۞ بعد الحادي عشر من سبتمبر:

بقي الشيخُ في أفغانستان حتى غزواتِ الحادي عشـرَ منْ سبتمبرَ المباركةِ، وبدءِ الحروبِ الصّليبيّةِ الثّالثةِ على أفغانستانَ، وانحيازِ المجاهدين في «الإمارةِ الإسلاميّةِ»؛ فذهبَ الشيخ إلى إيرانَ.

ص 54

قالَ الشيخ أبو حفص الموريتاني: «لما رجع الشيخ عطيّة الله الليبي من الجزائر لم ينضم إلى القاعدة مباشرة؛ بل بقي فترة من الزمن وكنت أكلّمه وأقول له: لماذا لا ترجع إلى القاعدة؟ فكان يقول لي: أمهلوني فترة، وكأنه كان واجدًا في نفسه أن القاعدة لم تبذل الجهد الكافي في متابعة موضوعه أثناء انقطاع أخباره في الجزائر.

وبالمناسبة فهذا أمر غير مقصود؛ فالشيخ أسامة -رحمة الله عليه- يقدّر الشيخ عطيّة جدًّا جدًّا، حيث إن الشيخ عطيّة يتميّز بصفات منها حسن الخلق، ومنها الصبر، ومنها مؤهّلات شخصيّة تتوافر فيه كالإدارة والقيادة قلّ أن تتوفّر في غيره.

فالشيخ عطيّة الله بقي منذ أن جاء إلى أن بَدَأ العدوان والحرب على أفغانستان وهو خارج إطار تنظيم القاعدة ولم يكن معهم، ولعلَّ هذا ما لا يعرفه كثير من الإخوة؛ أي أنه كان في هذه الفترة مستقلًّا، وحتى لم يكن في هذا الوقت منضمًّا تنظيميًّا للإخوة الليبيين في الجماعة الإسلامية المقاتلة.

ولما حصلت أحداث عمليات الحادي عشر من سبتمبر وحصل بعدها ما حصل من غزو كان موقفه موقف طلّاب العلم الشرعيين وموقف الناس كلها؛ فالناس كانت في عمومها معارضة للأحداث، لكن لما حصل الغزو لأفغانستان لم تكن معارضة لمقاومة الاحتلال والعدوان، بل كانت مع الأفغان ومع حركة طالبان في مقاومة الاحتلال ومقاومة العدوان، وكانت جهودها العلمية والدعوية وجهودها العسكرية منصبَّة في هذا الجانب.

ولما سلّمَت طالبان آخر معاقلها في قندهار وطلبت من الإخوة المجاهدين العرب وخاصّةً أصحاب الأسر الخروج من أفغانستان في تلك المرحلة إلى أن تتهيّأ مرحلة جديدة كان الشيخ عطيّة الله الليبي من الخارجين إلى إيران، وقد تواصلتُ معه في إيران وبقي فيها مدّةً من الزمن، وبقي حتى ذلك الوقت لم يدخل إلى تنظيم القاعدة ولا يزال على موقفه الذي رجع به من رحلته إلى الجزائر.

لما اعتُقلنا في إيران كان الشيخ عطيّة الله ممن نجا بفضل الله من الاعتقال وذهب إلى وزيرستان، فانقطعت عنّي أخباره في هذه المرحلة لأننا دخلنا السجن في شهر 12 سنة 2002م ولم نخرج منه إلّا في شهر 4 سنة 2012م يعني تقريبًا عشرُ سنوات.

في هذه الفترة كان أحيانًا يأتي إلينا بعض الإخوة الذين اعتُقلوا مؤخّرًا أو اعتُقلوا بعدنا بعدّة سنوات مثلًا؛ فينضموا إلينا في السجن فنجد عندهم بعض الأخبار، ومن الأخبار التي وصلتنا من بعض هؤلاء الإخوة أن الشيخ عطيّة الله الليبي رجع إلى القاعدة وانضمّ إليها وأصبح يتحمّل مسؤوليات إدارية وتنظيمية في وزيرستان.

ص 55

بل كان حقيقة يتولّى جزءًا كبيرًا جدًّا من مسؤوليات التنظيم، حتى أنه كان يتولّى المسؤولية في التواصل مع فروع تنظيم القاعدة في مناطق أخرى، كشمال إفريقيا والصومال وفي العراق أيضًا؛ فقد كان يتواصل معهم وكان يحمل إليهم ويتلقّى منهم المراسلات بينهم وبين الشيخ أسامة -رحمة الله عليه-».

قال الزبير: ثم إنه لمَّا احتلَّت «أمريكا» العراقَ كلّفَ الشّـيخُ «أسامةُ» الشـّيخَ «عطيّةَ اللهِ» رحمه الله بالذّهابِ إلى العراقِ لقيادةِ الجهادِ هناكَ جنبًا إلى جنبٍ معَ أسدِ العراقِ الشـّيخِ: «أبي مصعبٍ الزّرقاويِّ» رحمه الله -وذلك في عامِ 1427 الموافقِ 2006م-، ولكنْ لمْ ييسّـر اللّهُ ﷻ للشّـيخِ دخولَ العراقِ لحكمةٍ يعلمها عز وجل -فلعلّهُ لوْ وصلَ العراقَ لقتلهُ الغلاةُ المجرمونَ هناكَ-؛ فعادَ ليتمَّ دورًا كبيرًا ومحوريًّا في قيادةِ «قاعدةِ الجهادِ» خلالَ الخمس سنواتٍ الأخيرةِ من حياتهِ؛ حيثُ كانَ رحمه الله نائبَ المسؤولِ العامِّ للتّنظيمِ في أفغانستانَ؛ الشـيخِ «مصطفى أبو اليزيدِ» رحمه الله، وما لبثَ أنْ صارَ المسؤولَ العامَّ لهُ بعدَ استشهادهِ، ثمَّ صارَ الرّجلَ الثّاني في التّنظيمِ بعدَ استشهادِ الشّـيخينِ الجليلينِ: «أسامةَ بنِ لادنَ» و«مصطفى أبو اليزيدِ» رحمه الله؛ فلقدْ كانَ الشّيخُ عطيّةُ رحمه الله يمتلكُ منَ الحكمةِ والحنكةِ والخبرةِ الشّرعيّةِ والقياديّةِ والإداريّةِ والسّـياسـيّة ما أهّلهُ لقيادةِ «تنظيمِ قاعدة الجهاد» برغم وجودِ منْ همْ أكبرُ منهُ سنًّا وأقدمُ هجرةً وجهادًا في التّنظيمِ، وهكذا بقيَ الشّـيخُ رحمه الله في جهادٍ..

حتّى حانت ساعةُ لقاءِ ربّهِ، وجاءه الاصطفاءُ؛ فصارَ في مصافِّ الشّهداءِ -كما نحسبهُ-.

قال الشيخ أبو حفص الموريتاني: « في سنة 2014 لما أُفرج عن الدفعة الأولى من مجموعة الوثائق التي عُثر عليها في بيت الشيخ أسامة -رحمة الله عليه- قرأت هذه الوثائق كلها، وفي الحقيقة قرأت من خلالها كلّ -أو أستطيع أن أقول معظم- ما فاتني من أخبار وأمور الجماعة وقيادتها في الفترة التي غبنا فيها في السجن.

ومما قرأته من رسائل الشيخ التي أُفرج عنها إلى الشيخ عطيّة الله الليبي -رحمة الله عليه- أنه عُيّن في مكان الشيخ سعيد -رحمة الله عليه- بعد استشهاده، وكان يتولّى معظم المهام أو تستطيع أن تقول: إن الأعمال الإدارية والتنظيمية للقاعدة في وزيرستان والتواصل مع فروعها من الخارج يتبيّن للقارئ من خلال الرسائل أنها كانت إما بيد الشيخ عطيّة وإما أنها كانت تمرّ عن طريقه.

ص 56

وقرأت للشيخ عطيَّة أيضًا أنه كان يتولّى إدارة ملفات مهمة منها ملف اختطاف دبلوماسي أفغاني كانت اختطفته القاعدة؛ تم دفع خمسة ملايين دولار من قبل الحكومة الأفغانية للإفراج عنه.

ولو قلت إنني لم أعايش شخصًا مثل الشيخ عطيَّة الله الليبي من جيله في ساحات الجهاد لما كنت في كلامي مبالغًا؛ فالشيخ عطيّة الله الليبي كان عفّ اللسان، كان مؤدّبًا، كان كريمًا، كان خلوقًا، كان منصفًا، وكان ذكيًا حقيقة ومدركًا لما حوله.

ومما يعجبني فيه قدرته على التمييز بين ما يؤخذ وما لا يؤخذ من كلام بعض أهل العلم في اجتهاداتهم، وإنصافه لهم مع ذلك، ومن ذلك على الخصوص: موقفه من مدرسة مشايخ نجد المعاصرة؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه-، والمشايخ النجديين من بعده؛ حيث كانت لي وإيّاه آراء متطابقة في هذا المجال، خطرت لكلّ منّا لوحده فتواردت فيها الخواطر، وهذا كان ممّا أعجبني فيه حقيقة.

وما رآه الشيخ عطيَّة الله الليبي في الجزائر من غلوّ الغلاة أضاف إلى رصيده العلمي رصيدًا من التجربة كان له أثرٌ إيجابيٌ كبيرٌ جدًّا في فتاوى وآراءِ ومواقفِ الشيخ عطيّة الله الليبي.

ونقول اليوم: إن غياب الشيخ عطيّة الله الليبي عن ساحة الجهاد وعن القاعدة كان خسارة عظيمة؛ لأنه وجه علمي، جهادي، متميّز، معتدل، متّزن، خلوق، يعرف للناس أقدارهم، ويحفظ لهم منزلتهم ومكانتهم، وهذا شيء نادر حقيقةً في ساحة الجهاد التي يغلب عليها عادةً التوتّر وعدم الاتّزان عند بعض وليس كل طلّاب العلم الذين هم في الحقيقة قليلون في الأصل في ساحة الجهاد».