۞ جهاد المرأة المسلمة

في تصوّري أن أهم جهاد تقوم به المرأة هو وقوفها مع الرجل؛ زوجًا كان أو ابنًا أو أخًا أو غيره، أعني «وقوفها وراءَه» كما يُقال في لغتنا الاستعمالية؛ بمعنى أن تكون معه مشجعة دافعة فرِحة مؤيدة حاملة لهمه حافظة لسرّه أمينة عليه وعلى شأنه.. إلخ، وذلك يتطلب حظًا وافرًا من «الحق والصبر»، وأنا أعتقد أن جزءًا كبيرا من مهمة إصلاح الرجال يتم عن طريق إصلاح النساء، وأن جزءًا كبيرًا من عطاء وبذل الأبطال وراءه نساءٌ شامخات..

ولا بأس أن أحكي شيئا خطر ببالي الآن وأنا أكتب هذه الكلمات لتصوير الفكرة؛ فإنني رصدتُ في تجارب الإخوة الذين ابتلوا بالسجن في بلادٍ كثيرة شيئا عجيبًا تكفي حكايته عن شرحه، يحدثنا الكثير من الإخوة يقولون: كنا في السجن؛ فيأتي يوم الزيارة، زيارة الأهل لذويهم من الرجال المسجونين، من وراء القضبان، ربما لمدة خمس أو عشر دقائق، فتجد عجبًا؛ تجد بعض الإخوة تأتيه زوجته تزوره فينقلب بعد زيارتها له بطلا وعملاقا قوةً وصلابة وهمة وصبرًا وانشراحَ صدر وقدرةً على الصمود والمقاومة لكيد الكفرة الظلمة، قد أخذ من هذه الزيارة شحنةً لشهورٍ آتية..

وتجد آخر تأتيه زوجته تزوره كمثل الأول، لكن ما إن تنتهى الزيارة حتى تجد الرجل محطّما محبطًا كئيبًا منهارًا والعياذ بالله، قلقًا مضطربًا ضيّق الصدر، ازداد همًّا على همه وغمًّا إلى غمه، وإنا لله وإنا إليه راجعون..

والسبب أن الأول تأتيه زوجته مصبّرة مبشرة مشجعة، تقول له: نحن بخير ولا ينقصنا شيء إلا تفريج كربك وحصول حريتك قريبا إن شاء الله، ونحن جميعًا ندعو لك، وساعون لكم، واصبر يا زوجي واثبت والله معك، ولا تقلق علينا ولا تخف، وأولادك بخير كلهم، والحمد لله أهلك طيبون معنا وإخوانك وأخواتك ويعاملوننا أحسن وأعظم معاملة؛ احترام وشفقة ورحمة إحسان وسعي في مصالحنا وسهر علينا، والإخوة ما قصروا، والجميع يخدمنا.. إلخ.

والثاني تأتيه زوجته فتقول له -بجهلها وقلة عقلها-: «خصّنا وخصّنا» و«مشتاقين الخبزة مش امحصّلينها» و«أخوك قال وما قالش» و«أمك.. وأختك..» وفعلوا فيّ وقالوا لي، والأولاد ضربوهم.. إلخ، من كلام النسوان الجاهلات؛ فيسودّ وجهه المسكين ويتحطّم، نسأل الله أن يعافينا وإخواننا وأخواتنا جميعًا.

فانظروا إلى بُعدِ ما بين المثالين.. الله أكبر.!

ص 1525

ولا بد أن نلاحظ أنه في المثال الأول قد يكون كلام المرأة بعضُه أو كثيرٌ منه كذبٌ؛ بمعنى أنها تكون بالفعل تعاني من سوء معاملة أسرة زوجها لها ومعاملتهم لأولادها أو إهمال الأصدقاء والأقارب لها ولأولادها، وقلة ذات يدها المسكينة، وهذا من الابتلاء والفتنة التي تتعرض لها المرأة، والله يخلق ما يشاء ويختار ويبتلي عباده على مقتضى حكمته وهو الحكيم العليم واللطيف الخبير سبحانه، لكنها -هذه المرأة- تخفي عن زوجها المسجون كل ذلك؛ لأنها تعرف -بذكائها وزكائها- أن ذلك يحزنه ويُحبطه ويُضعِفه..

وقد حصل ذلك بالفعل في إحدى القصص والوقائع الخاصة التي أعرفها، فهذه هي المرأة حقًا.

فإذا قدرتنّ يا أخواتي أن تساهمن في صناعة مثل هذه المرأة فقد نجحتنّ نجاحًا عظيمًا حقا، فما بقي إلا الاحتساب فقط، وإلا فهذا جهادٌ يوازي وربما فاق جهادنا نحن الرجال..

عطية أبو عبد الرحمن

ربيع الآخر 1430هـ

•••

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: ۞ جهاد المرأة المسلمة

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا