۞ فرعون يكفر موسى..!

﴿وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١ قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢ وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣﴾ ، خشي عليه السلام أن يكذِّبَه قومه ويصدّوا عن دعوته، بسبب قصور فيه أو تقصير منه؛ فسأل ربّه -إشفاقا على قومه وحرصًا- أن يعضّده بأخيه الذي هو أفصح منه، ﴿وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤﴾ [الشعراء]، وهو قتله للقبطي (رجل من قوم فرعون، من أهل البلاد الأصليين) هو الذي وكزه موسى فقضى عليه المذكور في سورة القصص، ﴿قَالَ كَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥ فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦﴾؛ أفردَ لفظ الرسول مع أنهما اثنان لأن رسالتهما واحدة ومرسلهما واحد فهما رسول واحد حكمًا، ﴿أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧﴾ وكان فرعون يستعبد بني إسرائيل ويستضعفهم ويقهرهم ويهينهم ويستخدمهم في أخس الأعمال، ﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨﴾ فقد ربّاه الله في بيت فرعون ليكون لهم عدوّا وحزَنًا كما بينه في سورة «القصص» وكان لفرعون كابنه رجل من العائلة المالكة و«أمير»!

﴿وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩﴾ سبحان الله.. فرعون يكفّر موسى؛ يقول له: «أنت من الكافرين»، وهكذا فراعنة اليوم: يكفّرون أولياء الله والدعاة إليه تعالى، ويرمونهم بكل موبقة، وهم في الحقيقة الكافرون..

ألم تسمعوا بوش يكفّر أسامة بن لادن والزرقاوي؟! هذا على قول من فسّر من المفسّرين الكفرَ بالكفر المقابل للإسلام، ومنهم من فسّرها بكفر النعمة: يعني كفرت نعمتنا عليك بتربيتنا إياك.

﴿قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠﴾ يقول: إنني فعلت تلك الفعلة في زمن ضلالي وغفلتي عن هدى الله، أي قبل أن يمنَّ الله عليَّ بهذا العلم والهدى وهذه النبوة والرسالة، فضلًا عن أني فعلتها خطأ لا تعمّدًا واستغفرت الله منها.. فلا يمنع ذلك كله من أن أكون صالحًا، ولم يمنع ذلك من أن يختارني الله تعالى رسولا إليكم فلماذا تحتجّون عليّ بذنب سابق هذا وصفه وهذه ظروفه؟!

وهكذا فراعنة اليوم: يحتجّون على الدعاة إلى الله وعلى المجاهدين بأشياء صدرت منهم تُعَدُّ أخطاءً وربما وقعت منهم في زمن مضى وتابوا منها، وربما كان وقوعها على سبيلٍ هم غير مؤاخذين فيه أو نحو ذلك، وتراهم يبحثون عن ثغرة وغلطة يشوّهون بها سيرة الداعي إلى الله والمجاهد.

ص 1467

﴿فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١﴾؛ نعم فرّ نبي الله موسى من فرعون عندما خاف من شرّه ومكره، وفرّ نحوًا من فراره هذا أنبياءُ آخرون وصالحون أولياء لله وتركوا أوطانهم وهاجروا لمّا رجمهم قومهم وأخرجوهم وآذوهم وعذّبوهم وتهدّدوهم!!

وللأسف اليوم.. رأينا بعض المشايخ وممن اشتهر بالعلم يبقى حتى يقبض عليه الطاغوت ويسجنه ويهينه ولا يفرّ ولا يهاجر يقول: لا أفرّ أبدًا ويلبّس عليه الشيطان ويتوّهم أن هذا الفرار مسبّة، بل والله بقاؤك في قبضته -وقد كنت قادرا على الفرار منه- هو المسبّة والعار، وهو الغبن والخسار.! فسبحان من قسم الأفهام بين الناس! وسبحان من قسم العزائم والإرادات!

﴿وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢﴾ وهذا على الأشهر من أقوال المفسّرين على تقدير همزة الاستفهام أي: أَوَ تلك نعمةٌ تمنّها عليّ؟ والمعنى: أتمنّ عليّ يا فرعون بأن عبّدت بني إسرائيل لك واستعمرتهم وقهرتهم وسلِمْتُ أنا من ذلك بسببٍ قدريّ جعله الله؟ أيُّ منّة لك علىّ في ذلك؟ ثم ما قيمة هذه المنّة في مقابل إجرامك العظيم في حق هذا الشعب المسكين الفاضل بني إسرائيل؟

وهكذا فراعنة اليوم: يتبجّحون بذكر مننهم على شعوبهم وعلى الدعاة والمجاهدين والمخالفين لهم: ألم نفتح المدارس والمساجد والجامعات والمستشفيات؟ وكذا وكذا؟ أتخرج أيها «الإرهابيّ» على الدولة التي تعبتَ عليك وأنفقت، وعلّمتك وربّتك حتى كبرت وصرتَ مهندسًا وطبيبًا وكذا وكذا؟

ونسوا أن هذا شيء لا منّة لهم فيه؛ لأنه واجب عليهم أن يفعلوه، زد عليه أن فعلهم إياه لم يكونوا ينوون به الخير غيرَ أن الله كادهم، زد عليه أنه إذا قُوبلَ بظلمهم وفسادهم وكفرهم وحربهم للدين والطهر والفضيلة ونصرهم للرذيلة تلاشى واضمحلّ ولم يعد لذكره مسوّغ بل صار كالقيمة المهملة في علم الحساب!! ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤ قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥ قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧ قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨﴾؛ إلى هنا انقطع اللعين ولم يبق له حجة يجادل بها وأدرك أنه عديم البرهان فاقد للشرعية فلجأ كعادة كل الفراعنة إلى التهديد: ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩ قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠﴾

فرعون زمان كان أهون من فراعنة اليوم، على الأقل ذلك حاجج وناظر وأعطى لخصمه فرصة لإبراز حججه وإثبات دعواه، أما فراعنة اليوم فقد استفادوا من دروس الفراعنة السابقين: لا مناظرة ولا حوار ولا مفاوضات مع الإرهابيين والمارقين!!

ص 1468

﴿قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١ فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣ قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤ يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥﴾.

وهذه هي الحجة الكبرى لكل الفراعنة التي يستخفّون بها أقوامهم ويستنهضون من كُتِب عليه الشقاءُ منهم للصدّ عن سبيل الله ودعوته، ويجنّدونهم لخدمتهم وللموت في سبيلهم.. إنها حجة «الأرض» و«الوطن» والبلاد»: يريد أن يخرجكم من أرضكم!

وهل جاء موسى عليه السلام ليخرجك من أرضك يا فرعون؟ إنه جاء يقول لك: أسلمْ، وإذا لم تُسلِم ولم تؤمن بي؛ فأرسل معي بني إسرائيل ولا تعذّبهم ولا تستعمرهم وتستعبدهم، وقال لكم الناصح: ﴿يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ﴾ [غافر: 29]، آمِنْ بالله وأسلم له واتّبِع رسله ويبقى لك ملكك! من قال لك: إننا جئنا لنسلب ملكك؟! يا سبحان الله!

﴿قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦ يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧ فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩﴾.

[تكميل] نعم إنهم الفراعنة في كل مكان، إنها موازينهم وأسلوبهم ومنطقهم وشنشنتهم التي يعرفها التاريخ وتعرفها البشرية عبر تاريخها كله!!

الحرص على الدين زعموا.. وهم الكفرة المردة الزنادقة المحادون لله ودينه المحاربون له.!

الحرص على الوطن.. وهم مفسدو الوطن وسارقو خيراته ومذلوه ومخرّبوه وخائنو أمانته!

الحرص على المواطنين.. وهم قاتلو الشعب وظالموهم ومذلّوهم وقاهروهم وقاتلي أحلامهم!

الحرص على الأمن والاستقرار وسعادة البشر.. وهم المفسدون في الأرض، مخوّفو المستضعفين ومروّعو المساكين!

الحرص على الوحدة الوطنية والحرية والقيم النبيلة وو.. وكل شيء!!!

وهم في الحقيقة أعداء كل فضيلة ومروّجو كل رذيلة، قاتلهم الله ولعنهم!!!

حتى نستيقن جزءًا من الحكمة العظيمة من ذكر فرعون في القرآن، وتكرار قصته والإبداء فيه والإعادة.. إن فرعون ما هو إلا نموذج ومثال للفراعنة في كل زمان ومكان!!

اللهم إنا نشهدك أنا كفرنا بفرعون وبكل الفراعنة وبدا بيننا وبينهم العداوة والبغضاء..

وحسبنا الله ونعم الوكيل

•••