﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾

لم يزل طلب العزة دأبَ البشـر؛ لا جرم أن الإنسان معترفٌ في قرارته بحقيقة حقارته، وفقره وعجزه وحاجته.

فمن الناس من ابتغاها في الأموال والمِلك، ومنهم من ابتغاها في الرياسة والمُلك، ومنهم من ابتغاها في الأنصار والأولاد والعشـيرة: ﴿أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤﴾ [الكهف: 34]، ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [العنكبوت: 25]، ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩﴾ [النساء]، ومنهم من ابتغاها في شـركاء من دون الله يعبدهم ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١﴾ [مريم]، فكان كما قال الله: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١﴾ [العنكبوت].

ص 806

الكل باحثٌ عن العزة طالبٌ لها، وأكثرهم فاسقون وعن الصراط ناكبون: ﴿أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠﴾ [الملك]، فهدى الله أهلَ الإيمان به واتباع رسوله ﷺ إلى مصدر العزة ومنبعها وسبيلها وطريق تحصيلها: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ [فاطر: 10]، «و ﴿وَمَن كَانَ﴾ اسم شـرط وما بعده فعل الشـرط، والجمع بين ﴿كَانَ﴾ و ﴿يُرِيدُ ١٦﴾ للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، وجملة: ﴿فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ دليلُ الجواب، ولا يصح أن يُجعلَ جوابًا للشـرط من حيث الصناعة النحويّة لخلوه عن ضمير يعود على ﴿مِنَ﴾ ، وقد قالوا: لا بدّ أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشـرط إذا لم يكن ظرفا، والتقدير: من كان يريد العزة فليطلبها من الله تعالى فلله وحده لا لغيره العزة فهو سبحانه يتصرف فيها كما يريد؛ فوضع السبب موضع المسبَّب لأن الطلب ممن هي له وفي ملكه جميعها مسبَّبٌ عنه، وتعريف العزة للاستغراق بقرينة ﴿جَمِيعٗا﴾ وانتصابُهُ على الحال، والمراد: عزة الدنيا والآخرة، وتقديم الخبر على المبتدأ للاختصاص»٦٥٤روح المعاني للألوسـي (11 / 346)، بتصرف يسـير. [المؤلف؛ دون العزو، ودون: روح المعاني].

وبيّن ربنا ﷻ غلط الغالطين في طلب العزة من غير محلها: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩﴾ [النساء] «وقد علم الله ﷻ أنهم كانوا يريدون الاعتزاز، لأن الإنسان مجبولٌ على طلب العزة؛ فمخطئٌ أو مصيبٌ، فمعنى الآية والله أعلم: بلغ هؤلاء المتخذين الكافرين أولياء من دون الله ابتغاءَ العزة بهم؛ أنهم قد أخطأوا في مواضعها وطلبوها في غير مطلبها؛ فإن كانوا يصدقون أنفسهم في طلبها، فليوالوا الله ﷻ وليوالوا من والاه»٦٥٥البرهان في علوم القرآن للزركشـي (2 / 131). [المؤلف؛ دون العزو، ودون: البرهان في علوم القرآن].

فيا من تريد العزة وتطلب العزة، وتتحاشـى عن الذلة: عليك بربك العزيز المجيد الكبير المتعال؛ فإن العزة جميعَهَا له وعنده وبيده، يؤتيها من يشاءُ ويمتعها من يشاء: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦﴾ [آل عمران].

ويا من تريد عز الدنيا والآخرة: عليك بطاعة مولاك العزيز الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، المتصرف في خلقه كما يشاء، الفعّال لما يريد، الذي لا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم الذي العزةُ إزارُهُ والكبرياءُ رداؤُهُ؛ فالزم طاعته وخدمته، وكن أبدًا في صفه وجانبه، وَحِّدْه، وتذلل إليه واخضع، وانكسـر وتواضع، يرفعْك ويعزّك، ولا تكن من المخالفين المحادّين فتذل؛ فإن العزة في طاعته والذل والخسـران في معصيته: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١﴾ [المجادلة]، ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨﴾ [المنافقون].

ص 807

نعم؛ المنافقون لا يعلمون!، لا يعلمون أن العزة لله ولـمَن والى الله وكان في صفِّ الله، فراحوا يطلبونها من غير محلها وعندَ من لا يملكُها، يتعزّزون بالأولياء من دون الله: ﴿يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ﴾ [النساء: 139]، المنافقون لا يعلمون هذه المعاني ولا تكاد تستقرُّ في قلوبهم، وإن طافت بها أحيانًا كالخيال!!

أما أهل الإيمان فقد وُفقوا وسُدّدوا واستبانت لهم الطريق وأبصـروا بما آتاهم الله من النور سبيلَ العزة في الدنيا والآخرة، وشكروا نعمةَ الله أن أعزهم بهذا الدين؛ كما قال أحدُ قدواتهم العظام -سـيدنا عمر h-: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام؛ فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» ٦٥٦ورد بألفاظ مقاربة لهذا اللفظ -المشهور- في: جزء سعدان (6) بلفظ: «إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ النَّاسِ وَأَحْقَرَ النَّاسِ، وَأَقَلَّ النَّاسِ، فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلُّكُمْ»، وفي: تاريخ دمشق (5 / 44)، البداية والنهاية (9 / 666).، فاستجابوا لله العزيز وصدَّقوا وأيقنوا وأذعنوا وانقادوا لأمره: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24] فطوبى لهم وكرامة وسـيادة وسعادة، وحسن خاتمة..