توضيحات في المسألة الجزائرية وقضية الجهاد
[تم نشـر هذا المقال في منتدى «أنا المسلم»، ربيع الآخر 1425]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
فهذه توضيحات في قضية الجهاد في الجزائر وفي فكر المجاهدين عموما كتبتها مساهمة في تنوير مشايخنا وعلمائنا على ضوء مناقشة ما كتبه الشيخ «ناصر العمر» وفقه الله، راجيا من الله تعالى التوفيق والسداد وحسن الأدب والعرض والقبول لديه ﷻ؛ فما كان فيها من حسنٍ فمن الله وحده وبتوفيقه ومنه أستمد وعليه أعتمد، وما كان غير ذلك فهو مردود إلي وعليَّ وأنا عنه راجع.
هذا ولم يكن الغرض الأساس هو مناقشة ما كتبه الشيخ «ناصر» وإن كان هناك شيء من ذلك، بقدر ما قصدت التوضيح والتنوير كما ذكرت.. وليعلم أني لا أمثل جهة من المجاهدين، ولست ناطقا رسميا باسم أي جهة، وإنما أكتب ما أكتب بحسب ما أعلم وأرى، فإن أخطأت في تقرير بعض آرائهم فهو خطأي، وأنا من أحباب الجهاد والمجاهدين، نسأل الله أن يجعلنا منهم ويحشرنا في جملتهم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الـمَلِكِ المعبود:
وسأقرر هنا رأيي في المسألة الجزائرية بما يشبه المتن، على أن أفصله أو بعضه بما يشبه الشرح فيما بعد، فأقول وبالله المستعان.
الجهاد في الجزائر عند انطلاقته في عام 92 م ضد السلطات الحاكمة في الجزائر كان جهادًا مشروعًا؛ فهو خروج بالسلاح على سلطات كافرة مرتدة، توفّرت لدى المسلمين والطائفة المجاهدة منهم قدرة عليه، وتوفرت له أسباب النجاح ووسائل الوصول إلى الهدف المنشود، وهو إزالة هذه السلطة والدولة الكافرة وإقامة دولة تحكم بشريعة الله تعالى مكانها.. لكن هذا المشروع الكبير حصلت له انتكاسة مهلكة وانحرفت مسيرته، وبالتحديد منذ النصف الثاني من سنة 95م، وهذا الانحراف وهذه الانتكاسة هي شيء داخليّ ذاتي، ولها أسباب وعلل، وخلاصتها أن الانحراف وقع على مستوى القيادة حيث تولّت قيادة فاسدة منحرفة وبلغ انحرافها وضلالها حدًا كبيرا في الوقت الذي كانت الدولة الكافرة توشك أن تنهار بالفعل، والمشروع الجهادي بصدد أن ينجح ويحقق هدفه.. والآن نحن في مشكلة وأزمة إن شئتَ، وقد كتبتُ مقترحًا للمجاهدين وللجادين من أهل العلم لمحاولة حلها.
فهذا هو المختصر، والآن إلى شيء من التفصيل:
فأما تحديدي لانطلاقة الجهاد بسنة 92؛ فلأنها الانطلاقة العامة الشاملة للثورة الجهادية عقب إلغاء الانتخابات التي فازت بها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، ولم ألتفت إلى أعمال مسلحة قبل ذلك لأنها صغيرة وأشبه بالفردية، والكلام فيها ليس من غرضي الآن.
وقولي إنه كان جهادًا مشروعا؛ فلأنه بحمد الله خروج على سلطات كافرة وكفرها كفر ردة، وقد ملك المسلمون أو الطائفة التي قامت بالجهاد منهم القدرة والإمكانية للقيام في ذلك، وظنوا بل استيقنوا أيضا التمكن من عدوّهم والانتصار عليه بإذن الله (بغض النظر عما حصل بعد ذلك لأنه في علم الله وحده)، وتوفّرت لهذا الخروج وهذا الجهاد المسلح وهذه الثورة أو المشروع الجهادي كما عبرت عنه.. أقول: توفرت له أسباب النجاح، وهي في أهم نقاطها:
1- عدالة القضية ومشروعيتها، فعلى المستوى الشرعي: ما عليه الحكومة من الكفر واللائكية ومضادة الدين، في مقابل الحركة الإسلامية المتمسكة بدينها الداعية الى ربها، وعلى المستوى الأدبي والسياسي والثقافي: فقد كانت قضية إلغاء الانتخابات التي فازت الجبهة الإسلامية بدورتها الأولى بأغلبية ساحقة، كانت هي أهم عامل؛ فهؤلاء قوم منعوا حقهم الذي حصّلوه بطريق سلمي ولم يبق لهم خيار إلا العنف، فهم مظلومون وحقهم مغتصب، أضف إليه أن عدوهم (السلطات) هو الذي بدأ بالعنف.. الخ.
2- وهي ثمرة للأولى، التأييد الشعبي الكبير جدًا، والذي قلّ نظيره في تجارب مماثلة في القديم والحديث، حتى بإمكان الإنسان العارف بالأحداث والمعايش لها أن يقول بكل اطمئنان: إن نسبة سبعين في المئة على الأقل من الشعب الجزائري كانت مع المجاهدين، بمعنى التعاطف، والتأييد والمحبة والفرح بهم.. ونحو ذلك، ثم هم بعد ذلك في إيجابية موقفهم وبذلهم مع المجاهدين درجات متفاوتة، وذلك في غالب أنحاء الوطن الجزائري الكبير، وقد تصل نسبة التأييد للمجاهدين إلى مئة بالمئة في بعض المناطق، وهي مجتمعات حضرية كبيرة في البلاد كبعض أحياء العاصمة وبعض بلديات البليدة وغيرها.
3- وهي ثمرة للأولى أيضًا؛ تأييد الرأي العام العربي والإسلامي، وحتى الدولي، وهذا له أهمية ظهر كثير من آثارها في عمليات التهريب والتعامل مع الخارج.
4- ضعف النظام الحاكم في الجزائر وتآكله، وتراكم المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية عليه، وفقده للمصداقية وكسبه عداء الشعب وكراهيتهم البالغة، أضف إليه ضعفه أيضا في جهة المقدرة العسكرية لو قورن حتى بأنظمة أخرى مجاورة، فمن ناحية توفّره على القوات المستعدة والمدربة على مواجهة حرب عصابات، أو من ناحية التجهيزات والخبرات وغيرها هو ضعيف جدا.
5- وجود القدرة لدى الطائفة المجاهدة، ويكفي في ذلك الظن الغالب، وقد كان موجودا، بل أعلى منه ربما، وتمثلت عناصر القدرة في أشياء أهمها: الطاقات البشرية، والتنظيمية، وتوفّر قدر كافٍ من السلاح مع إمكان الحصول عليه بغير صعوبة بالغة من طرق متعدد، واتّباع أسلوب حرب العصابات الذي لا يعرفه كثير من شيوخنا للأسف ولا يتصورونه ربما، فضلا عن أن يمارسوه أو يذوقوا حلاوته، والذي مبناه على فكرة: قوة صغيرة متماسكة لها عقيدة وقضية عادلة.. الخ تقضي بالتدريج وبالضربات المتوالية ونظرية «حرب البرغوث» على قوة كبيرة مهلهلة مخلخلة فاقدة للشرعية والقضية العادلة.. الخ.
وسأذكر لكم بحول الله تعالى أنه بالفعل كاد وأوشك واخلولق أن يقع المظنون من هزيمة الدولة وانهيارها وزوالها بالكامل، لولا الأقدار السابقة التي تمثلت في الانتكاسة التي حصلت، وهي كما أشرت ويأتي شرحه إن شاء الله، انتكاسة داخلية ذاتية من داخل الصف الإسلامي نفسه فليست هي هزيمة من العدو بقوته أو شطارته، ولا هي نتيجة لضعف المسلمين ولا قلة عددهم وعُدّتهم كما يظنه بعض من لا يعرف، ولا حول ولا قوة إلى بالله.
وأما قولي: إن النظام الحاكم أو السلطات التي تحكم البلاد والتي خرج عليها المجاهدون وحاربوها هي سلطات كافرة، فهو نظام علماني لائكي «لا ديني» يحكم بغير ما أنزل الله، بالقوانين الوضعية وشريعة مخترعة وأخلاط من زبالات أفكار البشر، ويشرّع ما يشاء مما لم يأذن به الله تعالى، ومحارب للدين، موالٍ للكفار منسلخ من دين الإسلام عمليا وحقيقةً.
ولا أريد أن أدخل هنا في بحث نظري لهذه المسألة لأن لها مواضعها، ولأنها قتلت بحثًا ونقاشًا في كل مكان، وهي المسألة المحورية في الفرق بين التيار الجهادي وبين من يخالفهم، لكني سأركز هنا قليلا على مسألة مهمة رأيت الشيخ «ناصر العمر» وغيره يركزون عليها ومعهم حق وهي:
هل قال بكفر النظام وهذه السلطات عالمٌ يعتدّ به، وهل أيّد الخروج على هذه الحكومة وجهادها عالمٌ، أو هي اجتهادات من طلاب علم صغار؟؟
فأقول: إن الإخوة عندهم في ذلك فتاوى وتأييد من علماء كبار..
أما في «الجزائر» فمن العلماء الكبار المؤيدين للمجاهدين في جهادهم الشيخ «أحمد سحنون» رحمه الله وهو شيخ الشيخ الداعية والمصلح الاجتماعي الكبير «محمد السعيد» رحمه الله، الذي قتلته «الجماعة الإسلامية المسلحة» المنحرفة، وقد حاولت السلطات المرتدة مع الشيخ «سحنون» مرارًا وتكرارًا، ومارست عليه ضغوطا كبيرة لكي يدينَ المجاهدين فأبى.
ومنهم الشيخ «علي بلحاج» حفظه الله وأيده، وهذا معروف.
ومنهم الشيخ «يخلف شرّاطي» رحمه الله، وقد قتل في السجن في مجزرة سجن «سركاجي» سنة 95 وقد كان أصدر فتواه المشهورة على أشرطة وانتشرت في البلاد قبل اعتقاله وسجنه.
وهناك غيرهم من غير المشهورين.
والجزائر ليس فيها الآن علماء كبار مشهورون كُثُر -وقد كانت بلاد علم وعلماء- أعني من المستقلين الموثوقين، وأما علماء السلطة والمشايخ الرسميون (كجيلالي وحماني وأمثالهم) فلا عبرة بهم.
وأما من خارج الجزائر فهناك علماء في المغرب وفي موريتانيا، وغيرها أيدوا المجاهدين وأفتوا لهم.. وقد حكى لنا الإخوة عن علماء في الباكستان وفي الجزيرة أيضا أيدوا ونصروا الجهاد في الجزائر في ليبيا سنوات 1994 و1995 بارك الله فيهم، ولأنهم لا يزالون أحياء فمن الأحسن عدم ذكر أسمائهم لما تعلمون، ولكني على الأقل سأتحدث عن نفسي فيما علمتُ، لأن هذا الكلام يفيد من يعرفني، أما من لا يعرفني فأنا أعذره طبعا ومعه حق وأنا لا أملك في وقتي هذا أكثر من ذلك، ولست بصدد إقامة الحجة على أحد.. فأنا أعرف خمسة من العلماء في موريتانيا ممن كانوا يرون كفر الحكومة الجزائرية ويؤيدون المجاهدين في الجزائر وينصرونهم ويذبون عنهم ويدعون لهم ويفرحون بأخبارهم؛ اثنان من هؤلاء العلماء هما من العلماء الكبار، في درجة كبار العلماء في السعودية مثلا -وهذا للتقريب- والآخرون على الأقل هم في مرتبة الشيخ «ناصر العمر» وطبقته (وهذا للتقريب أيضا، وإلا فالعلم لا يوزن بالكيلو) وليسوا هم بحمد الله من المقلدين ولا المتعصبين للمذهب (المالكي) بل هم متبعون للدليل ناظرون في المذاهب والحجج.
وقد درست بمنّة الله على بعضهم في اللغة والفقة والأصول، ومن لم أدرس عليه فالتقيتُ به وسمعت منه بنفسي إلا واحدًا منهم فقط سمعت كلامه في الجهاد في الجزائر بواسطة الثقة.
فالقول بأن الجهاد في الجزائر لم يؤيده العلماء غير صحيح، اللهم إلا أن يريد الإنسان الإجماعَ، فهذا ربما لن يحصل إلى يوم الدين، فأبشروا بالراحة.
واعلموا أن العلماء الصادقين في معظم بلاد المسلمين ﴿عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ﴾ [يونس: 83] ومن حكوماتهم المراقِبة لهم والمتربّصة لهم، وكثير من أهل العلم لا يصرّح بآرائه إلا لخواصّه، ويتحاشى أن يكتب شيئا أو يعلن في العامة رأيه، بسبب المخاوف والاضطهاد والتهديدات والله المستعان، فليكن هذا منكم على ذكر.
بقي عليَّ شرحُ أشياء.. الله أعلم هل أتمكن من شرحها أو لا.
الانتكاسة التي حصلت للعمل الجهادي، وانحراف الجماعة الإسلامية المسلحة «الجيا» وهي أكبر الكتل والتنظيمات التي كانت تعمل عبر الوطن الجزائري، كيف حصلت هذه الانتكاسة وهذا الانحراف، أسبابها وعللها؟ على من تقع المسؤولية؟ ثم ما نتائج ذلك؟ وإلامَ آلَ الوضع بعدها؟
وهذا كلام طويل جدا، وهو أشبه بالتاريخ، لكن فيه عبرًا ودروسًا مهمة لمن وفقه الله، والله المستعان، ثم بعد ذلك الوضع الآن.
والكلام على «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» وهي أهم كتلة وتنظيم جهادي موجود في الساحة في هذا الوقت.. الكلام على هذه الجماعة وتقييمها، ونقدها، وبيان ما عندها من حق وصواب، وما عندها من خطأ وباطل بحسب ما نراه، الآفاق للعمل، وفرص النجاح أو الفشل، هل الجهاد مشروع الآن وما درجته؟ أم هل نحن في أزمة ومشكلة، ووصلنا إلى طريق مسدود؟ كيف الحل؟ وما المخرج العملي؟
وقد كتبتُ في هذا بشكل مختصر في اقتراحي الذي أشرت إليه على الروابط المذكورة أعلاه، والذي لم يعلّق عليه الشيخ «ناصر العمر»، فلا أدري هل قرأه أم لا؟ المفروض أنه قرأه أو قرأه أصحابه -أسرة التحرير في موقعه-؛ لأنهم اطلعوا على ما كتب في «أنا المسلم» وعلق الشيخ على بعضها.
❖❖❖
فصلٌ
الاعتراض على مشروعية الجهاد في الجزائر وما شابهها من ثلاثة أوجه رئيسية حسب ما يظهر من اعتراضات المخالفين:
الأول: أن الحكومة مسلمة ولا نكفرها ولا يجوز الخروج عليها.
الثاني: سلّمنا أنها كافرة، ولكن لا نخرج عليها لعدم القدرة، إما لعدم القدرة ابتداء، أو لأن القدرة التي تظنونها في البداية خادعة؛ فإنكم وإن أمكنكم الدخول في حرب مع الحكومة في البداية فإن الاستمرار صعب، وشاقّ جدا، وكلما طالت الطريق كان مظنّة الفشل.
الثالث: سلّمنا أن الحكومة كافرة وأنكم تقدرون على منابذتها (الخروج المسلّح عليها) وتغييرها، ولكن هذا مشروع كبير جدًا ودونه خراب البلاد ودمار هائل في الممتلكات، وانقطاع السبل، ومقاتل عظيمة، وإراقة دماء لا يعلمها إلا الله، وانتهاك أعراض.. الخ.
❖❖❖
تنبيه حول مصطلح «القدرة» ومعنى لفظ «القدرة» في كلام العلماء:
الظاهر من استعمال أهل العلم ولغتهم أنهم يقصدون بالقدرة أو التمكن، أو الاستطاعة معناها المعروف، وهو معنى الاستطاعة المشروط لوجوب كل التكاليف الشرعية إجماعا، والمدلول عليه بنصوص الوحي المتكاثرة كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286] وأخواتها في القرآن، وكقول النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه)٨٨٨صحيح البخاري (7288). ونحوه.
وهذا معناه مجرد التمكّن وإطاقة الفعل، من غير أن يدخل فيه ملاحظة ظن أو تيقّن تحصيل المقصود، وهو هنا في مسألتنا إزالة دولة وإقامة دولة مكانها، والله أعلم.
ومن الباحثين اليوم من يوسّع معنى القدرة، فيدخل فيها القيد المذكور، فيجعل معناها في مسألتنا الإمكان المذكور مضافًا إليه ظنّ أو تيقّن حصول المقصود، وظن أو تيقّن عدم حصول مفسدة أعظم من الموجودة أصلا، وعلى هذا فيرجع فيه إلى الحكم العاديّ بالمقايسة بأمثاله، ويحكم فيه أهل الخبرة والعلم بشأن الحرب وفنون القتال والسياسة.
فهذا اصطلاح، ولا مشاحّة، لكن ينبغي التنبه للمراد عند كل متكلم.
على أن شرط عدم تأدية الخروج إلى منكر أكبر من الموجود في الأصل هو شرطٌ متفق عليه فيما أعلم، وصورتُهُ: أن يخرج المجاهدون على الحكومة الكافرة وهم غير مستكملين القدرة؛ فلا هم أزالوا الكافر ولا هم أراحوا الناس وحافظوا على المصالح الموجودة على قلتها، بل بقي الكافر واستمر، وربما ازداد قوة وتمكّنًا، فيبقى ما حصل من قتل ودمار وانتهاكٍ وغيره مفاسد إضافية.
وأنا أنصح بتحرير هذه المسألة بشكل وافٍ، فليت بعض المشايخ يتفرّغ قليلا لبحثها وتحريرها، ولنشرع الآن في التعليق على بعض ما ورد في كلام الشيخ «ناصر العمر» وفقه الله وسدده
قوله: «وكثير من الدعاة وطلاب العلم في الجزائر منحازون عن القتال، بل يدينونه من أول ما وقع ولم يكونوا مجمعين عليه» اهـ
سيأتي التعليق عليه.
قوله: «وأذكر من يزعم أن الواقع فرض عليه ذلك بحال المسلمين في مكة لم ينطلق المسلمون إلى قريش ولم يقولوا فرض علينا هذا الأمر.. فكانوا يؤمرون بالصبر» اهـ
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
تَدَاعَوا لِحَرْبٍ وَقُمْنَا لِسِلْمٍ | فَكَانَ لَهُمْ سَبْقُ لَمْسِ الزِّنَادِ |
وهي قصيدة طويلة مطلعها:
«تَمَزْقِيدَةُ» رَمْزُ هَذِي البِلَاْدِ | جَبَالٌ رَوَاسٍ قِلَاعُ الْجِهَادِ |
وقد كرر الشيخ الاحتجاج بحال النبي ﷺ وأصحابه في مكة، ومسألة العهد المكي والاحتجاج بها على هذا النحو فيها بحث، ولا أريد التطويل بها هنا، وقد بحثت كثيرا.
قوله: «ومع أني لست ممن يرى تعطيل هذا الحكم العظيم [يعني التكفير] ولكن تنزيل هذا الحكم على الواقع لا يُترَك لكل طالب علم..» اهـ.
مرة ثانية الشيخ يتحاشى التصريح برأيه في حكام الجزائر أو النظام الحاكم فيها هل هم كفار أو لا! ونحن نعذره إذا كان ذلك ناتجا عن مراعاة أسباب أمنية مثلا، لكننا نرفض التلبيس والتعمية في الوقت نفسه.. وكونه لم يهده اجتهاده إلى تكفيرهم، فللناس اجتهاداتهم، والحق أن الشيخ -لرفيع أدبه- يسلم للإخوة اجتهاداتهم ويكرر كثيرا أن هذه هي نصيحته ورأيه لا غير.
قوله: «والعلماء تحدثوا عن هذا وبينوا أن القدرة شرط من شروط الخروج على الحاكم الكافر» اهـ
وقوله بعد: «فالحاكم الكافر وإن تحقق كفره لا يجب الخروج عليه إلاّ إذا ثبتت القدرة أو الاستطاعة على تغيره بمفسدة لا تتعدى مفسدة بقائه؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ومنع المفاسد وتقليلها، ومن أهم ما جاءت الشريعة بحفظه الضروريات الخمس، والتي منها النفس والمال والعرض، فهذه جميعًا لا بد أن تعتبر عند المقايسة بين المفاسد، وخاصة إن كانت المفاسد متحققة والمصالح متوهمة» اهـ.
هذه عودة إلى مسألة القدرة مرة أخرى، وهنا أمور:
أ - قوله «لا يجب..» فماذا عن الجواز؟ والمجاهدون يفصّلون في هذا، وصورته في الأغلب العمليات الفردية وشبه الفردية، فيعتورها المنع والإجازة بحسب المصالح والمفاسد ونحو ذلك.
ب - ثم يقال: لو قال لكم جماعة من أهل البلد أولي بأس: نحن نستطيع محاربة هذا الحاكم وتغييره، لكن نعلم أن هذه الحرب (وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا) سوف تؤدي إلى مقتل المئات بل والآلاف من الناس من المسلمين، والآلاف من جنود الطاغوت (قد يكونون مسلمين وقد يكونون كفارًا) وستؤدي إلى خسائر مادية كبيرة جدا في الممتلكات العامة والخاصة تقدّر بمئات المليارات من الدولارات!! لكننا في النهاية نظن (وربما قالوا: نستيقن، طبعا على فرض التقوى والصدق والخبرة والداراسة الواعية الكافية) نظن أن الغلبة والنصر لنا بإذن الله تعالى.. فما تقولون؟؟؟
وقوله بعد: «وقد نصّ أهل العلم على أن الخروج على الحاكم وإن بدر منه كفر بواحٌ منوط بالقدرة..» اهـ.
يقال: إنهم اشترطوا القدرة للوجوب (وجوب الخروج) ومعناه: أن من قدر فلم يخرج حينئذٍ على الحاكم ولم ينابذه ولم يسع في خلعه وإزالته، فهو مرتكبٌ حرامًا (ما درجته؟) وآثمٌ، مستحقٌّ للعقاب؛ فيقال هنا: فعلى غير سبيل الوجوب؟ هل يجوز؟ أي هل يجوز لغير القادر (على تغيير الحاكم الكافر بحكم العادة) أن يخرج؟
علمنا أنه لا يجب عليه، وأنه يسعه القعود، لكن هل يجوز له؟، مثاله: لو خرج رجلٌ من آحاد الناس على القذافي مثلًا في يوم من أيام زينته واحتفالاته وقتله، إما بتفجير نفسه معه (عملية استشهادية) أو بأن فاجأه برشاش كلاشنكوف أو بيكا مثلا فضرب القذافي وحرسه وموكبه وقاتلهم إلى أن قُتِلَ سواء ظفِر ببغيته وبغيتنا وقتل الطاغوت أو لم يظفر!! وكل ذلك قد وقعت بالفعل أمثلته كما تعرفون، فما تقولون؟
وقوله: «وأما الزعم بجواز الخروج بغير قيد أو شرط فمحلّ نظر..-إلى قوله:- فليأت بدليل» اهـ.
هذه من مسائل الاجتهاد، والمجاهدون لهم فيها تفصيل كما مرّ، وهي غير مسألة وجوب الخروج.
قوله: «ولو نظرنا إلى ما حدث في الجزائر لرأينا المفاسد بينة واضحة؛ فقتل النفوس المعصومة مفسدة، وإهدار الأموال المصونة مفسدة، وانتهاك الأعراض المحرّمة مفسدة، بل كل هذه ضروريات جاء الدين بحفظها» اهـ.
ممن وقعت هذه المفاسد؟ هل هي من فعل الطاغوت أو من فعل المجاهدين؟ الجواب معروف. فما بقي إلا أن يقال: لكن أنتم تسببتم فيها.! فهذا جوابه في غير هذا الموضع، ومختصره أوجه.
أحدها: أننا قائمون بعمل مشروع، وداخلون في حرب على حقّ، وهذه هي الحرب، أتريدون حربًا بلا دمار ودماء وأشلاء؟
وثانيها: أن المفاسد في الدين والأنفس والأعراض وغيرها التي تنتج عن حكم الطاغوت واستمرار سلطته أضعاف أضعاف ما ترون من دمار محاولة خلعه، فها هي الأعراض أمامكم.. هل هي مصونة؟ أليس الطاغوت كل يوم بوسائله المتعددة يفسد بناتنا وشبابنا وأجيالنا؟ ألم تروا دور الدعارة المرخّصة والفنادق العاهرة والفن وتوابعه والإعلام والرياضات النسائية والبحار والسياحة وو؟ ألم تروا الطواغيت كيف يدخلون بلادنا وأبناء شعبنا في حروب جاهلية خاسرة من أجل كراسيهم وجبروتهم فيموتون فيها بالآلاف؟ هذا القذافي أدخل أبناء ليبيا في حرب أوغندا فأكلتهم التماسيح على ضفاف مستنقعات البحيرات الكبرى وأدغالها، وما حرب تشاد عنكم ببعيد!! ولو دخلت الجزائر في حرب مع المغرب، وقد كادت في بعض المرات؛ فماذا سيفعل الشعب البائس ومشايخ السلطان إلا الطاعة والموت في سبيل الطاغوت، ومن الموت فرّوا، (حبّ الدنيا وكراهية القتل)٨٨٩لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ، ولكن جاء في: سنن أبي داود (4297) بلفظ: (.. وكراهية الموت) وصححه الألباني..
وثالثها: أن مفسدة الدين ببقاء حكم الطاغوت أعظم من كل المفاسد، وحيث وجدت فلا نظر إلى باقي المفاسد وهذا يكفي.
وأما إن كانت تلك المفاسد المشار إليها واقعة من المجاهدين؛ فإن إتلاف الأموال في الحرب مشروع بقدره حين يكون في خدمة الحرب وهذه مسألة مقررة مباحثها في فقه الجهاد، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥﴾ [الحشر] وفعل النبي ﷺ في بني النضير٨٩٠صحيح البخاري (2326) عن النبي ﷺ أنه: «حرق نخل بني النضير وقطع»..
ثم يقال: ما الفرق في هذا بين الجزائر وبين البلاد الأخرى التي أيدتم فيها الجهاد كأفغانستان والعراق وفلسطين؟ وأنتم ترون الخراب في فلسطين أضعاف ما ترونه في الجزائر وغيرها.
وفي الأخير: من حقنا أن نبدي ملاحظة مهمة، وهي أننا نرى مشايخنا كثيرًا ما يذكروننا بأن الأموال والأعراض والأنفس وسائر الخمس هي ضروريات جاء الدين بحفظها، وهذا كلام صحيح، لكن لم نرهم يركّزون على فرعٍ مهمٍ في المسألة وهو أن حفظ الدين مقدّم على سائر الباقيات، بما فيها النفس؛ فلم نرَ تطبيقا واضحًا لهذا المبدأ في كلام الشيخ ومن يوافقه.
قوله: «وقد خرج بعض المسلمين في بعض بلاد الله على بعض الحكام الذين كانوا يدينون بدين البعث غير أنهم لم يحسبوا العواقب..» اهـ.
وقوله: «ومن تأمل في أحداث بعض الدول الإسلامية العربية التي وقعت قبل سنوات يجد مصداق ذلك» اهـ؛ يشير الشيخ إلى الجهاد في سوريا وأحداث حماة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وما حصل في مصر وغيرها في السنين الأخيرة، وقد رأينا مواقف الناس إزاء هذه التجارب والمحاولات التغييرية الجهادية على أنماط متعددة؛ فبعضهم يرى أنها غير مشروعة أصلا، إما لأن الحكام مسلمون ولا يجوز الخروج عليهم، وإما لأسباب أخرى مما تقدم الإشارة إليه، وبعضهم مع تسليمه بكفر الحكام أو -على الأقل- يرى أن تكفيرهم مسألة قابلة للاجتهاد، يرى أن هذا أشبه بالعبث لأنه يؤدي إلى دمار وخراب ومقاتل هائلة وضياع أعراض، وتعطّل مشاريع الدعوة والأعمال الخيرية، ورجوع الدعوة سنين إلى الوراء (كذا!) ولا يؤدي إلى نتيجة بحال، وهذه التجارب الفاشلة في كذا وكذا أمامكم، والحل هو الدعوة السلمية إلى الله تعالى والتحرك في الهامش المتاح، ولا ندخل في صِدَام مع الطواغيت، ولا نستفزّ أعدائنا قبل أن نستعد ونقوى ونحصّل القوة المكافئة له، وتكون الأمة على أتم الاستعداد للجهاد، وربما لا نحتاج إليه لأن الأمة ستصلح بصلاح أفرادها، وما الحكومات إلا من أفراد الأمة.. الخ.
وهناك آراء أخرى بَيْنَ بَيْنَ، وقسم من الناس يرى أن الخروج على هذه الحكومات جائز في الأصل وهو جهاد مشروع، لكن وقعت أخطاء وسوء تصرّف حال دون النجاح بالإضافة إلى خذلان الخاذلين من المسلمين ومنهم في كثير من الحالات طائفة العلماء أو بعض هذه الطائفة.
ومنهم من يرى أن المجاهدين في بعض هذه المحاولات لم يكونوا استكملوا القوة والقدرة التي بها يتمكنون من تغيير النظم الكافرة، وبالتالي غلبهم عدوهم.
وهذان الرأيان الأخيران مجموعهما في الحقيقة قول واحد، ويرى أصحابه أن كل حالةٍ وكل بلدٍ ينظر فيها وتدرس على حدة؛ فحيث شُرِع الخروج على الحاكم، ووجدنا القدرة، وظننا تحقيق الهدف بعد الدراسة الكاملة من ناس موثوقين معرفةً ودينًا، وعن تشاور، وحيث كانت الظروف تساعد، ورياح النصر هابّةً، فلنتوكل على الله.
وهذا القول هو أعدل الأقوال وأوسط المواقف، وهو الحق إن شاء الله، وهو قول من عرفنا من قيادات الجماعات الجهادية ورموزها وعلمائها وطلبتها، فمنهم وعلى رأسهم الشيخ الجليل والزعيم المجاهد النبيل «أسامة بن لادن» أيده الله، وأصحابه مثل الشيخ الدكتور «أبي حفص الموريتاني» وغيره، ومنهم «الجماعة المقاتلة في ليبيا» وشيوخها مثل الشيخ «أبي المنذر الساعدي» وغيره حفظهم الله، وسائر قيادات المجاهدين في كل مكان.
❖❖❖
قوله: «وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: «ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور وشق العصا إلا إذا وجد منهم كفر بواح عند الخارجين عليه من الله برهان، ويستطيعون بخروجهم أن ينفعوا المسلمين، وأن يزيلوا الظلم، وأن يقيموا دولة صالحة، أما إذا كانوا لا يستطيعون فليس لهم الخروج ولو رأوا كفرًا بواحًا؛ لأن خروجهم يضر الناس ويفسد الأمة ويوجب الفتنة والقتل بغير الحق- ولكن إذا كانت عندهم القدرة والقوة على أن يزيلوا هذا الوالي الكافر فليزيلوه وليضعوا مكانه واليًا صالحًا ينفذ أمر الله، فعليهم ذلك إذا وجدوا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، وعندهم قدرة على نصر الحق وإيجاد البديل الصالح وتنفيذ الحق» ٨٩١مجموع فتاوى ابن باز (7 / 119).» اهـ.
هذا كلام دقيق من الشيخ ابن باز رحمه الله؛ فقوله: «عند الخارجين عليه من الله برهان»، عبارة دقيقة كما ترى، وتستغني عن التعليق.
وقوله: «أما إذا كانوا لا يستطيعون فليس لهم الخروج، لأن خروجهم يضرّ الناس ويفسد..» الخ، هذا منزّل على التفصيل الذي قدّمته في فرع «جواز الخروج» والله أعلم.
ملاحظة: واضح من كلام الشيخ ابن باز أن معنى القدرة: التمكّن من إزالة الحاكم الكافر وتغييره، لا مجرّد التمكّن من حمل السلاح في وجهه ومقاتلته مع ظن أو تيقّن الفشل وعدم إمكان خلعه وتغييره، وهي شيء مظنون، وينظر فيه إلى الحكم العاديّ، ويحكم به أهل الخبرة، والله أعلم.
قول الشيخ ناصر: «لو تمحّض عسكر الكفر واستبان، ولم يختلط الأمر، فمقاتل هؤلاء بين إحدى الحسنيين: ظفر أو شهادة، وهذا ما لم يتحقق في الجزائر إلا على رأي من يكفّر سائر العسكر، ومن اننتمى للدولة والعامة الذين لم يتبيّن إيمانهم، ولا شك أن هذا غلوّ لا يوافق عليه من ذهب إليه بل هو منكر يجب إنكاره» اهـ.
هذا فيه تفصيل عند المجاهدين فيما نعلم؛ فأما تكفير كل من انتمى إلى الدولة (بهذا التعميم) وتكفير العامة الذين لم يتبيّن إيمانهم -كما عبّر الشيخ- فهذا عند سائر المجاهدين في الجزائر وغيرها غلوّ وضلال مبين، ومنكر يجب إنكاره حقًا، وهو ما وقعت فيه الجيا (الجماعة الإسلامية المسلحة) حين انحرفت كما قدمنا الإشارة إليه، وهو ما يعبّر عنه في الجزائر وغيرها بمنهج «الهجرة والتكفير»، وأذناب «الخوارج»، وقد تبرأ منها المجاهدون الذين كانوا يؤيدونها في الداخل والخارج، وهذا معلوم مشهور.
وأما تكفير سائر العسكر؛ فهذا محتمل، والمجاهدون فيه على أقوال:
منهم من يكفّر سائر العسكر أي الجيش والشرطة وقوات الدرك الوطني والقوات الخاصة وما شابهها من قوات الأمن التابعة للدولة والتي هي اليد الحقيقية للدولة الكافرة المرتدة.. فيحكم عليهم بالكفر عموما ويعاملهم معاملة الكافر.
ومنهم من يفصّل فيجعل الأصل فيهم الإسلام باقيًا، وإنما نحكم بكفر من كفر منهم بسبب عُلِم، احترازًا من الجهّال والمتأولين والآخذين بفتاوى الجامية والمدخلية وعلماء السلطان ونحو ذلك.
وعلى كل حال.. الذي أعلمه في هذه القضية من قول المجاهدين أنهم يفرّقون بين بلد وبلدٍ، وبين مرحلة وحالة، ومرحلة وحالة أخرى.. فليست الجزائر كبلاد أخرى مثلا، وليست الجزائر بعد انطلاق الجهاد وعموم الثورة كالجزائر قبل ذلك.. والله أعلم. وأشار الشيخ في هذه الفقرة إلى مسألة أخرى، وهي مسألة «الاختلاط» وعدم تمايز الصفوف، وستأتي إشارة أخرى إليها.
وهو قول الشيخ ناصر: «.. وأما ما يحدث في داخل بلاد المسلمين من احتراب لم تتميز فيها الصفوف فهو ولا شك فتنة وبلاء ينبغي أن نفرق بينها وبين الجهاد الحقيقي في ميادينه المشروعة» اهـ.
أ- العبارة غير دقيقة؛ فإن أفغانستان أيضا من بلاد المسلمين، وكذلك فلسطين والعراق والشيشان.. إلا أن يقصد الشيخ معنى آخر وهو أننا لا نقاتل إلا الكافر الأجنبي المحتل، فهذه المسألة غلط محضٌ..! ولكن الظن أن الشيخ يرفضها بهذا العنوان، وإن كان كلامه ربما يؤدي إليها.
ب - يقال: ما الفرق المؤثر بين الجزائر وأفغانستان مثلا؟ واسأل خبيرًا ينبئك، هل بدأ الجهاد في أفغانستان إلا كما بدأ في الجزائر؟ ثم الآن ها هم «طالبان» يقاتلون حكومة «كرزاي» في أفغانستان، وهي حكومة معها الكثير من القوى الوطنية وبعضها إسلامي (بالاسم)، وما قولكم في الشيخ «سياف» الشيخ الأزهري والمجاهد السابق العتيد؟ والبروفيسور «رباني» وحزبه «الجمعية الإسلامية»؟ وغيرهم وغيرهم..
فإن قيل: طالبان إنما يقاتلون الأمريكان فهذا خلاف الواقع، بل هم يقاتلون الأمريكان وحكومة كرزاي مجتمعين ومفترقين.. فلو انسحبت أمريكا الآن من أفغانستان فطالبان مستمرون في قتال حكومة كرزاي ومن والاها، فما قولكم أنتم حينئذٍ؟
وهذه العراق، لو انسحب أمريكا منها كذلك، وهذا غير مستبعد في أي لحظة، لظروف سياسية داخل أمريكا وفي العالم، ولتوالي الضربات الشديدة من المجاهدين والمقاومة العراقية زادهم الله بأسًا وتسديدًا ولغير ذلك.. لو انسحبت أمريكا بالفعل، فما قولكم في جهاد حكومة «الياور» و«العلاوي» وأصحابهم؟؟ ونكتفي بهذا..
والمجاهدون يفرقون بين أن يقول الإنسان: أنا لا أقاتل ولا أشجع على الجهاد إلا في فلسطين مثلا وفي الشيشان وأفغانستان والعراق؛ لأن المبررات الشرعية والسياسية والأدبية، والرأي العام وغير ذلك من الظروف والمعطيات المساعدة، كلها تساعد على الجهاد هنا وتجعله أمرًا ممكنًا، فالعدو كافر أصلي محتل للأرض مغتصب للحقوق منجّس للمقدسات، والأمة مجمعة على مشروعية جهاده.. الخ، وبين إنسان يقول: أنا لا أرى الجهاد إلا في هذه الأماكن لأنه يرى هذه الحكومات مسلمة.
فالأول: الخلاف معه راجع إلى تحقيق معنى القدرة، والى نظر سياسيّ شرعيّ.
وأما الآخر: فالخلاف معه أصليّ وفكريّ، وهذه مسألة فارقة؛ فالمجاهدون مثلا يقبلون أن يقول الإنسان: لا نقدر أن نخرج على القذافي الآن، ولكنهم لا يقبلون أن يقال إن القذافي مسلم وليّ أمر.
وسأخبركم أن الشيخ «أسامة بن لادن» على سبيل المثال وكذلك «الجماعة الإسلامية المقاتلة» وكثير من أعيان المجاهدين المعروفين الذين كانوا في ساحة أفغانستان نصحوا بشدّة الإخوة في المغرب وفي تونس بعدم بدء عمل مسلح أو إعلان الجهاد، وكان من رأيهم أن الظروف في تلك البلاد ونحوها لا تساعد على النجاح، وأن الإخوة هناك والمسلمين غير مستعدين وغير مستكملين للقدرة، وأن الدخول في حرب الآن مع الحكومات في تلك الدول سيكون حربًا خاسرة على الأغلب، ولذا نصحوا بالاستمرار في الدعوة السلمية، مع الإعداد وتنظيم الصفوف، واستكمال النقص وجمع الطاقات، وأغراض وفوائد أخرى أيضا.
وأما ما أشار إليه الشيخ من الاعتراض على جهاد الدول المرتدة والحكام والأنظمة الخائنة العميلة من بني جلدتنا من «عدم التمايز في الصفوف»، ويعبّر عنها أيضا بمسألة «الاختلاط بين المسلمين والكفار».. فهذه مسألة فيها بحوث للمجاهدين وهم على دراية بها وتحقيق؛ فتراجع في مظانها من كتبهم وبحوثهم.
❖❖❖
وقول السائل للشيخ: «بعضهم يقول: الدعوة أثبتت فشلها عبر عقود مضت..» الخ.
هذا ليس قول المجاهدين فيما نعلم لا في الجزائر ولا في غيرها؛ فإن صدر من بعض المنتمين للتيار الجهادي فهو -فيما نعلم- لا يمثّل عمدة قولهم الذي عليه جماعاتهم وقياداتهم المعروفة، مع إمكان أن يكون بعضهم قاله على سبيل المجادلة والمعاضدة قاصدًا أن الدعوة السلمية وحدها والعدوّ يقتّلنا لا تجدي وقد ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ﴾ [الحج: 39]، وأما قول المجاهدين فإن الدعوة والجهاد عندهم أخوان وصنوان، ويسيران في خطين متوازيين كما يقال، وبينهما عموم وخصوص من وجهٍ إذا اعتبرنا الجهاد بمعناه الأعم؛ فالجهاد دعوة، والدعوة جهاد.. وعموم وخصوص مطلق إذا اعتبرنا الجهاد بمعناه الأخص وهو القتال، والدعوة أعم حينئذ من الجهاد.
لكن متى يصلح أن نسلك سبيل الدعوة السلمية بالقول والمجادلة بالتي هي أحسن ونحوها ونترك القتال، ومتى نعكِسُ فنلجأ إلى الجهاد (القتال) مع الاستمرار في الدعوة بما أمكن من الأساليب وبما يتكيّف مع الظرف.. فهذه المسائل التي يعرفها المجاهدون الحقيقيون والدعاة الصادقون والزعماء الربانيون؛ فيعطون كل ذي حق حقّه، ويضعون كل شيء في موضعه، وتلك هي الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء.. فهذا هو الذي عليه المجاهدون بحمد الله تعالى، وأما بعد ذلك، تحصل أخطاء هنا وهناك في التطبيق على الأرض، نعم تحصل، في الجهاد كما في الدعوة، فهذا عمل بشريّ، والتوفيق بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقول الشيخ ناصر: «الذي قال هذا الكلام لا يعرف المنهج الحق، منهج الرسل..» الخ.
هذا فيه مبالغة من الشيخ غفر الله له، وبعد عن الدقة، بل وسطحية في فهم كلام المعترضين والمناقشين؛ فمعاذ الله أن يقصد الإخوة من المجاهدين وأحبابهم المعنى الذي ردّه الشيخ وأطال في ردّه، بل مرادهم واضح، وهو التحذير من الثقة في الطواغيت والظن الحسن فيهم، وتوهّم أنهم طيبو القلوب مثلا كما قال بعض الشيوخ الجزائريين الساكنين في بلاد الجزيرة ذات مرة: «هؤلاء الحكام أناس طيبون، قلوبهم ليست من حجر..» الخ كلامه الذي نشرته صحف الطواغيت في الجزائر فرحةً به سنة ثلاث وتسعين.
وفرق بين من يدعوهم وهو يعرفهم على حقيقتهم وينزلهم منزلتهم، ويعرف أنهم طغاة معاندون مجرمون معرضون عن الحق محاربون للدين ناصرون للفحشاء والمنكر بكل ما أوتوا من سبيل، فهو يدعوهم عارفًا بهم، ثم يرجو بعد ذلك أن يستجيبوا لدعوة الله ويؤمنوا أو لا يرجو، هذه مسألة أخرى وهذا شأنه.. وبين من يدعوهم وهو يظن فيهم الخير وأنهم فيهم خير، ولا يريدون ردّ الحق ولا محاربة الدين، هم فقط جهال وملبّس عليهم، ويحتاجون من يأخذ بأيديهم ويقف معهم ويعينهم، ونحو ذلك من الكلام الزين الرقيق الذي يعجب البعض، والاعتذارات والترقيعات.
فإن قيل: الشيخ يرد على الكلام المكتوب، ولا يعلم ما في القلوب، قيل: نعم، لكن الكلام الذي كتب واضح متى ما وضع في سياقه، وحيث يكون الكلام مجملا أو فيه إبهام فعلى العالم إن يفصّل فيقول: إن كان المراد كذا فكذا، وإن كان كذا فكذا.. ونحو ذلك، وعليه أن يستعمل حسن الظن في مناظرة إخوانه ومناقشتهم بأن يعرف مرادهم جيدا ويقرر رأيهم، ثم يناقشه، لا سيما المجاهدين الباذلين مهجهم في سبيل الله، الذين يحبهم الله ويحبونه.
ثم العالم المربّي يعرف أن عبارات كثير من الناس من غير المتخصصين في الشريعة، والذين لم يتدربوا على لغة الفقهاء ربما تقصُرُ عن بيان مقصودهم، ويكون مقصودهم في نفس الأمر صحيحا، فلا بد أن يكون منتبها.. ولو تعلّق الأمر بالرد على بعض العلماء لصاح بنا الكثيرون احترموا العلماء وافهموا مرادهم، وأما المجاهدون فكأنهم كلأ مباح للمنتقدين..! ولا مدافع ولا مناضل.
وحسبي إن شاء الله مما أنا فيه أني أنوي الدفاع عنهم والذبَّ عن عرضهم، أسأل الله تعالى أن يذبّ عني النار يوم القيامة.
فإن قيل أيضا: الشيخ لم يقصد المجاهدين، وإنما ردّ على كلامٍ قيل بغضّ النظر عن قائله، قيل: لكن الكلام جاء في أثناء ردّه ومناقشته للمجاهدين ومن ينوب عنهم، فهو يوهم أن ذلك من قولهم ومن باطلهم؛ فما أشد فرح خصوم المجاهدين بهذا، من الجامية والمدخلية وأنصار الطواغيت وأشباههم.
وكما أن للعلماء حرمةً، فإن للمجاهدين حرمةً -أيهما أكبر؟ الله أعلم-، كيف وقد قال تعالى: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥﴾ [النساء]، وقال ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة: 20]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ﴾ [الحديد: 10].
وغيرها من الآيات الدالة على فضلهم وعلوّ درجتهم عند الله، فالحمد لله رب العالمين.
وفي الاحاديث كثير، ويحضرني الآن منها قوله ﷺ كما في صحيح مسلم: (حرمةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم)٨٩٢صحيح مسلم (1897). الحديث وغيره من الأحاديث في هذا نصّا ومعنى كثير، والحمد لله رب العالمين. ثم هذا يبيِّن شيئا آخر وهو مدى معرفة الشيخ بفكر المجاهدين وآرائهم، ويوضّح ما ظنه الإخوة بالفعل من أن الشيخ لم يسمع من المجاهدين، اللهم إلا القليل النزر الذي لا يغني، وأن ما سمعه من خصومهم أكثر للأسف؛ إذا عُرف هذا.. فتطويل الشيخ في هذا المقام وشرحه لما سماه منهج الأنبياء وسرده للآيات الكريمات من مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ﴾ تطويل بلا طائل! مع ما فيه من قصور واضح لمن تأمّله، والله المستعان.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
وَاصْفَحْ إِذَا زَلَّةٌ سَاءَتْكَ مِنْ قَلَمِي | فَلَيْسَ مِثْلِي يَهْجُوكُمْ وَلَو صُفِعَا |
❖❖❖
فصلٌ في معرفة الشيخ «ناصر» والمشايخ بواقع الجزائر وغيرها
أسجّل هنا أنني لا أريد أن أكون مثل العراقيين الذي يتحدّثون في برامج «البي بي سي» الحوارية، ويردّون على كل عربي قال قولًا لا يعجبهم بأنه لا يعرف العراق، وأن أهل مكة أدرى بشعابها.
ونحن نجزم أن الشيخ «ناصر» ما تكلّم في مسألة الجزائر ولا غيرها إلا وهو عند نفسه على معرفة كافية وتصوّر واضح للأوضاع فيها وواقعها، هذا لا شك فيه.. لكن قد يبدو من بعض كلامه قلة إلمام وهذا طبيعي، ولا يضرّه في الغالب، ولكن من حق الإخوة المجاهدين أن يسألوه.
هل سمع الشيخ من المجاهدين وحاورهم وعرف منهم لا من غيرهم ما يذهبون إليه من الرأي والفكرة؟ وهل الْتَقَى بممثلين حقيقيين لهم؟ أو على الأقل بأناس من أنصارهم وأحبابهم ينوبون عنهم في بيان منهجهم بشكل جيد؟
وهؤلاء الإخوة الجزائريون الذين يزورون الشيخ في مكة أو غيرها ويتصلون به بالهاتف أو غيره.. هل هم أو هل فيهم نسبة عددية معقولة من المجاهدين أو ممن يقال عنهم جهاديون فكرًا وتيّارًا؟
أم هم من خصوم المجاهدين والجهاديين من الإخوان المسلمين مثلا أو من الناس الذي يسمون أنفسهم بالسلفيين، ويسمّيهم المجاهدون بالجامية والمدخلية ونحوها من الأسماء ونحوهم من الناس؟ نخشى أن يكون الشيخ، وهكذا غيره من العلماء والدعاة، إنما يسمعون من هذه الأصناف، ولم يسمعوا قط من المجاهدين أو ممن يمثلهم، ولم يروهم بأعينهم.
وقد كان في سنوات ماضية (سنوات 92 - 96) أو ما يقاربها -وما قبلها من باب أولى - كان متاحًا أن يتحرك المجاهدون، ومتاحًا للعلماء أيضا أن يلتقوا بالكثيرين منهم، لمن كان مهتمًّا.
وهؤلاء الإخوة الذين قال فيهم الشيخ: «وكثير من الدعاة وطلاب العلم في الجزائر منحازون عن القتال، بل يدينونه من أول ما وقع، ولم يكونوا مجمعين عليه» من هم؟
نحن لا نطلب معرفة أعيانهم، لكن من أي طائفة هم؟ وما نسبتهم إلى المجاهدين؟
وأيضًا.. هؤلاء الذين انحازوا عن القتال، وأدانوه من أول ما وقع هم أصناف ودرجات:
منهم من وقف رأسا مع الحكومة وفي صف الطاغوت منافحا عنه بكل ما يملك مضفيا عليه الشرعية، مدافعا عنه.. متعاونًا معه ضد المجاهدين.
ومنهم من انحاز فقط ورأى الأمر فتنة، وأن هذا الخروج غير مشروع؛ إما لأنه غير معتقد بكفر الحكومة، أو لغيرهما من الأسباب التي قدمت الإشارة إليها.. لكنه في الوقت نفسه يرى المجاهدين أهل خير وصلاح، وأنهم مجتهدون متأولون؛ فهو لا يوافقهم، ولكنه لا يقف في صف الحكومة الفاجرة الظالمة ضدهم، ﴿وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨﴾ [الفرقان].
والمجاهدون يفرّقون في التعامل بين هؤلاء وهؤلاء، ويحاولون ألا يظلموا أحدا.. فليس كل المخالفين في درجة واحدة، فمنهم المحب المشفق، ومنهم الشانئ المبغض المعادي الباذل ما يستطيع في عداوتهم، ومنهم الذي يريد الله واليوم الآخر، ومنهم من يستحب الحياة الدنيا على الآخرة
فما موقف الشيخ يا ترى من هذه الأصناف؟ لا سيما والشيخ يظهر من كلامه أنه يرى الإخوة المجاهدين متأولين مجتهدين، ويسلّم لهم اجتهادهم.
وهذا الظن بمشايخنا الناصحين، فحتى لو لم يقتنع الواحد بما يذهب إليه المجاهدون من الرأي والاجتهاد، فإنه يحبهم ويفضلهم على عدوّهم وينصرهم بما استطاع، لو دار الأمر بين أن يفعل شيئا أو لا يفعل، فإن كان لا بد فالسكوت، والله أعلم.
❖❖❖
فصلٌ في كلام الشيخ ناصر عن رسالته: «حقيقة الانتصار»
أولا: فهمنا من كلام الشيخ أنه ألفها بشكل أخصّ للإخوة المجاهدين في الجزائر وغيرها الذين يراهم الشيخ متعجِّلين.
ثانيا: نقول للشيخ: إننا قرأنا الرسالة منذ صدورها وفرحنا بها، ونعتبرها رسالة طيبة، ولكننا لم نفهم منها ما يعارض ما نحن عليه مما نخالفه فيه، وأزيده أن الإخوة المجاهدين في الجزائر في سنوات 93 - 95 كانوا يتداولون هذه الرسالة ويقرأونها.
وفي إحدى الكتائب أراد المسؤول الشرعي أو «الضابط الشرعي» -هكذا كانوا يسمونه في الجزائر- أن يضع برنامجا تربويا لمجاهدي الكتيبة يطبّق في كل المراكز التابعة لها؛ فوضع فيما أذكر: قراءة القرآن الكريم بعد صلاة الفجر، وقراءة رياض الصالحين بعد صلاة الظهر أو العصر، وقراءة رسالة للشيخ ابن عثيمين بعنوان «اختلاف العلماء وموقفنا منه»، ورسالة أخرى للشيخ «أحمد بن عبد الرحمن الصويان» بعنوان: «منهج أهل السنة والجماعة في تقييم الرجال..» إن لم أخطئ في العنوانين الأخيرين لأني بعيد العهد بهما، وَكان من ضمن الرسائل التي فكر فيها الإخوة واقتُرِحتْ في البرنامج رسالة الشيخ ناصر العمر «حقيقة الانتصار»؛ غير أنها لم تدرج في البرنامج لوجود ما هو أولى منها.. ولكن يكفي هذا القدر لبيان ما قصدته.
وكذلك كان الإخوة في أفغانستان يقرأون هذه الرسالة، وكثيرا ما تجدها في مراكزهم ومكتباتهم.. وما علمنا أن المجاهدين ومشايخهم وطلبة العلم فيهم ومثقفيهم يعتبرونها تناقض المنهج الذي اختاروه.. فهذا عجيب، ويزول العجب بالآتي:
أ - الشيخ يقول: «نحن ندعو الى الله وما علينا النتائج واهتداء الناس فذلك إلى الله، والمجاهدون يقولون نفس الكلام: نحن ندعو إلى الله ونجاهد وما علينا النتائج.. الخ».
ب - الشيخ يقول: «حقيقة الانتصار هي ثبات المؤمن على دينه إلى أن يموت ويلقى الله وهو عن راض».. واشتهر ضربُهُ المثلَ -ومن قبلُ شهَّره سيد قطب رحمه الله- بقصة أصحاب الأخدود، والمجاهدون يقولون الشيء نفسه.
جـ - الشيخ يقول: «والواجب الحقّ هو ألا نسلك أي مسلك من هذه المسالك، لا منهج المتعجلين ولا منهج المتنازلين المتساهلين، ولا منهج اليائسين القانطين، وإنما علينا أن نبلّغ رسالة الله تبارك وتعالى وأن نصبر ونصابر على ما نلقاه في سبيل الله تبارك وتعالى من أذىً وبلاء» اهـ.
والمجاهدون يقولون: نعم يا شيخ، صدقت والله، بس حاجهْ وَحْدَهْ بس!! لو تضيف إليها: «ونجاهد في سبيل الله».. نعم، وحتى لو قيّدتها بقيد مناسب لا بأس، مثل: «متى ما قدرنا وتحققنا مشروعية الجهاد»؛ فتكون العبارة هكذا مثلًا: «.. وعلينا أن نبلغ رسالة الله تبارك وتعالى وأن نصبر ونصابر على ما نلقاه في سبيل الله تبارك وتعالى من أذىً وبلاء، ونجاهد في سبيل الله تبارك وتعالى متى ما قدرنا وحيث يكون الجهاد (القتال) هو المطلوب»؛ طبعا، متى يكون مطلوبا ومتى لا، هذا هو كل الموضوع.. ثم المجاهدون عندما يقرأون بعض عبارات الشيخ مثل «المتعجّلين» يقع في نفوسهم أن الشيخ ربما يقصدهم ويشير إليهم، فيقولون: سامحه الله إن كان يقصدنا ويشير إلينا، فنحن إن شاء الله لسنا متعجّلين، بل نحن مبادرون إلى الاستجابة لأمر الله تعالى بالجهاد مسارعون إلى مرضاته، وقد اشترى منا نفوسنا -وهي له- بالثمن الغالي.. الخ الكلام الحلو الجميل الذي يحبّونه ويطربون له -وحُقّ لهم- مما يثير الغرام إلى دار السلام، ويبعث الأشواق إلى مصارع العشاق، ويحدو الأرواح إلى دار الأفراح.
فاللهم اجعلنا من الدعاة إليك المجاهدين في سبيلك المرضي عنهم عندك.. اللهم استعملنا في طاعتك، وخدمتك فنحن عبيدك.. اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى يا رب العالمين..
وأقول قولي هذا وأستغفر الله رب العالمين، والحمد لله أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: عطية الله
الخميس 29 ربيع الآخر 1425هـ، الموافق 17 يونيو 2004م
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: توضيحات في المسألة الجزائرية وقضية الجهاد
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا