• لكلِّ شـيءٍ إبّان:

هذه الكلمة من الحكمة التي ينبغي أن يحفظها شبابنا ويتشبّعوا بإدراك معناها، وهي في رأيي قاعدة دلَّت عليها سنة الله في خلقه، كما دلَّ عليها الشـرعُ أيضا؛ فإن الله تعالى جعل لكل شـيء وقتًا معلومًا، وجعل من أسباب نجاح العمل أن يصادفَ وقته المناسب الذي دلت عليه الدلائل التي نصبها الله تعالى عليه، من الشـرع أو العقل والحسّ والتجربة ونحو ذلك، كما أن من أسباب ذلك أن يصادف محلّه القابل له، فمن طلب الشـيء في غير محله وقبل وقته وقبل تهيؤِ أسبابه وبلوغ أجله؛ فإنما يتعِبُ نفسه، ولن يجني إلا الشقاء دنيويًا أو أخرويا أو كليهما بحسبه!!

ويدخل في ذلك الثوراتُ والتغييراتُ الاجتماعية والسـياسـية؛ فإن أهلها إن لم يراعوا إبّانها وسائر أسباب نجاحها؛ فإن الفشل -بحسب سنة الله تعالى في خلقه- هو مصيرها؛ فلكل شـيء إبّانُ..

ولكن ههنا تنبيه: وهو أنّ كلامنا هذا إنما هو في حال الاختيار، لا في حال الاضطرار.

بيانه: أنّ القائمين بالثورة والخارجين على الدولة حيث وجدت الأسباب الشرعية للخروج والثورة، إن كان لهم مجالٌ للاختيار وسعةٌ في التأخير شرعًا؛ فعليهم أن يختاروا الوقت المناسب الذي تنضج فيه سائر أسباب النجاح وتكتمل وتتمّ، ويسعون في ذلك في تكميل الأسباب، وهو المعبَّر عنه في الفقه بوجوب الإعداد عند سقوط الجهاد للعجز.

أما إذا اضطروا وضاق عليهم الاختيار ولم يجدوا بُدًا من الخروج؛ لكون العدوّ فرض عليهم ذلك بحيث إن لم يخرجوا ويتحرّكوا الآن وقع عليهم ضرر كبير وفسادٌ عريض.. في حين أنهم إن خرجوا كان الضرر الواقع أقلّ بحسب توقّعهم الناتج عن دراسة ونظر جيد منصف في الأمور فإنا لا نمنعهم من الخروج -ما دام أصل الجواز والإذن موجودا شرعا-، بل نقول: توكلوا على الله وانطلقوا، لكن قد لا تصيبون كل الهدف ولا تحققون كل المراد، لأن الإبّان لم يحلّ، فوطّنوا أنفسكم على الاكتفاء بتحصيل ما يمكن من الأهداف الجزئية حيث لم يمكن الكمال، وأجركم على الله، فأنتم تشتغلون هنا تحت مبدأ «ارتكاب أخف الضررين».

ص 730

وبالجملة.. فإن الخروج والثورة حيث قلنا بجوازها شرعا -لوجود أسبابها الشرعية كوجود الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان من السلطان- فهي جائزة لا نمنعها بحال، ولو خرج الرجل وحده، وقاتل حتى قُتِل..! ما لم نعلم أو نظن ظنا غالبًا أنَّ خروجه يؤدي إلى منكر -فساد- أكبر مما هو موجود أصلا؛ لأن قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شريعتنا قاضية بذلك.

ولكن لأن المنكر -الفساد- الموجود أصلا هو الكفر المتمكِّن، ثم سائر ما ينشأ عن سيطرة الكفر وتمكّنه في الأرض من فساد عريض؛ فإنه لا يكاد يُتصوَّر فساد أكبر منه، إلا في حالة واحدة قليلة الوجود وهي: أن يزداد الكفر قوة وتمكّنًا من البلاد وتحكما في العباد.

هذا هو الأساس، مع ما يضاف إليه من مفسدة مقتل هذا الخارج -أو الخارجين- وفنائهم، وتعطّل مصالح كانت متاحة أو فشل مشاريع جهادية ودعوية كانت ناشبةً وفي أطوار معينة، ومفاسد سفك الكثير من الدماء بغير حق من قبل الكافر، بسبب استثارتنا له.. وما شابه ذلك.. فهذا موضع اجتهاد.

فمن ظن أنّ الكفر لن يزول بخروجه بل سيقوى ويزيد تمكُّنه، مع بقية المفاسد المشار إليها؛ فكفَّ يده وترك الخروج، إلى أن يتهيّأ حالٌ يُظَنّ فيه تحقق النجاح، فهذا محتمل.

وحينئذ يبقى عليه واجب الإعداد بكل معانيه.

ومن قال: هذه مفاسد ظنية، وهذا الاحتمال -احتمال وقوع مفسدة أكبر على النحو الذي وضحناه- احتمال ضعيف قليل الوجود، جوَّز الخروج.

وصاحب هذا القول الأخير يقول: لا نسلِّمُ أنّ الكفر يقوى ويزداد فإن هذا شيء متوهّم، ولا يكاد يوجد في الواقع، بل هو إما أن يزول ولو طال عمر الثورة، وإما أن يضعف ويقل حرده وشره.. فإن زال وأقمنا حكم الله مكانه؛ فذاك غاية المطلوب ولله الحمد.

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

ص 731

وَفِي الْقَتْلَى لِأَقْوَامٍ حَيَاةٌ 

وَفِي الْأَسْرَى فِدًى لَهُمُ وَعِتْقُ٥٤٤قاله: أحمد شوقي، قصيدة «نكبة دمشق» انظر: الشوقيات (2/ 456)، وصوابه: «ففي القتلى لأجيال حياة.. وفي الأسرى فدىً..».

فإن الأمة إن لم يوجد فيها ذلك ماتت لا محالة، وبالجملة: فإن خروجنا وإن لم يكن يحقق الهدف الكامل المطلوب لكنه خطوة في الطريق الصحيح إن شاء الله، ونحن يكفينا ذلك، مع سلامة أدياننا -نحن في أنفسنا- من فتنة تسلط الكفار والنظام الكافر علينا، ومع ما نرجوه -وهو المطلوب بالقصد الأول- من فضل الشهادة والقيام بنصرة الدين بالمهجة والدم ونيل رضوان الله تعالى وأعلى الدرجات في دار كرامته.

وهذا القول الأخير هو الأرجح عندي، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وأستغفر الله تعالى من كل زلل.

وهذا على كل حال موضع ينبغي الاعتناء بتحريره من قبل أهل العلم والرأي، نسأل الله أن يلهمنا وسائر أحبابنا الهدى والسداد.. آمين.

[الحلقة الرابعة مجلة طلائع خراسان، العدد الرابع عشـر، جمادى الآخر 1430]