﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا﴾

عجيبٌ أمر هؤلاء البشـر عندما يَضِلُّون عن طريق الله، وعجيبٌ شأن هذا القرآن العزيز حين يحاصـر ضمائرهم الحائرة بأجنادِ الأدلة والبراهين، وحين يكشفُ شـرودهم التائه، وينعى عليهم هروبهم من مواجهة الحقيقة والواقع، بل وحين ينادي عليهم بفضيحة الجهل والغباوة: أين تذهبون؟! وماذا تطلبون؟ وقد كفاكم الله وأرشدكم وهداكم وأرسل إليكم الرسل وأنزل إليكم الكتب، ونصَبَ لكم من الدلائل على وحدانيته وتفرّده سبحانه باستحقاق العبادة ما يبهر العقولَ وتخضع له الأعناق، وجعل الكون كلَّه مسبَحا بحمده معترفًا بربوبيته، شاهدًا بأنه الإله الحق، ناطقا بالدلالة عليه ﷺ.

هذه الآية الكريمة تتضمن حجةً من حجج الله تعالى التي جادل بها أهل الكفر، ودمغ بها باطلهم وزيّف بها ضلالهم.. وسواءٌ كان المخاطب بها أهلَ الكتاب وذلك على قراءة ﴿تَبغونَ﴾٦٥٧قرأ حفص وأبو عمرو ويعقوب بياء الغيبة: (يبغون)، وباقي القراء بتاء الخطاب: (تبغون). و﴿تُرۡجَعُونَ١٥﴾ بالتاء، أو كان السـياق التفاتًا إلى خطاب المؤمنين تعجيبًا لهم من حال أهل الكتاب وعموم الكفارِ في انصرافهم عن دين الله وطلبهم غيره، والحلُ أنه قد أسلم لله تعالى كل مَن في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا، وأنهم -في النهاية- راجعون إليه سبحانه.

ص 809

ومعنى الآية على وجه التقريب: عجيبٌ أمرهم ومنكرٌ صنيعُهم؛ يطلبون دينًا غير دين الله الإسلام، وقد انقاد وخضَعَ واستسلَمَ له كل مَن في السماوات والأرض، فمن لم يُسلِم مختارًا طائعًا فإنه لا محالة قد استسلم وخضع مكرهًا مجبورًا منقادًا إذ لا يمكنه الخروج عن قدرة الله ومشـيئته وقضائه وتدبيره سبحانه، بل هو عبدٌ ذليل مسخَّرٌ، والكل -كل المخلوقات- هي كذلك، ثم مما يزيد العجب ويزيد من نكارة تصـرفهم وسوء صنيعهم في جموحهم بعيدًا عن دين الله وطلبهم غيره أنهم في نهاية الأمر راجعون إلى الله حتمًا وغصبًا ورغمًا، لا يستطيعون فِرارًا منه ولا يمكنهم أن يعجزوه هربًا، بل يأتون إلى ميعاده فرادى خاضعين خاشعين من الذل؛ يأتيه المخلوقات حقيرُها وكبيرُها.

ولو حبس الله بولَهُ عن الخروج بعضَ الوقت لتوجَّع وتأوه وتألم ولما أمكنه أن يتمتع بشـيء من لذائذ دنياه وسلطانه، ولكان مستعدًا لبيع كل ما يملك ليشتري صحته وعافيته.!

إن في هذا لعبرةً ودليلًا لمن كان عاقلًا وتفكر وتأمل وتدبر، وحسم أمرَه، قبل أن يفوتَ الأوان.. ويا سعادة أهل الإيمان والطاعة لله والاتباع لرسُله، ويا شقاوة الشاردين عن دين الله الجاهلين بحقيقة أنفسهم وبما حولَهم وبعواقِب الأمور.!

وهل سعدتِ البشـرية إلا في ظل دين الله، وهل شقيتْ -حين تشقى- إلا بالبُعدِ عنه وابتغاء الشفاء والسعادة في الانسلاخ عنه، تظن أنه قيدٌ لحريتها وأنه كبحٌ لشهوتها، وغفلتْ عن أنه منهج الرب الأول الآخر الظاهر الباطن اللطيف الخبير الذي يعلم ما خلق، والذي هو بكل شـيء عليمٌ، الرحمن الرحيم الودود البرّ الكريم الذي هو أرحم بهم من أنفسهم وأبرُّ وأرأفُ، الذي يدعوا عباده إلى الخيرِ والصلاح والسعادة.

فإلى دين الله يا عباد الله.. وإلى شـريعة الله وأحكامِهِ وقوانينه الحقة السامية النزيهة يا من أسلمتم باللسان، وادَّعيتُمُ الإيمان.. وإياكم أن تغتروا بمن ضلُّوا من قومنا واتبعوا سبيلَ الكفار قديمًا وحديثًا، وجَرَوْا وراء السـراب وتوهموا السعادةَ والنجاحَ والقوةَ في البُعدِ عن دين الله.! بل ائسفوا عليهم وتوجعوا لحالهم، واعلموا أن لضلالهم أسبابًا كثيرةً تتضح لمن بحث وتأمل.. ومن أهمها انبهارُهُم بالغربِ الكافر واغترارُهم بإنجازاتهم الظاهرية المادية، مع أن هذه فتنةٌ، وعلاجُها والجوابُ عليها وطريق النجاح في امتحانها واضحٌ غاية الوضوح في القرآن الكريم بيّنه الله لنا أحسن وأجمل بيان تطمئن به القلوب وتشفى به الصدور، لكن المشكلة في البُعد عن هداية القرآن.

إياكم أن تغتروا بهم وبزخارفهم وجدلهم؛ فقد بان لكم السبيل وأنارتْ لكم الطريقُ فاسلكوها بشجاعةٍ وصحةِ اختيار وقوة عزيمة فتلك سعادة الدنيا والآخرة..

وأختم بكلماتِ الشهيد «سـيد قطب» رحمه الله «في ظلال القرآن»:

«ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله، من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه، وفي نظام حياته، وفي منهج مجتمعه، ليتناسق مع النظام الكوني كله. فلا ينفرد بمنهج من صنع نفسه، لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه، في حين أنه مضطر أن يعيش في إطار هذا الكون، وأن يتعامل بجملته مع النظام الكوني.. والتناسق بين نظامه هو في تصوره وشعوره، وفي واقعه وارتباطاته، وفي عمله ونشاطه، مع النظام الكوني هو وحده الذي يكفل له التعاون مع القوى الكونية الهائلة بدلا من التصادم معها. وهو حين يصطدم بها يتمزق وينسحق أو لا يؤدي- على كل حال- وظيفة الخلافة في الأرض كما وهبها الله له.

وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه، يملك معرفة أسـرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة، ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر.. الانتفاع بها لا ليحترق بنار الكون، ولكن ليطبخ بها ويستدفئ ويستضيء! والفطرة البشـرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شـيء وكل حي.

فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصطدم أولا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق. ويحيا كما تحيا البشـرية الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب- على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التسهيلات الحضارية المادية! إن البشـرية اليوم تعاني من الخواء المرير. خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها.. حقيقة الإيمان.. وخواء حياتها من المنهج الإلهي؛ هذا المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون الذي تعيش فيه.

إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيدًا عن ذلك الظل الوارف الندي. ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدا عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق! ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب وتحس الخواء والجوع والحرمان وتهرب من واقعها هذا بالأفيون والحشـيش والمسكرات وبالسـرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء، والشذوذ في الحركة واللبس والطعام! وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسورة والفراغ الكثير.. لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتزايد كلما تزايد الرخاء المادي والإنتاج الحضاري واليسـر في وسائل الحياة ومرافقها.

ص 810

إن هذا الخواء المرير ليطارد البشـرية كالشبح المخيف. يطاردها فتهرب منه. ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير! وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية في الأرض حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون! هاربون من أشباح تطاردهم. هاربون من ذوات أنفسهم.. وسـرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع الحسـي الذي يصل إلى حد التمرغ في الوحل، عن الأمراض العصبية والنفسـية والشذوذ والقلق والمرض والجنون والمسكرات والمخدرات والجريمة. وفراغ الحياة من كل تصور كريم! إنهم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الحقيقية.. إنهم لا يجدون سعادتهم لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون، وبين نظامهم وناموس الوجود.. إنهم لا يجدون طمأنينتهم لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون..»٦٥٨في ظلال القرآن (1 / 421، 422). اهـ.

•••

ص 811

ص 812

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: في ظلال آية

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.