[القول في فتوى الشيخ «حامد العلي» بخصوص «دولة العراق الإسلامية»]
مركز اليقين: لكن نعرف على سبيل المثال فتوى الشـيخ «حامد العليّ»، وهو من العلماء المؤيدين للمشـروع الجهادي للأمة.
الشـيخ عطية الله: الشـيخ «حامد العليّ» عالمٌ، من أهل الصدع بالحق نحسبه كذلك، وهذا رأيُهُ واجتهاده، ولكن هو معارَضٌ باجتهاد غيره من العلماء، ونحن نعرف علماء هم في درجة الشـيخ «حامد» ونعرف علماء هم أعلى طبقة في العلم من الشـيخ «حامد» مؤيدون للدولة، وكل الناس سمعت بمحاولات ومساعي بعض القوى والفصائل المنتسبة إلى الجهاد والمقاومة في العراق في الحجاز ونجد لاستصدار فتوى من العلماء بعدم شـرعية الدولة فلم ينجحوا، وللإنصاف وإحقاق الحق: ليس السبب الوحيد لإحجام العلماء عن إصدار فتوى تدين الدولة وترفضها هو الخوف من الفتنة وازدياد المفاسد، لا والله، بل هذا سببٌ ثانويّ، بل السبب الرئيسـي أن جماعة من العلماء ومنهم بعض الكبار مقتنعون بأن هذه المسألة مسألة اجتهادية، لا يمكن إصدار فتوى بعدم شـرعيتها، لأنها مسألة اجتهادية وإن تردد نظر بعض المفتين في: هل كانت هي الخيار الأفضل أو كان الأحسن التريّث فيها، أعني الإعلان عن تشكيل دولة وإمارة على النحو الذي أعلنه الإخوة في العراق، وكذلك نحن نعرف أن قيادات الجهاد الكبار من الشـيخ «أسامة» مرورا بالشـيخ «الظواهري» إلى الشـيخ «أبي يحيى الليبي» وغيرهم أيّدوا الدولة ودعوا الفصائل الأخرى إلى الانضمام إليها، و«القاعدة» عندها لجنة شـرعية فيها علماء ومشايخ، وعلى رأسها الشـيخ «أبو يحيى» حفظه الله، وهم على صلة بجماعة من المشايخ في العالم الإسلامي وتشاور معهم.
فالمقصود أن فتوى الشـيخ «حامد» هي فتواه ورأيه واجتهاده، وهو معارَضٌ بمثله بل بما هو أقوى منه، ولا بد أن تلاحظ أخي الكريم أن العالِم الذي يرى عدم شـرعية الدولة بإمكانه التصـريح بذلك، أعني أنه لا ضـرر عليه في التصـريح بمثل هذا، لكن الذي يرى شـرعيتها ويؤيدها وينصـرها لا يمكنه التصـريح بذلك، فإن هذا من الخطر العظيم اليوم، بل المؤيد يكتم ذلك ويخشـى أن يظهر عنه، وربما ورّى..! نسأل الله أن يحفظ الجميع.
لكنني سأسجّل تعليقا صغيرا هنا، وهو أني أنا نفسـي كنت ممن لا يؤيد إعلان إمارة إسلامية في العراق في هذه المرحلة، وكان رأيي أن ذلك مبكر وربما كان سابقا لأوانه، وأشـرتُ إلى رأيي هذا في لقائي مع منتدى الحسبة، العامَ الماضي، فيمكن مراجعته، لأن الإخوة سألوني ثمّت هل تؤيد إقامة إمارة إسلامية الآن في العراق كما كان الشـيخ الشهيد أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله أشار إليها في شـريطه المرئي، وذكر أنها مشـروع يمكن أن ينطلق في الأشهر القادمة.
لكني أعرف أنها مسألة اجتهادية قابلة للنظر والاختلاف، ولما أعلن الإخوة عن الإمارة (الدولة) فعلا، تريّثتُ حتى تجمّع عندي من المعطيات والنظر ما جعلني أؤيدها وأراها تستحق التأييد فعلا، ورأيت لدى الإخوة وجهة نظر واعتبارات وجيهة جدا، وأن نصـرها ودعمها هو الأفضل إن لم يكن الواجب؛ فقد كان الإعلان حركة سـياسـية استباقية، وقد توفرت عند الإخوة معلومات مؤكدة جدا بأن هناك جهات غير مرضيّة منتسبة إلى أهل السنة كانت بصدد الإعداد لإعلان تشكيل سـياسـي قريب من الدولة وفي معنى الدولة ويُراد له احتواء أهل السنة وتحقيق السبق الذي هو أيضا يدخل بوجهٍ من الوجوه في معنى «الشـرعية».
وكان تشكيل الدولة والإعلان عنها حركة سـياسـية استباقية لاحتمال هروب مفاجئ للعدو الصليبي في أية لحظة.. وكان فيه فوائد أخرى وإيجابيات ستتبيّن للمتلبّثين إن شاء الله.
والحاصلُ أن الإخوة في الأرض وعلى الميدان لهم وجهٌ وجيه في إعلان هذه الإمارة، والله أعلم، وهم عندنا ثقات مؤتمنون والحمد لله، وما يوجد من ملاحظات وقصور نرجو أنه ينصلح مع الوقت وتظافر الجهود إن شاء الله.
ولهذا فكما قلتُ لك: الشـيخ «حامد» هو عالم وله اجتهاده وهو أدرى بما يقول، وكذا غيره من العلماء لو أدلى أيُّ أحدٍ برأيه، لكني وددتُ لو أن الشـيخ حفظه الله ووفقه اكتفى بنهي الإخوة عن محاولة إجبار الناس على البيعة واعتبار مَن لم يبايع خارجًا عن الجماعة مثلا وباغيا، لو صح هذا أصلا، لأن هذا ليس صحيحا عن إخوة «الدولة» بهذا الإطلاق، ويحتاج إلى شـيء من التفصـيل والتوضيح، ولا داعي لدعوة «الدولة» إلى أن تحلّ نفسها وترجعَ كما كانت تنظيما مثل سائر التنظيمات.! لأن هذا والله أعلم ليس سديدًا من عدة جهات:
منها: أن الدولة لم تكن تنظيمًا معينًا، بل هذه فكرة يروّجها الأعداء بالأساس، ثم الخصوم على درجاتهم المتفاوتة، لأهداف خبيثة معروفة، وأهواء، وسوء فهم في أحسن الأحوال، بل الحق والإنصاف يقضـي بالإقرار بأن الدولة تشكلت من مجلس شورى المجاهدين وهو كان مكونًا من عدة تنظيمات صغيرة مع تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، ثم كل هؤلاء مع جماعة من شـيوخ العشائر ووجهائها، وكتائب أخرى من فصائل أخرى شكلوا حلفا سمّوه حلفَ المطيبين ثم شكلوا الدولة، وهذا في الحقيقة، سواء وافقه الإنسان أو خالفه، هو عمل سـياسـي ذكيّ وقويّ.! والله أعلم.
ومنها: أن المتقرر في فن السـياسة والحرب وتدبير المُـلك أن التراجُعَ عن مثل هذه الأمور الاجتهادية المحتملة بعد إبرامها ليس من الحكمة، وأن القادة السـياسـيين إذا عقدوا أمرًا واتخذوا قرارا لا ينبغي لهم -ما دام اجتهاديا محتملا، له وجهٌ- أن يرجعوا عنه إلى غيره من الاجتهاد، حتى ينتهي أمده، ويبلغ الكتابُ فيه أجله.! وفي ذلك حكمٌ معروفة، وهذا أصل قد تقرر شـرعا وعقلا، ومن دلائله: «أن الاجتهاد لا ينقض باجتهادٍ» في باب القضاء، والحُــكمُ المُلكي شبيه به، وقول النبي ﷺ: (إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) لفظ أحمد في المسند، وصححه لغيره محقق المسند٣٨٦مسند أحمد (14788)، سنن الدارمي (2205) وقال محققه حسين سليم أسد: «إسناده صحيح على شرط مسلم».، أو (حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه) كما في مصادر السـيرة٣٨٧صحيح البخاري (بعد حديث 7368) معلقا مجزوما به بلفظ قريب، المستدرك (2588) وصححه الحاكم والذهبي، البداية والنهاية (5 / 344)، وصححه السقاف في تخريجه «الظلال» (1 / 80، 81).، وغيرها، ومنها وجوه أخرى غير هذه.
والحقيقة أن المسألة كما قلتُ لك محل اجتهاد، وأنا أحبذ الاكتفاء بهذا القدر من التعليق، معرفةً بقدر نفسـي، واحترامًا للعلماء، وتركًا للأمر لأهله، رجاء أن يكفينا الله عز وجل بأهل العلم، ولعل أهل العلم يكتبون ويبيّنون مع الوقت؛ فلا ينبغي الاستعجال.
•••