[إقامة الحجة على الطواغيت قبل تكفيرهم، وبيان ضوابط التكفير وموانعه، وفائدة في قولنا: «ممتنع عن قدرة»]

ذكر عن الشـيخ «محمد حسان» نحسبه على خير أنه لا بد من إقامة الحجة على المرتد قبل تكفيره؛ فهل يجب إقامة الحجة على الطواغيت قبل تكفيرهم والخروج عليهم؟ أرجو ذكر ضوابط وموانع التكفير..

[السائل: abo hamza elmasry]

الجواب:

القول بأنه يجب إقامة الحجة على «المرتد» -لعلها تسمية باعتبار المآل والاستحقاق، والمقصود مَن ارتكب الكفر المخرج من الملة- قبل تكفيره، ليس على إطلاقه..

وتصحيح العبارة أن يقال: إقامة الحجة على منَ ارتكب الكفرَ قبل تكفيره.. المهم أن هذا ليس على إطلاقه، بل فيه تفصـيل، فإن كان مما يُمكن أن يكون له فيه عذر من جهلٍ أو تأويلٍ أو إكراه أو خطأ وعدم قصدٍ للفعل، أو نحو ذلك؛ فهذا لا نحكم بكفره حتى نزيل عذره ونقيم الحجة عليه، وإن كان مما لا يمكن أن يُــعذر فيه الإنسان ومما يُـعلم أنه ليس له فيه عذرٌ، فلا يلزم إقامة حجة ولا انتظار بل نحكم بكفره مباشـرة.. فهذا إذن يختلف باختلاف الأحوال.

وأما الطواغيت الحاكمون لبلاد المسلميـن اليوم فالجواب على مسألتهم من وجهيـن:

الوجه الأول: وهو الحق، أنه لا يلزم إقامة حجةٍ عليهم فيما تلبّسوا به من نواقض الإسلام والكفر البواح، لأنه قد تقرر عندنا في مباحث «أحكام المرتد» أنه لا يلزم إقامة الحجة على الممتنع المعرض؛ فهؤلاء ممتنعون عن قدرةٍ وشوكةٍ، محاربون، فردتهم ردّة مغلظة، لا ردّة مجردة، وهم من أجل ذلك معرضون أشد ما يُتصوّر من معنى الإعراض، فكيف يلزم إقامة حجة عليهم، هذا لا تأمر به الشـريعة، ولا تدل عليه بأي نوع من أنواع الدلالة، بل دلّت على عكسه، وهذا لا نعلم فيه خلافًا بيـن أهل العلم، والكلام فيه مبسوط في أبواب الردة من كتب الفقه الكبيرة، وفي الكتب التي تناولت هذه الأحكام بوجه من الوجوه ككتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول»٢٧٢قال في: الصارم المسلول (ص 326): «الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه». لابن تيمية رحمه الله، وغيره.

ص 450

الوجه الثاني: على التنزل، وهو أنه على فرض لزوم إقامة الحجة عليهم فإننا نقول إن الحجة عليهم قائمة بلا شك، فإن الله تعالى أقام جماعات من علماء ودعاة ورجالات أهل الإسلام لا يزالون يدعون هؤلاء الطواغيت ويـنكرون عليهم ويبيـنون باطلهم وما هم متلبّسون به من الكفر الشنيع، وهذه الجماعات الإسلامية الدعوية والجهادية بأنواعها وأشكالها، وهذه السجون وهذه المناظرات وهذه الكتب والمباحث والمناقشات والحوارات وغيرها وغيرها.. إن لم تكن فيها إقامة حجة على أكفر وأعتى أحدٍ يمكن تصوره، فما بقي في الوجود إمكانٌ لإقامة حجة على أحدٍ.!!

وعليه.. فمن يقول إن هؤلاء الطواغيت لم تقم عليهم الحجة وإنه لا يجوز تكفيرهم حتى تقام عليهم الحجة، فهذا ضالٌ مضل ملبّـس على الناس فاحذروه واجتنبوه.!

وأما ضوابط وأحكام التكفير وذكر شـروطه وموانعه.. فهذه يا أخي الكريم لا يسعها هذا المقام، وهي مبسوطة بحمد الله في الكثير من الكتب المعاصـرة، لأن المعاصـريـن ابتلوا بها وحرروها وفصلوها أكثر من القدماء، (لكن الأحكام نفسها لا تخرج عما هو معروف عند المتقدميـن، بل كل من يكتب جديدا فهو عالة عليهم إنما المقصود التحرير والتفصـيل في التأليف والتفهيم) فهناك مجموعة من الكتب الطيبة حررت هذه المسائل، فعليك بها٢٧٣ينظر: الرسالة الثلاثينية (ص 30 - 77)، إتحاف البررة بموانع التكفير المعتبرة؛ للمجلسي.. وغيرها..

والله الموفق، لا إله غيره ولا رب سواه.

فائدة في قولنا «ممتنع عن قدرة»: معنى قولنا ممتنعون عن قدرةٍ، أو امتنعوا عن قدرة، ونحوها أن الشخص أو الأشخاص امتنعوا عن بعض الشـرائع عن قوةٍ وشوكةٍ، بها انتصبوا للحرب والمقاتلة والامتناع عن أخذنا لهم بالأحكام.. فجملة «عن قدرةٍ» موضعها نصبٌ على الحال، والتقدير: امتنعوا قادريـن، أي امتنعوا والحال أن لهم قوة وقدرة وشوكة.

والمقصود: التفريق بيـن الممتنع المجرد كمن يمتنع عن أداء زكاته، وبيـن الممتنع عن قوةٍ وشوكة -الممتنع عن قدرةٍ-؛ فهذا ليس امتناعا مجردًا، بل هو قد امتنع وانضافَ إلى امتناعه اعتصامه بقوة وقدرة وشوكة، يمتنع بها عن مؤاخذتنا له بالأحكام.

ص 451

وعليه.. فلفظ «قدرةٍ» يـنبغي أن يكون منكرًا، ونظيرها: المنفق عن غنىً أو عن ظهر غنىً، وكفر فرعونُ عن استيقانٍ، وأضله الله على علمٍ، ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ﴾ [التوبة: 29]، ورأيت بعض الفضلاء يستعملها استعمالا مختلفا ويشـرحها شـرحًا مختلفًا، فيقول: الممتنع عن القدرة، معرَّفة -بالألف واللام-، ويشـرحها بأنه امتنع عن قدرتنا عليه، فلا تطاله قدرتنا، وهذا المعنى وإن كان صحيحًا، وهو والأول متلازمان، لأنَّ هذا الممتنع امتنع بقدرته عنا أي عن أحكامنا ومؤاخذتنا له، فهو ممتنع عن قدرتنا أي ممتنع عنا.. لكن الاستعمال الأول الذي بيـنته هو الأفصح والأصح، وهو الذي يجري على ألسنة العلماء. وبالله التوفيق.

•••