[القول في قضية «دارفور» والجهاد فيها، وأحوال المجاهدين في «الصومال» والنصيحة لهم]

(3) ما هو رأي فضـيلتكم في قضـية دارفور؛ خاصة بعد دعوة الشـيخ أسامة بالاتجاه لدارفور، وهل ستكون هناك صعوبة في الجهاد، خاصة مع وجود الكثير من الأطراف المعادية للإسلام؟ وبم تنصحون المجاهدين هناك إن حدثت حرب؟ وهل تعتقدون أن سبب دخول القوات الدولية هو للحصول على البترول أم أن هناك مصالح أخرى؟.

(4) ما هو رأي فضـيلتكم في الجهاد بالصومال؟ ورأيكم في المحاكم الإسلامية، خاصة بعد أن سـيطرت سـيطرة شبه كاملة على العاصمة؟ وهل تعتقدون أن المحاكم قادرة على بسط سـيطرتها على الصومال بإذن الله؟ وماذا سـيكون موقف أمريكا خاصة أن الصومال يمكن أن يهدد اقتصاد أمريكا؛ لأن ناقلات البترول يمكن استهدافها وعدم السماح لها بالعبور؟ وهل يمكن لأمريكا أن تضـرب الصومال إذا وجدت عدم قدرة تحالف مكافحة الإرهاب على محاربة المحاكم؟

[السائل: عكرمة المدني]

الجواب:

ص 225

جواب الفقرة 3: دارفور في نظري هي ضحية أخرى من ضحايا التآمر الصليبي الصهيوني..

الذي يظهر -والله أعلم بحقيقة الحال- أن اليهود لهم دورٌ في خلق هذه القضـية السـياسـية لأغراض وقائية بالنسبة لدولتهم اللقيطة؛ فنحن نعلم أن لهم تركيزًا على هذا القرن الأفريقي منذ زمن بعيد، عبر الحبشـية (أثيوبيا) ثم أريتريا التي ساهموا بشكل قوي في فصلها عن أثيوبيا لتكون لهم وليّـا وصفيا مخلصًا، وبقي لهم الصومال فحاولوا وسعوا؛ فكبتهم الله مؤخرًا، ثم السودان فانصبّ مكرهم على الجنوب أولا حتى نجحوا إلى حدٍّ ما في أن يضعوه على طريق الانفصال، ثم الشمال.. فكأنهم حاولوا شـيئا من جهة النوبة، وكأن الثقل المصـري لم يساعدهم، أو غير ذلك؛ فكانت دارفور هي فرصة أخرى لهم، فهم عاملون مؤثرون في إحداث المشاكل القبلية وتغذيتها، ثم هم يؤججونها ويستغلونها.

وفي كل ذلك يقف معهم حلفاؤهم الصليبيون المتصهيـنون ومن قاربهم، من الأمريكان أولا ثم بعض الأوروبييـن، خيّبهم الله جميعا.. قرأنا في الإعلام تقارير كثيرة عن دور للألمان في الإقليم ومشاكله، وهو شـيء لافت..!

ولا يبعد تفسـيره -مع التفسـيرات الاقتصادية- بالدور الخفيّ لليهود، خصوصا أن الألمان قومٌ مهزومون وُضَـعاء، مستذلون لليهود في هذه الحقبة، قاتلهم الله جميعا.

ونسأل الله تعالى أن يمكن المجاهديـن من نكاية كبيرة عظيمة في الألمان يا رب العالميـن.. فهذا شـيء أتمناه أنا شخصـيا وأدعو الله به، ومن يدري لعل الله خبّأ لهم حظهم في دارفور..!

نحن المسلمون لا بد أن نحوّل دارفور إلى قضـية إسلامية أخرى.. إنها أرض الإسلام، وأرض القرآن.. ونحن فيها أهل الحق، أهل الديـن وأهل الأرض وقضـيتنا عادلة مئة بالمائة، والحمد لله.

وأما السبب وراء حرص الصليبييـن على الدخول إلى دارفور وإدخال قوات دولية (صليبية) فهو في نظري مركب من مجموع شـيئيـن:

- السبب السـياسـي.

- والسبب الاقتصادي.

ص 226

ويمكن جعلهما في الحقيقة شـيئا واحدًا، ولا مشاحّة؛ فالاقتصاد هو عصب السـياسة ولبّها، الآن وفي القديم، أعني سـياسة الأمم الكافرة.. بل ويمكن إضافة السبب والدافع الديـني إليها أيضا، على أساس أن السـياسة الأمريكية الآن، ومن قبلها السـياسة اليهودية هي مبنية في جانب لا بأس به منها على معتقداتهم الديـنية الضالة المحرّفة..! فالسبب السـياسـي هو تأميـن إسـرائيل إقليميا، وخلق بُعد استراتيجي لها، من خلال إيجاد قوى موالية وحليفة، كما قلنا إنهم فعلوا مع أريتريا.. بالإضافة إلى خوفهم من أي حكومة إسلامية ممكن أن تتكون في السودان، فرغم ما تبذله حكومة «عمر البشـير» الحالية من الولاء لهم والرضوخ، لكن كل ذلك ليس كافيا بالنسبة لهم، وهم يخشون أي تغيّر أو رجوع من هذه الحكومة ورجالاتها إلى بقية من الديـن والثوابت، ثم الشـيء الآخر أنهم يخشون من حصول تغيير في السودان لصالح الإسلام والمسلميـن..

وبالجملة؛ فالسودان بالنسبة لهم همّ دائم، ولهذا جدّوا واجتهدوا في محاصـرته وإضعافه وتقطيع أوصاله من الجنوب ثم من الشمال، على قاعدة «فرّق تسد»، وعلى قاعدة إشغال العدو المحتمل بنفسه وبمشاكله الداخلية، والسعي لمنع وجود أي قوة إسلامية محتملة في المنطقة.

والأمر كذلك أيضا بالنسبة لهم فيما يتعلق بالصومال، وغيرها.

والسبب الاقتصادي واضح في ما تتحدث عنه التقارير من مخزون نفطي في المنطقة، بالإضافة إلى غنائها بالمعادن، ويقال إن منها «اليورانيوم، وبكثرة أيضا..!

فهذا لا شك أنه دافع قوي ومهم بالنسبة لهم؛ بل هو أهم الدوافع.. والله أعلم.

وأما «هل ستكون هناك صعوبة في الجهاد خاصة مع وجود الكثير من الأطراف المعادية للإسلام؟» لا شك أن الوضع فيه صعوبة، وليس الطريق مفروشا بالورود.

الصعوبة تكمن في أشـياء متعددة: طبيعة الأرض والمنطقة الجغرافية وجوها وطقسها، وتعقد العلاقات الاجتماعية هناك والنزاعات السـياسـية والقبلية والعرقية، والجهل والفقر المقترنان أسوأ اقتران للأسف، والله المستعان.. نسأل الله أن يعيـن المسلميـن ويقوّيهم.

لكن أيضا للإقليم ميزاته، من جهة انفتاح المنطقة وحدودها على عدة بلدان، وضعف هذه البلدان جميعها تقريبا، ومن جهة أنها ستكون قريبة من منطقتيـن جهاديتين: الصومال والصحراء (جنوب الجزائر)؛ وبالجملة.. الصعوبة موجودة بلا شك.

ولكن ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢﴾ [الطلاق: 2]، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤﴾ [الطلاق]، ﴿إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩﴾ [الأنفال].

الجهاد مبناه على المخاطرة وهو كره، كما قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216] الآية؛ وعماده التوكل على الله تعالى وحده..

وأما ما ننصح به المجاهديـن في حال دخلوا هناك بإذن الله وبدأت المعركة، فأقول:

ص 227

- أولا: التوكل على الله تعالى وحسن الظن به والثقة في وعده ﷻ والاعتماد عليه سبحانه، والإخلاص له ﷻ.

- ثم استعمال التقوى، والإكثار من العمل الصالح، وليعلموا أنهم مجاهدون في سبيل الله تعالى، اللهُ ابتعثهم ليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان الجاهلية وظلماتها إلى عدل الإسلام ونوره، ومن ضـيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وأنهم أصحاب رسالة ربانية عظيمة، دعاة إلى الله ﷻ دالّـون على طريقه..

- يسـروا ولا تعسـروا، وبشـروا ولا تنفّروا، كما كان رسولنا ﷺ يوصـي أمراءه ومبعوثيه وسـراياه دائما.. فليتدبّروا ذلك، وليعلموا أن لهذه الكلمات معانيَ كبيرة واضحة، وليست عبثا ولا سدىً..! ولا سـيما وأنتم قادمون على قوم يكثر فيهم الجهل جدًا مع الفقر والمسكنة وضعف الحال؛ فاستعملوا التيسـير على الناس والرفق بهم جدًا والإعذار لهم وأخذ العفو منهم؛ كما قال الله تعالى لنبيّـه: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩﴾ [الأعراف]، فلا تشددوا على الناس في الالتزام بالأحكام الشـرعية والسنن وفي ترك العوائد التي تعوّدوها والمواضعات التي شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، بل خذوهم باليسـر والرفق والهويـنى وبالتدريج، واصبروا عليهم وعلى ما فيهم من ضعف، وحدّثوهم بما يعرفون، أي بالشـيء الذي يمكنهم استيعابه وفهمه وقبوله بسهولة ولا يحدث لهم فتنة، ولا تنكره قلوبهم إنكارًا يؤدي إلى الفتنة، والله الموفق.

- واستعيـنوا على الناس بمفاتيح القوم، الرجال المحترميـن عندهم من قومهم؛ فاهتموا بأشـراف الناس وساداتهم واحتووهم بالكلمة الطيبة والمشاورة والإكرام المعنوي، وابتعدوا قدر الإمكان عن الإكرام الماديّ واحتواء الناس بالمال، فإن هذا وإن كان مشـروعا وقد يـناسب في بعض الأحيان، لكن ليس هو المطلوب بكثرة، ولا سـيما في مثل حال الناس هناك حيث الفقر وغيره، فلا تعوّدوا الناس الرغبة في أموالكم والطمع في ما في أيديكم، ولكن ليكن الأصل دائما هو سـياسة الكلمة الطيبة، وتعهّد الناس بالاهتمام والمشاورة وتطييب الخواطر وهكذا، ولا بأس بالوعدِ بالخير في حدود معقولة، من المساعدة في أمور الدنيا والمعيشة وغيرها، في حال فتح الله عليكم، فهذا حق وجيد، وهو في المقدور متى ما فتح الله.

- وأعيـنوهم على الخير وعلى تجاوز الصعوبات الدنيوية ما أمكن.

- وكونوا للمسلميـن خدامًا وإخوانا ورفقاء مشفقيـن، لا جبّاريـن ولا مستكبريـن.. رعاكم الله، وإياكم والظلم في أي صورة من صوره، وكونوا عبادَ الله حقًا.

ص 228

- وستجدون أمامكم أشـياء أكثركم لا يعرفها، من الاعتبارات القبلية والتعصّبات المقيتة، فاعملوا دائما على محو هذه الاعتبارات منهم بنور التوحيد وربط الناس بربّهم ﷻ، وبمعاني الأخوّة الديـنية وبموازيـن الإسلام ومعاييره السامية: المحبة في الله ولأجل الله، والأخوة في الإسلام، والتفاضل بيـن الناس على أساس التقوى والعمل الصالح، وهكذا..

ركّزوا على تعليم الناس التوحيد الصافي وشـرح مسائله لهم وتلقيـنهم إياه شـيئا فشـيئا، فإن هذه الجاهلية العصبية المقيتة لا يقضـي عليها شـيء إلا نور التوحيد والإيمان.!!

- ولا بد أن تعرفوا أنها عند الناس أشـياء لها قيمة (أعني هذه الاعتبارات والقيم القبلية)؛ فهي عندكم لا تساوي شـيئا، موضوعة تحت أقدامكم، لكن هي عند الناس شـيء معظّم جدًا لا يتجاوزونه، فانتبهوا لمراعاة ذلك، وخاصة في بداية تعرّف الناس عليكم ودخول أنوار العلم والتوحيد عليهم، حتى تزول تلك العصبيَّة الجاهلية ويمنّ الله تعالى بالفتح في القلوب وانقشاع ظلمات الجاهلية وظلمها.. ومع كل ذلك يبقى لتلك الاعتبارات والقيم القبلية دائما مكانٌ واعتبارٌ ما، فلتراعوا ذلك ولتعرفوا قدره.

- وفي جانب العمل الميداني.. على الإخوة أن يعرفوا المنطقة جيدا؛ أول ما يصل الإنسان هناك عليه أن يتعرف على المنطقة ويتعلم كل شـيء عنها من إخوانه الذي سبقوه واستقبلوه، ويتعرف على قبائلها وعاداتها وانتماءاتهم وكل شـيء عنهم إن أمكن، فهذا مهم، وحتى قبل أن يـنطلق الإنسان من بيته إلى الجهاد هناك ليحاول أن يعرف كل ما أمكنه عن المنطقة، بالقراءة والسؤال وغيرها.

- والصبر؛ فإنه لا نجاح ولا فلاح ولا فوز ولا نصـر إلا بالصبر..! ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران].

والله المسؤول أن يوفق إخواننا ويعيـنهم ويمدّهم بمددٍ من عنده إنه هو السميع العليم البر الرؤوف الرحيم.

جواب الفقرة 4: «ما هو رأي فضـيلتكم في الجهاد بالصومال ورأيكم في المحاكم الإسلامية.. خاصة بعد أن سـيطرت سـيطرة شبه كاملة على العاصمة، وهل تعتقدون أن المحاكم قادرة على بسط سـيطرتها على الصومال بإذن الله؟ وماذا سـيكون موقف أمريكا، خاصة أن الصومال يمكن أن يهدد اقتصاد أمريكا لأن ناقلات البترول يمكن استهدافها وعدم السماح لها بالعبور؟ وهل يمكن لأمريكا أن تضـرب الصومال إذا وجدت عدم قدرة تحالف مكافحة الإرهاب على محاربة المحاكم؟».

ص 229

الحمد لله.. الآن بفضل الله سـيطرت المحاكم على العاصمة مقديشو سـيطرة كاملة، ثم سـيطرت على مديـنة جوهر التي كانت معقلا لأمراء الحرب زعماء التحالف الشـيطاني الأمريكاني اليهودي، فأذلهم الله وهربوا، بعضهم إلى أثيوبيا وبعضهم إلى سفن الصليبييـن في البحر، فالحمد لله رب العالميـن، على أن أذل أعداءه شـر إذلال وفضحهم وأخزاهم وشفى صدور المؤمنيـن منهم.. ﴿ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣﴾ [المائدة]، ﴿فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦﴾ [الزمر].

وهذا في حد ذاته شـيء مفرح ومدعاة للسـرور وانشـراح الصدر بالنسبة لكل مسلم.. وإن كنا لا نعرف «المحاكم الإسلامية» جيدا، ومعلوماتنا السابقة عنهم قليلة، لكن هم على كل حال قومٌ أهل ديـن، قاموا بالديـن ومن أجل الديـن وتحكيم الشـريعة.. ففيهم شبه كبير من هذا الوجه بطالبان.. نسأل الله أن يسددهم وأن يثبّتهم على الحق، ويرزقهم اليقيـن والهدى والصلاح.. آميـن.

وليس عندي في الحقيقة معلومات خاصة عن «المحاكم الإسلامية»، سوى المعلومات العامة من وسائل الإعلام ومما يـنشـره الإخوة في «المنتديات» جزاهم الله خيرا؛ لكني أحب أن أقول للإخوة ألا يستعجلوا في الحكم على أي أحد، وأن يُرَجّوا الخير مما ظهر لنا من أخبارهم الطيبة.

ونحن مررنا بتجربة «طالبان» من قبل، وتعرفون عندما ظهرت طالبان كيف كنا وكان الناس جميعا يستريبون فيها ولا يعرفونها، وأيضا طالبان كان عندهم أشـياء لم تكن تطمئن وكنا نخاف منها، مثل محاولتهم اكتساب عضوية الأمم المتحدة، واعتراف بعض الدول بهم، وسعيهم لعمل علاقات رسمية مع دول مرتدة في غاية الوضوح كدولة القذافي، وحضورهم بعض المؤتمرات، وأشـياء أخرى.!

كان الشـيء الذي يطمئن الإخوة دائما أن هؤلاء الناس (طالبان) عندهم ديـن وتقوى، وأنهم متى ما عرفوا حكم الله تعالى وشـرعه تمسكوا به ولم يبالوا بأحد، ولو وقفت ضدهم الدنيا، ولو قتلوا في سبيله.. والحمد لله، لما جاء الامتحان ووضعوا على المحك، نجح الطالبان، وثبتوا واختاروا الخيار الصحيح؛ اختاروا اللهَ تعالى ومحابّـه ﷻ وما عنده..!

ص 230

وهذا بخلاف غيرهم ممن كان له بداية إسلامية ودعاوى، ثم عند الامتحان سقط..!! فالأساس هو ديـن الإنسان وتقواه؛ قد يكون الإنسان ناقصا في جهة العلم والمعرفة والسـياسة ونحوها.. لكن إذا كان صالحًا تقيّــًا محققًا العبوديَّة لربهِ ﷻ؛ فلا تخف عليه ولا تخف منه، في الغالب إن شاء الله، وهم بكل تأكيد عندهم وضع صعب وظروف شاقة للغاية، وهم يعرفون خطورة وضعهم وما يواجههم من صعوبات وما يُحدِق بهم من أخطار..!

يعرفون أن الجميع سوف يتكالب عليهم ويرميهم عن قوس واحدةٍ.. من الأعداء الداخلييـن العملاء والزنادقة وأشباههم، ومن الأعداء الخارجييـن: أثيوبيا وأزلامها في المنطقة؛ كالجمهوريات الصومالية في الشمال والشمال الشـرقي، وغيرهم، وحتى كيـنيا، ومن وراء هؤلاء جميعا: أمريكا بخيلها ورَجْـلها.!!

وهم ضعفاء مقلّون من المال والسلاح والقوة، ومشاكلهم الداخلية لا تحصـى من الفقر والمجاعات والجهل والتناحر القبلي وغيره؛ فلا بد لهم من المسايسة والمداراة والتورية، حتى يدفعوا عن أنفسهم بعض الشـر، وقد يترخّـصون في بعض الأشـياء، وقد تقع منهم هنا أخطاء واجتهادات لا تُرْضـى، لكن كما قلنا دائما: النظر هو لأصالة الديـن وقوة التوحيد والتقوى عندهم وصحة العزيمة والاختيار، والله الموفق.

نسأل الله أن يجعل إخواننا في «المحاكم» خيرا مما نظن، وأن يرزقهم الهدى والسداد.. آميـن.

بالنسبة لمسألة بسط سـيطرتهم على الصومال.. فالصومال كبيرة، وشمالها كما هو معروف بيد أناس «جمهورية أرض الصومال» وغيرهم، لكن الجنوب أتصور أن المحاكم بإمكانهم أن يسـيطروا عليه إن شاء الله.

أهم شـيء نوصـي به إخواننا في الصومال أن يعرفوا أنهم قادمون على امتحان كبير، وأنهم يجب أن يختاروا الاختيار الصحيح.. لا بد أن يعرفوا أن الغرب الصليبي لن يتركهم، ولن يرضـى بقيام حكم الإسلام هناك أبدًا، وأثيوبيا النصـرانية الحاقدة كذلك، لن ترضـى بهم أبدًا..! سـيسعى الغرب بقيادة أمريكا لعرقلتهم ومحاربتهم بشتى الطرق والوسائل، ولن يرضوا منهم إلا الخضوع لإرادتهم وإلا أن يدخلوا في ديـن الشـرعية الدولية النصـرانية؛ فلا يتعبوا أنفسهم بكثرة المناورات.. نعم، لا بأس من كسب الوقت وتحييد ما أمكن من الأعداء حتى حيـن، وهكذا.

لكن مثلا: جلوسهم مع الحكومة المؤقتة في الخرطوم بضـيافة البشـير ورعاية الجامعة العربية، ومن خلف الستار أمريكا، يجب أن يكونوا مدركيـن أنه لا يُرجى منه خير، وأن هؤلاء: البشـير وعمرو موسـى وغيره وجميع أشباههم لا خيرَ فيهم ألبته..! إذا كانوا عارفيـن متيقّظيـن فلا بأس ببعض المناورة إن شاء الله، لكن إياهم ثم إياهم أن يحسنوا الظن بهؤلاء الخونة ومن وراءهم من الكفرة.!! والذي أراه لهم الآن أن يفكروا جديا في الزحف على بيدوا حيث مقر الحكومة المؤقتة صنيعة الصليبييـن، فقد يكون من المناسب المبادرة بذلك الآن.

ص 231

في رأيي أن القضاء على هذه الحكومة في وقت مبكر أفضل من تركها حتى تكبر عليهم.. هذا طبعا إذا كان وضعهم يسمح بذلك والظروف تساعد، وإذا كان صفّهم الداخلي متحدًا ومتراصّــا فليستغلوا هذه الفرصة، وإذا كانت الناس قابلة لهم متشوّقة إليهم، فإن هذا الإقبال شـيء قد لا يدوم مع المكر الكُبَّار للأعداء والتخويف والتهديد والإطماع وغيره.

هذا الرأي، وهم يقدرون واقعهم أفضل من أي شخص آخر، ونحن إنما نتكلم من بعيد، مع أن هناك رأيًا آخر هو أن يتوقفوا قليلا الآن ويلتفتوا إلى أنفسهم وترتيب وضعهم الداخلي والعناية بشعبهم وبنائهم الاجتماعي، ويـناوروا سـياسـيا، ويستمروا في الاستعداد عسكريًا وغيره.. حتى يكونوا أقوى ويجدوا الفرصة الأنسب، لكن الرأي الأول هو ما أراه.. وإن أي تراخٍ لن يكون في صالحهم.. والله أعلم وأحكم.

وليستعيـنوا بالله تعالى، ولتكن الشورى رائدتهم، والتوكل على الله والثقة به والاعتماد عليه هجّيراهم، والله يتولاهم، وبكل حال لا بد أن يعرفوا أنهم قادمون على حروب، ومسؤوليات كبيرة، فإما أن يكونوا أهلا لها ويأخذوها بحقها، وإلا فلن تجدي الترقيعات والتوفيقات.!

الغرب لن يتركهم.. وأثيوبيا يمكن أن تتدخل في الصومال وتتسلط عليهم في أي وقت، فهي ورقة بيد أمريكا والغرب الصليبي واليهود من جهة، ثم هي لها استراتيجيتها الراسخة من جهة أخرى، هذه الاستراتيجية قائمة على أساس الديـن والقيم والثقافة النصـرانية، والقومية الحبشـية والأحلام التوسعيّـة.. لن ترضـى ولن تسكت أثيوبيا أبدًا عن وجود قوة إسلامية وعربية قريبة منها، في الصومال بالذات..! هذا شـيء معروف، ما فيه جدال.. وعلى كل حال، لا يـنبغي لإخواننا أن يخشوا أثيوبيا.. فهي أذل وأحقر من ذلك..!

فليسلطوا عليها المجاهديـن فقط، ويعيدوا أمجاد «أوجاديـن»، وسـيرون نصـر الله تعالى، إن خياركم الوحيد الصحيح أيها الإخوة في المحاكم هو إخوانكم المجاهدون وأمتكم وديـنكم الحق..! لا غير..

إن الطريق الصحيح لتفوزوا وتفلحوا وتعزوا وتكرُمُـوا هو طريق «الملا محمد عمر» حفظه الله ورعاه، الذي اختار الله وما عنده، عليكم بإخوانكم المجاهديـن، والُـوهم وتمسّكوا بهم، وافتحوا لهم الأبواب، واستعيـنوا بالله تعالى وسترون ما يسـركم، الحرب عليكم من قِــبَــل أمريكا وأثيوبيا وأوليائهم من كل كافر وساقط، قادمةٌ لا محالة.. فلا تظنوا غيرَهُ..!!

فأنتم بيـن خياريـن:

ص 232

إما أن تكونوا أبطالا ورجالا، وتكونوا كطالبان وخيرًا منهم حتى، وتتمسّكوا بديـنكم وشـريعة ربكم وبالتوحيد والولاء والبراء.. فحيـنئذٍ سـيضـربكم الأعداء عن قوسٍ واحدة، وستلقون حربًا عظيمةً، فلتثبتوا ولتصبروا، فإما النصـر المبيـن وعز الدنيا، وإما الشهادة والفوز بالآخرة وهي والله الفوز المبيـن.. وفي كلا الحاليـن تنالون شـرفًا تاريخيا، وتكونوا للناس أئمة، ويرفع الله ذكركم ويُـعلي في الآخِــريـن اسمكم. والله أكبر.

وإما أن تختاروا سبيل المداهنة والتوسّط -زعموا- والإحسان والتوفيق، وتهِــنوا وتستكيـنوا وتضعُـفوا وتقولوا: لا نستطيع ولا قِــبَــل لنا بأمريكا وأوليائها وكذا وكذا، وتحاولوا الحفاظ على بعض المكاسب التي أنجزتموها بظنّكم.. فتبدؤوا في سلسلة تنازلات وتوفيقات، ويتزعزع الولاء والبراء، ويضعف التوحيد.. الخ.. لا قدّر الله ذلك عليـنا ولا عليكم، وعافانا الله وإياكم.. آميـن؛ ففي هذه الحالة هل تظنون أنكم سترضون أعداءكم أو تأمنون شـرهم، وأنكم يمكن أن تحققوا شـيئا؟ لا والله..! بل سـيزداد الأعداء عليكم تكالبًا وتعززًا، ووالله لن يرحموكم، ولن يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة كما قال ربنا ﷻ: ﴿كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨﴾ [التوبة] الآيات، وسوف يسومونكم سوء العذاب، ويسفّونكم المَــلَّ من الذل والهوان..! وسوف تخسـرون في النهاية؛ تخسـرون ديـنكم، ودولتكم، وشعبكم، وإخوانكم، والمسلميـن جميعا.!! وستكونوا في التاريخ مجرد نقطة سوداء محزنة مؤسفة..!

وتنضمون إلى قائمة الفرص الضائعة في تاريخ أمتنا، ولن يبكي عليكم أحدٌ كبيرَ بكاء..

ولن تجدوا إلا الشـيطان يقول لكم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ لا قدّر الله ذلك.! فهذان الخياران أمامكم يا إخواننا الأحباب واضحيـن.

فاستعيـنوا بالله تعالى واختاروا الخيار الصحيح الذي عليه أنوار الهداية وبراهيـن الحق، استعيـنوا بالله وتوكلوا عليه، واصبروا وصابروا ورابطوا، واثبتوا، واعلموا أن الإنسان ضعيف بنفسه مهما قوي فهو لا شـيء، إلا أن يكون الله ﷻ معه، فحيـنها لن يغلبه أحد.. ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠﴾ [آل عمران]، والله الموفق، لا إله غيره ولا رب سواه.

وأمريكا من الصعب عليها الدخول في حرب هناك على غرار دخولها إلى العراق وأفغانستان، هذا مستبعد الآن، لكن فكرتهم الآن هي القوات الأممية، وعندهم ورقة أثيوبيا، وربما غيرها.. وأما الضـربات الجزئية المحدودة بالطيران والصواريخ فهذا ممكن طبعا، في أي وقت، فليتنبّه له إخواننا.

ص 233

إن وجود سلطة إسلامية مستقلة في تلك المنطقة هو خطر كبير بالنسبة للمصالح الأمريكية لا شك فيه، ومسألة المضـيق (مضـيق باب المندب) وتأميـن الحركة فيه من خلال تأميـن المنطقة حوله هذه مسألة حيوية للأمريكان ولليهود، وهي مسألة سـياسـية اقتصادية معًا؛ فالأمر جد ليس بالهزل.!! والله ناصـر أولياءه ومعلٍ كلمته ومظهر ديـنه ولو كره الكافرون، ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨﴾ [المنافقون]..

وهنا أحب أن أستغلّ الفرصة لأحذر إخواننا المجاهديـن وقياداتهم أن يـنتبهوا جيدا على أنفسهم وليأخذوا بما يمكنهم من أسباب الاختفاء عن أنظار الأمريكان والتوقي من استخباراتهم، والاحتياط الكامل، بعد التوكل على الله تعالى وحده، خاصة القيادات المعروفة والمطلوبة أمريكيا وممن لهم تاريخ، كالشـيخ «حسن ظاهر»١٠٥لعل الشيخ يقصد «حسن طاهر أويس» بالمهملة، ويسميه بعضهم: «حسن ضاهر» بالضاد، والله أعلم بالصواب. وبعض إخوانه الآخريـن، وغيرهم.

واليوم وأنا أكتب هذا الجواب سمعتُ أن المحاكم اختارت الشـيخ حسن رئيسا لمجلس الشورى (وسائل الإعلام تسمِّيه البرلمان، على غرار ما يعرفون في ديـنهم وثقافتهم)؛ فأنصحهم بالاحتياط من ضـربات الأمريكان، والأمريكان موجودون غير بعيد منكم بأسطولهم في البحر، وتقنياتهم عالية في قنص من يتوفر عندهم معلومات عنه من الجوّ، خيّبهم الله، وأيضا هم يمكن أن يحاولوا اغتيال القيادات على الأرض، فما أسهل التجنيد عليهم ولا سـيما في مثل ظروف الصومال، فاحذروا الاغتيالات وانتبهوا..

واستعيـنوا بالله تعالى وخذوا حذركم كما أمر الله ﷻ.. والله يتولاكم ويحفظكم ويرعاكم.

•••