سيأتي في ثانيًا.

ثانيا - القول بأن أدلة المجوّزين هي من المتشابه، وأن المحكم هو تحريم قتل النفس مطلقا.

وجوابه والله أعلم: عدم التسليم بذلك أيضا، وبيانه فيما يأتي:

أن النصوص الواردة في تحريم قتل الإنسان نفسه محمولة على من قتل نفسه على وجه مخصوص، أو قتلٍ مقيّد إن شئتَ، وردت الإشارة إليه في كثير من هذه النصوص، وما لم يرد فيه فهو محمول على ما ورد فيه القيد؛ فالكلام أولًا في معنى قتل النفس المنهي عنه والمتوعّد عليه بالوعيد الغليظ.

ص 1480

قال المجوّزون الذين كتبوا في هذا المسألة -كالشيخ العقلا رحمه الله والشيخ العلوان والشيخ الجربوع وكالبحث الذي وضعه الإخوة في حماس وغيرهم كثيرون١٬١٠٥بحث جماعات كُثرٌ هذه العمليات في رسائل عدة وفتاوى متنوعة؛ منها: «حكم العمليات الاستشهادية» للشيخ حمود العقلا الشعيبي، وقد علق «أبو حفص الجزائري» على هذه الفتوى في رسالته: «فقه العمليات الاستشهادية» وذيلها بمناقشة فتوى أبي بصير المذكورة، و«البشرى المهدية لمنفذي العمليات الاستشهادية» لأبي الحسن الفلسطيني، «الدلائل الجلية على مشروعية العمليات الاستشهادية» لأحمد نجيب، «ردود وتلميحات على منكري العمليات» لأبي الحسن الفلسطيني، «الأدلة الواضحة الجلية على مشروعية العمليات الاستشهادية» لأبي عمرو عبد الحكيم حسان، ويُنظر رسالة: «الفتاوى النّديّة في العمليات الاستشهادية» التي جمعت أكثر من عشر فتاوى لكبار العلماء: محمد بن إبراهيم، الألباني، الشعيبي، سليمان بن منيع، العلوان، الخضير.. وغيرهم.- قالوا: إن هذه القيود والأوصاف التي تبيَّن معنى القتل المحرم منها الجزع؛ كما جاء مصرَّحًا به في حديث الصحيحين: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرحٌ، فجزِعَ، فأخذَ سكينًا فحزَّ بها يدَه، فما رقأ الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنة) هذا لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم: (إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحةٌ فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرقإ الدم حتى مات)، وفي مستخرج أبي نعيم عليه: (بادرني عبدي بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة)١٬١٠٦صحيح البخاري (3463)، صحيح مسلم (113)، مستخرج أبي نعيم على مسلم (301).، قال النووي رحمه الله: «إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت أو لغير مصلحة، فإنه لو كان على طريق المداواة التى يغلب على الظن نفعها لم يكن حراماـ والله أعلم» ١٬١٠٧المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (2 / 127). اهـ.

وفي صحيح ابن حبان عن جابر بن سمرة h «أن رجلا كانت به جراحة فأتى قرنا له فأخذ مِشْقَصًا فذبح به نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ» ١٬١٠٨صحيح ابن حبان (3905) وصححه الألباني والأرنؤوط..

ومنها: ما جاءت في قصة «قزمان» الذي قاتل مع النبي ﷺ في أحد وكان لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا فلقها بسيفه وقال النبي ﷺ: (هو في النار)١٬١٠٩صحيح البخاري (3074).؛ فقد جاء فيه أنه أصابته الجراح فاستعجل الموتَ ولم يصبر فقتل نفسه؛ فأشار إلى عدم الصبر على الجراح والألم ونحوه وإرادة التخلص من الحياة، وهذا هو معنى الانتحار.

ومنها: قوله ﷺ كما في الصحيحين وغيرهما: (مَن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدتُه في يده يتوجَّأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه فهو يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا)١٬١١٠صحيح البخاري (5778)، صحيح مسلم (109).، وفي حديث آخر في الصحيحين أيضًا: (ومن ذبح نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)١٬١١١صحيح البخاري (5778) بلفظ: (ومن قَتَل نفسه بشيء في الدنيا..)، صحيح مسلم (110).؛ فهذا معنى الانتحار وهو قتل النفس المجرّد عن غرض الجهاد وإرادة إعلاء كلمة الله تعالى، يشير إليه قوله (من قتل نفسه بحديدة) وقوله (من شرب سمًّا) وقوله (من تردّى من جبل).. فهذه الأفعال هي فعل القاتل لنفسه، لا في الله ولا لإعلاء كلمته، بل تخلّصا من الحياة وهمومها، وجزعًا من التكاليف والبلاء والتحديات والكَبَد الذي خلق اللهُ الإنسان فيه، والابتلاء، وهو ما أشار إليه بقوله: (بادرني عبدي بنفسه حرّمت عليه الجنة) والله أعلم؛ فهو كناية عن استعجاله الموت بتعاطي سببه بإنفاذ مقاتله؛ لأنه استعجل الموت قبل أجله عند نفسه، أما بالنسبة إلى الله تعالى فإن كل مقدور له أجله المسمى يعلمه الله تعالى وكتبه وقدره ويخلقه ﷻ كما أراد في الأجل الذي كتبه عز وجل.

ومنها ما جاء في قوله ﷺ: (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار) رواه البخاري١٬١١٢صحيح البخاري (1365).، ومعنى (يقتحم): يقتحم الموت، أي يقتحم الشيء المميت في حكم العادة كالنار ونحوه مريدًا: قتل نفسه.. ويؤيد هذا المعنى -أعني النهي عن قتل النفس على هذا الوجه- النهيُ عن تمنّي الموت؛ لضرٍّ نزل به الدعاء به وما في معناه.

ومثاله الآن: مسألة ما لو أسر الأعداءُ رجلا مسلمًا؛ فتردى من شاهق أو ألقى بنفسه أمام سيارة مسرعةٍ فقتل نفسه لكي يتخلّص من عناء وابتلاء السجن والأسر والتحقيق والتعذيب، فهذه مسألة الانتحار، لأنه قتلٌ للنفس لا بغرض إعلاء كلمة الله ونصرًا لدينه وجهادًا في سبيله، بل لمعنى راجع إلى حظّ النفس، والله أعلم، ولهذا لم يجز أحدٌ هنا الانتحار، مع أنه قد أجازه بعض الفقهاء المعاصرين في صورة يُتحقَّق فيها وقوع ضرر كبير كليّ، أي على جماعة المسلمين، كأن يكون المأسور حاملًا أسرار المسلمين وخططهم التي يقع بمعرفة العدو لها ضرر كبير على المسلمين وينجرّ عنه -في حكم العادة- مقتل أنفسٍ كثيرة مسلمة وغيرها من الأضرار والفساد والخراب؛ فهذا الذي أجاز له بعض الفقهاء الانتحار هنا، وهو راجع كما ترى إلى إعلاء كلمة الله تعالى ونصر الدين وحفظه، ومع كل ذلك فالمسألة محل بحثٍ، وأكثر أهل العلم يمنعونها، وإنما المراد بيان اعتبار الفرق بين قتل النفس لإعلاء كلمة الله، وبين قتلها على الأوجه التي ذكرت في أحاديث الوعيد المتقدمة، والله أعلم.

ص 1481

والمستشهِد -الفاعل للعملية الاستشهادية- ليس مريدًا لقتل نفسه في الأصل، مع أنه مستيقن لحصول ذلك -قتل نفسه- بالتبع؛ فهو لم يقصد من وجهٍ بهذا الاعتبار -وأما القصد باعتبار علمه القطعي بحصول الانقتال فهذا لا يضرّه فهو فيه كالمنغمس في صف العدو وقد جوّزتموه وجوّزه الجميع بشرطه-، ولا يفعل ذلك جزعًا ولا خوفا من بلاء أو تكليف أو همّ دنيوي ونحوه، وليس مريدًا للتخلص من حياته على طريقة المنتحرين القاتلين لأنفسهم المشار إليهم في الأحاديث، بل إنما يفعل ذلك الانقتال؛ لغرض إعلاء كلمة الله ونصرًا للدين، وهو يقول: لو أملك أن أنصر الدين بغير ذلك لما فعلتُ؛ فهو يقرّ أنه في موقف الاضطرار أو الحاجة الشديد المنزلة منزلة الضرورة، وقد صرّح علماؤنا أن الحاجيّات إذا عمّت وتعلّقت بجمهور المكلفين أنها تنزّل منزلة الضروريات، والله أعلم.

أو يقال: النهي عن قتل النفس والوعيد عليه مطلقٌ، قيّدناه بما لم يكن لإعلاء كلمة الله -بشروطه- بالدلائل المشار إليها.. والله أعلم.

فهذا حاصل عمدة ما استدل به الشيخ على تحريم العمليات الاستشهادية، مع الجواب عليها مما تحصّل من بحوث العلماء المجوّزين لها.

وأما باقي كلامه فهو كما ذكرت في المقدمة قد مزج فيه بين الاستشهادية والتترس، وليس هو محل بحثنا الآن، أو هو من باب الاستئناس وليس دليلا أصليا؛ كالمحاذير التي أشار إليها من اعتبار قيمة الأخ المجاهد الذي وصل إلى درجة أن يطلب الاستشهاد، وعدم جواز أن نفرّط فيه بسهولة، ونحو ذلك، وهو في جملته كلام حق وصدق نوافقه عليه، ولا يتعارض عندنا مع القول بتجويز العمليات الاستشهادية حيث احتيج إليها وقُدّر حصول النكاية المعتبرة بها وتوفّر فيها شرط الإخلاص لله تعالى وإرادة نصر الدين وإعلاء كلمته ﷻ.

وأما تحريمها من جهة أنه يقتل بسببها معصومون آخرون فهذه مسألة أخرى، فحيث منعناها هنا فإنما لمانعٍ خارجيّ، كما أشرنا إليها وقلنا إن الشيخ أبا بصير مزج بين المسألتين، ولا تلازم.

تكميل: قوله: «وما استُدل به على جواز أن يقتل المرء نفسه بنفسه لغرض إنزال النكاية بالعدو.. كالأدلة الدالة على جواز الإقدام والانغماس في صفوف العدو.. وقصة الغلام مع الملك.. ومسألة قتل الترس.. فهي أولًا لا تعني أن يقتل المرء نفسه بنفسه.. وإنما تعني أن يُقتلَ على يد عدوه أو غيره لا بيد نفسه.. وهي ثانيًا متشابهة في دلالتها على جواز قتل المرء لنفسه بنفسه لغرض النكاية بالعدو.. حمَّالة أوجه ومعانٍ.. يُمكن صرفها إلى أكثر من معنى.. وإلى أكثر من وجه.. غير معنى ووجه قتل النفس بالنفس.. وما كان كذلك لا يصلح أن يكون دليلًا في المسألة.. ولا تُرد بمثله الأدلة المحكمة القطعية في دلالتها وثبوتها.. ولا يقوى على دفعها ومعارضتها» اهـ.

ص 1482

في هذا الكلام نظر من وجوه وفيه عدة مسائل متداخلة، أبينها في نقاط:

منها: أن الاستدلال بأدلة الانغماس، هو قياس بجامع تيقّن الانقتال، وأن المنغمس متسبب فيه؛ فهو كالفاعل لقتل نفسه، هذا وجه استدلالهم به، وهو قوي، وإن لم يكن قاطعا في المسألة.

ومنها: قصة الغلام، وهو أقوى أدلة المجيزين، ووجهه أن الغلام دلّ الملك الكافر الظالم على طريق قتله، بعد أن أعجزه ذلك، لغرض نصر الدين ودعوة الحق وأن يؤمِن الناسُ، ومنْ دل على قتلِ نفسه فهو كالمباشر لقتل نفسه، ولا فرقَ مؤثرًا هنا، والله أعلم، فتمَّ الدليل على أن الغلام قتل نفسه (في حكم من قتل نفسه إذ لا فرقَ) لغرض نصر الدين وإعلاء كلمة الله، فصحّ أنه ليس بمنتحر، وصحّ قولنا إن الانتحار غير الاستشهاد، والله أعلم.

ولو أن إنسانًا أراد التخلص من حياته جزعا وقلةَ صبرٍ على الهموم والبلاء ونحوه؛ فاستدعى صبيّا لا يميّز أو مجنونًا فأمره أن يشغل عليه جهاز كهرباء قاتلًا، أو أن يطلق عليه نارًا من سلاحٍ أو نحو ذلك، فهو قاتل لنفسه عند الجميع بلا خلافٍ.!

ومنها: الاستدلال بقتل الترس المسلم في مسألة «التترس»؛ وهو قياس أيضا، فإن الإجماع حاصل على جواز قتل الترس في بعض الصور، فصار في بعض صوره أصلا يمكن القياس عليه.. الجامعُ أنه قتل لنفسٍ مسلمة معصومةٍ تعيّنَ سبيلا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه، ولا فرقَ مؤثّرًا بين قتل المرء نفسه وبين قتله لنفس غيره من المسلمين المعصومين كعصمته أو أشدّ..! بل الذي قرره العلماء أن قتل الغير أشدّ وأغلظ من قتله لنفسه، فهو من باب أولى إذن، وهذا قوي كما ترى.

إذا تبيّن هذا، فقول الشيخ أبي بصير: «فهي أولًا لا تعني أن يقتل المرء نفسه بنفسه.. وإنما تعني أن يُقتلَ على يد عدوه أو غيره لا بيد نفسه» اهـ، لا يؤثر، لما بيّنّا أنه لا فرقَ بين أن يقتل نفسه وبين أن يقتل نفس غيره، ولا بين أن يباشر قتل نفسه أو يدلّ على ذلك ويتسبب فيه عالمًا مختارًا مريدًا.

ص 1483

ثم قوله: «وهي ثانيًا متشابهة في دلالتها على جواز قتل المرء لنفسه بنفسه لغرض النكاية بالعدو.. حمَّالة أوجه ومعانٍ.. يُمكن صرفها إلى أكثر من معنى.. وإلى أكثر من وجه.. غير معنى ووجه قتل النفس بالنفس» اهـ.

يقال في جوابه: ما هي الأوجه والمعاني المحتملة غير معنى ووجه قتل النفس بالنفس؟ بيّنها!! وأما الاعتراض المجمل فلا يفيدُ، وقد بيّن المجيزون وجه احتجاجهم بالأدلة المشار إليها كما ذكرناه.

والحق أنه ليس فيها معانٍ ولا وجوه غير ما ذكره المجيزون، وبه يتّضح أنها استدلالات صحيحة، وأن الجمع بينها وبين الأدلة المحرّمة لقتل النفس ممكن متيسّر ولله الحمد كما سأذكره إن شاء الله.

وقوله: «وما كان كذلك لا يصلح أن يكون دليلًا في المسألة.. ولا تُرد بمثله الأدلة المحكمة القطعية في دلالتها وثبوتها.. ولا يقوى على دفعها ومعارضتها» اهـ.

جوابه: أن يقال: إنما يقال هذا في حال نصبِ المعارضة بين الأدلة، وتعطيل بعضها، والمجيزون ليسوا كذلك؛ فهم يقولون: لا تعارض بين ما بيّناه من الاستدلال بحديث الغلام والقياس على التترس والانغماس، وبين الأدلة الدالة على تحريم قتل النفس بغير حقّ، وحاصلُ ذلك راجع إلى أن ما جوّزناه قتلٌ للنفس بحقّ وهو قتل مشروع مأذون فيه دلت على ذلك الأدلة المذكورة بشروطه المذكورة، وما تدل عليه النصوص الواردة في تحريم قتل النفس والوعيد على ذلك بالنار والعذاب هو قتل بغير حقّ، وقتل غير مأذون فيه، وهو قتلها جزعا ومن قلة الصبر واستعجالا للتخلص من الألم ونحوه، لا لإعلاء كلمة الله؛ فانفكّت الجهة فلا تعارض، وأمكن الجمع بين الأدلة ولله الحمد على وجهٍ لا تعسّف فيه، بل هو وجهٌ قريبٌ ظاهر، وبذا يكون المجيزون للعمليات الاستشهادية أسعدَ بالعمل بجميع الأدلة وإعمالها كلها والجمع بينها وعدم تعطيل شيء منها، ولله الحمد والمنة.. وأما من يمنع العمليات الاستشهادية؛ فإنه قد عطّل بعض الأدلة وأظهرها دليل قصة الغلام، والله أعلم وأحكم ولا حول ولا قوة إلا به.

ملاحظة: قول الشيخ: «قواعد الشريعة تُلزم العمل بمجموع النصوص.. وعدم اللجوء إلى القول بالنسخ، أو التعطيل، أو تقييد المطلق إلا في حالة استحالة التوفيق بين مجموع النصوص» اهـ.

ص 1484

أما في النسخ والتعطيل (أي الترجيح؛ وهو ترجيح أحد الدليلين المتعارضين والعمل به، وترك الآخر حيث لم يمكن الجمع) فكلامه صحيح، وأما في التقييد فلا.! بل حيث صحّ القيدُ أعمِلَ بشروطه المقررة في الأصول، ولا يقال: لا نعتبر القيدَ إلا في حالة استحالة الجمع، والله أعلم.

هذا أهم ما حضرني من التعليق على فتوى الشيخ أبي بصير وفقه الله وسدده، وجزاه الله خيرا على نصحه للمسلمين وشفقته وبارك الله في علمه وجهوده.

هذا ولا يفوتنا التنويه بما ذكره الشيخ وأصاب جزاه الله خيرا من النصح والتحذيرات والانتقادات لبعض ما هو جارٍ في بعض ساحات الجهاد من المبالغة في خوض العمليات الاستشهادية في غير نكاية معتبرة وفي غير وجه حاجة ملحّةٍ ظاهرة، حيث يمكن الاستغناء عنها وحفظ روح المسلم، وما أشار إليه بقوله: «قد بلغني أن بعض ساحات الجهاد المعاصرة التي يقصدها الشباب المسلم المجاهد من جميع الأمصار.. أول ما يُخيَّر الشاب الذي يصل إلى تلك الساحات بخيارين لا ثالث لهما: إما أن يرضى أن يكون مشروعًا استشهاديًا تفجيريًا، جهاده كله بل وحياته كلها محصورة في عملية واحدة لا غير، قد تصيب وقد تخيب.. وما أكثر العمليات التي تخيب.. وإما أن يعود من حيث أتى» اهـ، فهذا إن صحّ فهو منكر يجب أن يؤخذ على أيدي إخواننا فيه، والله المستعان.

كما أصاب الشيخ وفقه الله في التفصيل الذي ذكره في مسألة: هل القائم بالعملية الاستشهادية شهيد أو لا؟، فما ذكره هو الحق إن شاء الله، وهو قوله: «إلا أن صاحبها إن كان متؤولًا قد اعتمد على أدلة المجيزين لها واعتقد أنها هي الراجحة والتزم بشروطهم وقيودهم، أرجو أن يكون شهيدًا ومن أهل الوعْدِ، والنعيم والجنان، وأن يغفر الله له إن شاء الله. أما إن كان يعلم بحرمتها، وكان معتقدًا بأن الأدلة التي تُفيد التحريم هي الراجحة، أو كان في شك وريب من حلها وجوازها، ثم هو مع ذلك أقدم على فعلها -لسبب من الأسباب- فهذا منتحرٌ وقاتل لنفسه بنفسه، وهو من أهل الوعيد والعذاب» اهـ، نسأل الله العافية والسلامة.

ونسأله ﷻ لنا ولسائر إخواننا الهدى والسداد، والتوفيق لما يحب ويرضى إنه وليّ حميد سميع قريب مجيب، برٌّ رؤوف رحيم.. آمين

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

كتبه: عطية الله

الاثنين 24 رجب 1426هـ

•••