* العدل والفضل
غرضنا الأساسي في موضوع «الثقافة والوعي» أن نتناول بعض المفاهيم فنشرحها ونحاول إذا كان فيها بعض الأخطاء في تصوراتنا موجودة ومنتشرة بيننا أو شائعة عندنا؛ فننبه عليها؛ حتى لا نقع فيها، ويتفطن الإخوة لها بعد ذلك، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم.
الله عز وجل حكم عدل، من صفاته ومن أسمائه ﷻ أنه العدل، أو أنه حكم عدل هكذا اسم مركب؛ فمن أسماء الله الحكم العدل.
الله ﷻ قائم بالقسط: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨﴾ [آل عمران] فالله ﷻ شهد حال كونه قائمًا بالقسط، وكذلك الملائكة وأولو العلم شهدوا، ﴿قَآئِمٗاۚ﴾ هذه حال على كونه ﴿قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾.
فالله ﷻ قائمٌ بالقسط في خلقه، والله ﷻ حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، الله ﷻ لا يظلم أحدًا، نفى الله عز وجل في القرآن عن نفسه الظلم في مواضع عديدة: ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦﴾ [فصلت].
الله عز وجل حكم عدل وقائم بالقسط وحرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، ويكره الظلم، ويحب العدل والقيام بالقسط ويأمر به، وينهى عن الظلم، وجعل هذه الحياة لا تستقيم -السموات والأرض كلها- إلا بالعدل والقيام بالقسط؛ لهذا لما بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة لليهود يجذ لهم النخيل؛ أي يخرص عليهم نخيلهم -الجذاذ يعني جني الرطب، قص العراجين أو بالطرق المختلفة حسب ما يناسب النخل؛ يعرف ذلك أهل النخل، ونحن بالنسبة لنا ومناطقنا لا نقص عراجين النخل، بل ننقي النخل عدة مرات في الموسم، في بعض المناطق نخيلها يقصوها قصة واحدة، على كل حال هذا الجذاذ، وقبل الجذاذ يأتي الخرص، وهو أن نأتي بواحد خبير يعرف النخل؛ فينظر في النخيل أربعين نخلة أو خمسين نخلة، ويقول: هذه تأتي بمقدار ثلاثة قناطر مثلًا، هذا يسمى الخرص، وهو تخمين كم يكون عدد التمر؛ لأنهم لما يبدؤون بالأكل منها لا تستطيع أن تعرف حسبتها، لكن من البداية قبل الجذاذ يخرصوا-.
بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة لليهود يخرص عليهم نخيلهم، فخرص عليهم فحاولوا يراودوه عن هذه الحسبة فقالوا له: انقص أو زد قليلًا.
فقال لهم: والله لأنتم أبغض خلق الله إليَّ، ومع هذا لا يحملني بغضي لكم أن أظلمكم.
فقالوا له: بهذا قامت السموات والأرض١٬٢٠٩انظر في هذه القصة: سنن أبي داود (3410) وقال الألباني: حسن صحيح، موطأ مالك (2397، 2389)..
يعني هذا العدل وهذا القسط.. هو يقول لهم أنكم أبغض خلق الله إليَّ أنتم اليهود، ومع هذا فإن بغضي لكم لا يحملني أن أظلمكم، وهذا هو معنى الآية: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ﴾ [المائدة: ٨]، فهو قال لهم: لا يحملني بغضي لكم أن أظلمكم، والله لا أظلمكم أبدًا، أخرص بالضبط مثل ما أعتقد وأتحرى وأدقق وأخرج الخرص كما هو؛ لا أزيد عليكم ولا أنقص، تحسبوني أني جئت لأظلمكم؛ فهو يريد أن يقول لهم هكذا، فلما رأوا هذه الكلمة منه ورأوا هذا الفقه قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وطبعًا هم عندهم قليل علوم ومعارف، يعرفون العدل.
﴿قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ قائم: حالٌ من ﴿هُوَ﴾ ، وقيل: هو حال من اسم الله، أي شهد لنفسه بالوحدانية حال كونه قائمًا بالقسط.
فهذه هي منزلة العدل: به قامت السموات والأرض ولا يمكن أن تقوم السموات والأرض ولا ينتظم حالها إلا بالعدل والقيام بالقسط، ولو وقع فيها الظلم على مستوى كبير تفسد هذه الأرض، والسموات وما فيها.. المكلفون في الأرض، والجن أيضًا؛ إذا طلعوا فوق السماء تضربهم الشهب، فلو كثر الظلم كثرة عظيمة يفسد نظام الأرض قطعًا لا شك، ولهذا فالعدل الذي جاءت به الرسل وأمرت به وجاءت به شرائع الله عز وجل وأمرت به، كما أنه موصل إلى رضوان الله عز وجل -كما قلنا في معنى الدين-، أيضًا به ينتظم سعادة الناس والبشرية في هذه الدنيا؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧﴾ [الأنبياء] من الرحمة التي أتى بها: هذا العدل الذي أسسه في الأرض.
والثقافات الأخرى بعد ذلك اقتبست الكثير جدًا من معاني العدل ومن تفاصيل العدل والقسط؛ اقتبسته من الشريعة الإسلامية، فاستفادت أوروبا من خطوط التّماس الثقافي التي كانت بين أوروبا على البحر المتوسط والشام وتركيا وإسبانيا هناك وغيرها.. استفادوا وأخذت أوروبا في عصور الظلام -التي سموا هم فيها أنفسهم عصور الظلام- العصور الوسطى التي كانوا هم فيها في قمة التخلف، وكانت إمبراطورية الإسلام ودولة الإسلام قائمة عندنا؛ اقتبسوا الكثير من العلوم حتى تخاذلنا نحن وحصلت عصور الانحطاط الإسلامي هذه، وهم بالمقابل هناك استفادوا من حضارة الإسلام، واستفادوا من المفاهيم الإسلامية، وترقوا وأخذوا بالأسباب الدنيوية وجاؤوا وغلبونا ونحن جلسنا مغلوبين مهزومين؛ لكن هم في النهاية تنوروا ببعض أنوار الشريعة واقتبسوا شيئًا من أشعتها؛ استفادوا منها، هذا كما قال العلماء يدخل في قوله عز وجل: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧﴾.
إنما العدل الكامل المنجي والمفيد في الدنيا والآخرة هو العدل الذي عند المسلمين القائمين بالقسط الملتزمين بدين الله عز وجل، شريعة الله كلها عدل، ودين الله كله عدل، وليس عدلًا فقط، بل هو عدل ورحمة وإحسان؛ هذه ثلاث صفات قال العلماء أنها لم تجتمع أبدًا في أي حضارة ولا في أي فكر ولا في أي ثقافة إلا في الإسلام فقط: العدل والرحمة والإحسان؛ صرح بهذا العلماء وممن ذكره: الشيخ بشير الإبراهيمي رحمه الله قالوا لم تجتمع، ونقلها عن المؤرخين والحكماء أنهم صرحوا أنها لم تجتمع إلا في الإسلام وفي الفتوحات الإسلامية، كان كلها عدل ورحمة وإحسان.
لكن ما معنى العدل؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالعدل، ولكن قد يكون العدل عندهم ما رآه أكابرهم» ١٬٢١٠منهاج السنة النبوية (5/ 130)..
ما من أمة من الأمم في التاريخ قديمًا وحديثًا إلا وهي تأمر بالعدل وتدّعي العدل والعدالة، وتدعو إلى العدل وتمدح العدل وتذم الظلم، هل سمعتم أحدًا في الدنيا يمدح الظلم؟ فرعون أعتى إنسان وأظلم إنسان في الوجود وفي تاريخ البشرية ضربه الله مثلًا للفراعنة -«فرعون» لقب لهذا المعنى البشع الفظيع- هل كان يأمر بالظلم أو يمدح الظلم؟ أو يقول أنا ظالم وأريد أن أظلم؟ لا، اتفقت البشرية كلها جميع الأمم كلها كافرهم وملحدهم ومسلمهم وغيرهم على ذم الظلم، ومدح العدل.
كل أمة من الأمم تدعي أنها تحكم بالعدل وتأمر بالعدل، لكن ما هو العدل؟ الدين الأمريكاني يقول لك: عدل، نحن حاكمين على «خالد شيخ»، و«رمزي بن الشيبة» ونطبق عليهم، ونعذبهم وحابسينهم المؤبد، «عمر عبد الرحمن» حاكمين عليه 240 سنة! ويقولون: هذا عدل!.
نقول لهم: والله العظيم إن هذا من أظلم الظلم يا مجرمين يا كفرة قاتلكم الله، لكنَّ العدل هكذا عندهم، هم يفهمون العدل «حسب ما رآها أكابرهم» كما قال شيخ الإسلام، أكابرهم مثل «الكونجرس» الذي وضع هذه القوانين، هم أنفسهم مجتمعين وواضعين قوانين، ومراعاة هذه القوانين هي العدل عندهم.
لكن نحن نقول: لا، العدل -على الجملة- هو: ما جعله الله عدلًا، وما دلت شريعة الله على أنه عدل؛ فكل ما جاءت به الشريعة من الحق فهو عدل، والشريعة كلها عدل، ولا تأتي بالظلم، وتحرم الظلم، وتنهى عنه نهيًا عظيمًا، بل كلها عدل ومصلحة وصلاح، وليس فيها فساد، أي شيء دلت أدلة الكتاب والسنة وما في معناهما على أنه مشروع فهو عدل وهو صلاح وهو رحمة وهو إحسان، وما سواه كل ما دلت الشريعة على أنه غير محبوب لله، وأنه مكروه أو حرام؛ فإنه ليس بعدل، مع أنه ممكن أن يكون بحثٌ في مسألة المكروه؛ لكن المقصود كل ما لم يكن مشروعًا فهو ليس بعدل، بل هو ظلم.
العدل هذا تعريفه الصحيح: قال العلماء: «العدل هو: التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين»١٬٢١١انظر: جامع المسائل لابن تيمية (6/ 231) قال: «الإسلام يتضمن العدلَ، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتفاضلين من المخلوقات»، مجموع الفتاوى (20/ 359). هذا هو العدل، أحسن تعريف وأضبط تعريف للعدل.
والشريعة -شريعة الله المطهرة- قاعدتها هي هذه؛ تأتي بالتسوية بين المتماثلين، تسوي بينهما في الحكم؛ تعطيهما حكمًا واحدًا، عطاءً واحدًا، وتفرق بين الشيئين المختلفين بحسبهما إذا كان الفرق كبيرًا أو إذا كان الفرق صغيرًا؛ فتعطي كل ذي حق حقه.
تعريف آخر للعدل تستطيع تقول أنه: إعطاء كل ذي حق حقه، يستعملها العلماء في تعريف الحكمة كذلك، الحكمة والعدل: وضع كل شيء في محله، وإعطاء كل شيء حقه، هذا هو العدل أيضًا.. هذا أين مكانه اللائق به المناسب الذي هو أفضل من غيره! يُوضع فيه، وإعطاؤه حقه.
لكن التعريف الأضبط الأحسن هو: التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين.
العدل هو: أن تسوي -أيها الإنسان الناشد للعدل- بين الأشياء المتماثلة، أما إذا اختلفَت فلا تسوي بينهما، بل تفرق.
مثال: أقدار الناس المختلفة؛ الكبير والصغير، والسابق واللاحق، والعالم والجاهل، والمجاهد وغير المجاهد، والمؤمن والفاسق، تعطي كل ذي حق حقه؛ لا تسوّي بينهم في الاعتبار: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥﴾ [القلم].
نقول: هذا أفضل في الحكم، ونقول: هذا صالح ونعطيه درجته، نقول: هذا فاسق أو يستحق كذا، كل واحد نعطيه حقه، ناس متساوية مثلًا فهي متساوية في الحكم بلا تفريق بينها، أو كانت مختلفة في علم الله فنحن لسنا مكلفين بهذا، كتساويهم في السبق والجهاد والصلاح.. هؤلاء متساوون مثل بعضهم؛ فلا نأتي لواحد فاضل ونبخسه حقه من إيمان وجهاد وهجرة وصلاح وعلم وفضل ونجعله في مرتبة الناس الذين ليس لديهم هذا كله؛ بل نفرق بين الناس! فهذا التفريق بين المختلفين.
من أظهر الأمثلة التي نحتاج فيها إلى فهم معنى العدل: مسألة العطاءات، وكذلك مسألة الولايات؛ والتقديم والتأخير فيها، والخطأ الذي يحصل عند كثير من الناس أنهم جعلوا العدل بمعنى التسوية مطلقًا، ولهذا حتى في الشعارات الحديثة مثل الثورة الفرنسية شعارها «إخاء وحرية ومساواة» اقتبسها العرب منهم وترجموها.
العدل ليس هو المساواة! بل هو: إعطاء كل ذي حق حقه، هو تسوية بين المتماثلات، فإذا وُجدت المختلفات كيف تسوي بينها؟ ينبغي تفرق، لكن لما تأتي تفرق، تفرق بهواك؟ لا، فرّق على مقتضى الدليل، الدليل يقول: لا، هذان مختلفان، فرق بينهما، هذا يستحق كذا تعطيه كذا، وهذا يستحق كذا تعطيه حقه، فالأشياء المختلفة، لا تسوي بينها في العلم والأفكار والمناهج والأحكام العلمية.
باب القياس مبناه على هذا؛ الأشياء المتساوية المتماثلة سوّت بينها الشريعة في الحكم؛ فالقياس هو: إلحاق فرع بأصل لجامع بينهما؛ إلحاق فرع بأصل في الحكم لتساويهما أو لانعدام الفارق، فالفقيه أحيانًا يعتمد في القياس فقط على نفي الفارق، يقول: لا يوجد فارق مؤثر بين هذا وهذا فحكمهما سواء، هذا يسمونه «القياس بنفي الفارق» يعني هو صب نظره على نفي الفارق.. وهذه كثيرًا ما نحتاجها في المسائل العلمية.
ينظر الفقيه ويقلب وجوه النظر يقول: هل هذا له تأثير أم ليس له تأثير؛ فيخرج بنتيجة في بعض المسائل أنه لا يوجد فارق مؤثر بين هذا وهذا، المقصود بالفارق: الذي له تأثير، وإلا قد يكون هناك فارق ككون أحدهما أبيض والآخر أسود؛ فهذا وصف طردي ليس له تأثير.
وإذا كان قياسًا جليًا واضحًا؛ كأن تكون الشريعة وضحت العلة في حكم معين وجاءت مسألة ثانية فرع لها فنلحقه بالأصل؛ لأن نفس العلة فيهما واضحة جدًا، نلحقه بها.. لكن لا بد أيضًا ألا يكون فارقًا مؤثرًا، نفي الفارق لا بد منه.
إذن؛ العدل في كل شيء، في الأحكام التي نطلقها على الأشياء -على التصورات كلها كيف نحكم عليها ونصدق عليها- في كل شيء، المتعلقة أيضًا بالأشخاص، والمتعلقة بالقسمة بين الناس والعطاءات والتوليات وفي أقدار الناس ومراتبهم وهكذا نحتاج إلى مفهوم العدل، الخطأ الشائع الذي يحصل عند الناس أنهم يظنون أن العدل هو مطلق التسوية.
ذو الخويصرة -صاحب الخوارج الأول- الذي خرج في عهد النبي ﷺ وحديثه في الصحيحين، الذي قال فيه النبي ﷺ: (يخرج من ضئضئ هذا قوم..) وساق حديث الخوارج الطويل (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم..) إلى آخره؛ فذو الخويصرة هذا كان رجلًا فيه تنطع وسخافة عقل فرأى النبي ﷺ يقسم شيئًا من الغنائم، فقال: والله إن هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله! نسأل الله العفو والعافية والسلامة؛ فغضب النبي ﷺ، غَضِبَ لله عز وجل؛ لأن هذه إهانة للرسول ﷺ، وتكذيب له في الحقيقة هو آيلٌ إلى التكذيب.
فقال ﷺ: (أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني!) أو كما قال ﷺ في لفظ: (أيأمنني على وحي السماء ولا تأمنوني)١٬٢١٢انظر قصة ذي الخويصرة التميمي في: صحيح البخاري (3344، 4351، 7432)، صحيح مسلم (1064). يعني الله عز وجل اصطفاه واختاره واجتباه وجعله رسولًا، وأنت تأتي تخوّنه في قسمة عرم كبير وعرم صغير! أين عقلك أنت يا ذا الخويصرة؟!
ولو أردنا تحليل قصة ذي الخويصرة؛ فنجد أن قصده أنه رأى القسمة فنظر بعقله أن هناك حاجة كبيرة وحاجة صغيرة مثلًا، نفرض لما جاء هذا القاسم الذي يقسم -وهو النبي ﷺ- قسم قسمة، عطاءات، خذ هذا لفلان، وأعطِ هذا لفلان، أو للعائلة الفلانية، أو بني فلان، فذو الخويصرة جلس ينظر إلى القسمة فلم تعجبه؛ رأى بعض الحاجات أكثر من بعض، فاكتفى بهذا وحكم به، هذه الرؤية التي رآها مجرد أنه رأى نوعًا من عدم الاستواء، الأكداس ليسوا مثلًا أو الأشياء المقسومة ليست كمثل بعضها، فظن أنه يجب أن تكون كلها متساوية؛ لم يفهم موضوع العدل؛ فرأى هذا بعقله.
رأى أن هذه القسمة غير سوية، فاعتمد على هذا وحكم بأن هذه القسمة باطلة وبالتالي ما أُريد بها وجه الله، ما فيها عدل، من نظرته هو؛ فقال للنبي ﷺ: «اعدل فإنك لم تعدل».. فاعتمد على أن هذه كبيرة وهذه صغيرة وأنهم ليسوا كمثل بعض وليس بينهما تسوية؛ لأنه في ذهنه رأى أن العدل هو التسوية، وليس كذلك؛ لأنه من الممكن أن هذا الشخص كبير أو عائلته كبيرة، وأسباب الاستحقاق أكثر وأقوى؛ فأعطاهم شيئًا كبيرًا، وأناس أقل عددًا أو فضلًا أو سابقة بحسب أسباب الاستحقاق فأعطاهم قليلًا، فهذا هو ما يستحقون، فهؤلاء أعطاهم ما يستحقون، وأولئك كذلك؛ فليست التسوية شرطًا، هذا ظن أن العدل هو التسوية، والعدل ليس التسوية، بل هو: إعطاء كل ذي حق حقه.. فإذا كانوا يفترقون في أسباب الاستحقاق تفرق بينهم بحسب ما يستحق كل واحد.
فذو الخويصرة لم يفهم معنى العدل وظنه التسوية؛ هذا هو الشيء الأول.
وحتى لو فُرض أنك رأيت خطًا في التفريق؛ فأنت بهذا تلغي رسول الله ﷺ كله! الذي اختاره الله عز وجل واصطفاه واجتباه وأرسله للعالمين رحمة، وائتمنه على وحي السماء وهو خير خلق الله، وأتقاهم لله وأعلمهم بالله وأشهدهم له خشية، وأرضاهم عند الله عز وجل وخير خلق الله أجمعين وأكرمهم على الله، هذا كله ألغاه بمجرد أنه رأى شيئًا هكذا؟! فهذه هي عقلية ذي الخويصرة وهي عقلية لا تؤدي إلى النجاح؛ بل آيلة إلى الانحراف عن الدين والفساد والزيغ والضلال وهذا هو حال الخوارج.
إذن قلنا: التفريق بين المختلفات، كيف نفرق بينها؟ التفريق يكون بحسب أسباب الاستحقاق، في العطاء مثلا، نفرض أن عندنا شخصان عندهما عوائل، لكن هذه العائلة عدد أفرادها كُثر، أو متولي أيتاما يربيهم، فهذا نعطيه أكثر وزيادة، ولا يُقال لي: لماذا أعطيت هذا أكثر وهذا أعطيته أقل!
إذن، الحاجة بسبب كثرة العدد، نحن لو كنا نقسم عطاءات أو أشياء؛ فيمكن أن نراعي أسبابًا معينة؛ كأن يكون البعض يعيشون في بلدان أو مناطق الأسعار فيها مرتفعة جدًا، ومواصلاتها مكلفة جدًا أو نحو هذا؛ فبحسب حاجات الناس، ولهذا مذهب سيدنا عمر h في العطاء -في القسمة وفي الفيء وغيرها- من بيت المال، قال: «الرجل وحاجته، والرجل وسابقته في الإسلام، والرجل وغَناؤه في الإسلام» ١٬٢١٣مسند أحمد (292) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد. اعتبر ثلاثة أشياء، ويمكن أن يقاس عليها غيرها.
«الرجل وغناؤه» غَناء بالفتح، أغنى يغني يعني: نفع ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨﴾ [الحاقة]؛ وأما الغِناء -بالكسر-: فهو المطرب الخبيث، ويعني: نفعه، جدواه، بلاؤه؛ فغناؤه يعني: حسن بلائه ونفعه للإسلام، مثلًا أن يكون فارسًا أو مجاهدًا، اعتبره سيدنا عمر وقدمه في العطاء.
«سابقته في الإسلام» سابقته في الهجرة والجهاد، وسابقته في الدين.
«الرجل وحاجته» يعني أهل الحاجات؛ مقدار فقره وحاجته عنده عيال محتاجين أو لا، هذا يختلف في العطاءات.
هذه الأشياء لعلها تكون أساس أو أكثر أسباب الاستحقاق وقد يكون غيرها.
حتى في التفريق بين الأبناء في العطية، معلوم أنه لا يجوز التفريق بين الأولاد في الهبات، هذا تقريبًا أكثر العلماء عليه، والمفروض أن تكون محل اتفاق لكن وقع فيها خلاف؛ لأن النصوص واضحة فيها عن النبي ﷺ أنه حرمها وردها، وقال: (لا تشهدني على زور) وقال: (أشهد على هذا غيري)١٬٢١٤صحيح البخاري (2650)، صحيح مسلم (1623) بلفظ: (على جَوْرٍ)، ولفظ (أشهد على..) في: صحيح مسلم (1623).؛ فمن الباطل أن يفضل بعض أبنائه في الهبة على بعض.
لكن قالوا: إذا وُجد سبب موجب لتفضيل بعضهم فهل يجوز؟ الصحيح أنه يجوز، لو كان واحد منهم معيبًا -لا سمح الله وعافانا الله وإياكم-، معاق مثلًا؛ فيحتاج إلى نوع من التفضيل في العطاء لسد حاجته؛ فهذا يجوز لأن فيه سببًا موجبًا، استحق به تفضيلًا وعطاءً أكثر من الباقي؛ فهذا لا بأس.
وأما مسألة البر فالصحيح عدم اعتبارها، فلو كان أحدهم أبر من غيره فهل يفضله؟! الصحيح أنه لا يجوز؛ تحصل الشحناء بينهم والتحاسد.
الأسباب الظاهرة التي ترجع الناس إليها، يعرف الناس حتى الآخرين لما يعرفوا يقرون بهذا يقولون: صح هذا يحتاج أكثر؛ لأنه مسكين مريض يحتاج إلى أن يُصرف عليه، فيجوز أن يفضله في العطاء لشيء.
المهم قالوا: إذا كان هناك سبب موجب للتفضيل فلا بأس به، لكن الأصل هو هذا الذي يُلتزم ما لم يكن هناك سبب واضح ظاهر.
﴿ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ﴾ [الأحزاب: ٥١] في أزواج النبي ﷺ تكلم بعض أهل العلم -القاضي ابن العربي- في «أحكام القرآن»١٬٢١٥انظر: أحكام القرآن (3/ 606) قال في معنى الآية: «الْمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ الْإِدْنَاءُ وَالْإِقْصَاءُ لَهُنَّ، وَالتَّقْرِيبُ وَالتَّبْعِيدُ إلَيْك، تَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شِئْت، كَانَ أَقْرَبَ إلَى قُرَّةِ أَعْيُنِهِنَّ، وَرَاحَةِ قُلُوبِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي شَيْءٍ كَانَ رَاضِيًا بِمَا أُوتِيَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ حَقًّا لَمْ يُقْنِعْهُ مَا أُوتِيَ مِنْهُ، وَاشْتَدَّتْ غَيْرَتُهُ عَلَيْهِ، وَعَظُمَ حِرْصُهُ فِيهِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مِنْ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي أَحْوَالِ أَزْوَاجِهِ أَقْرَبَ إلَى رِضَاهُنَّ مَعَهُ، وَاسْتِقْرَارِ أَعْيُنِهِنَّ عَلَى مَا يُسْمَحُ بِهِ مِنْهُ لَهُنَّ، دُونَ أَنْ تَتَعَلَّقَ قُلُوبُهُنَّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ»..
وهذه المسألة تتعلق بشيء من هذا الباب، أنه أيضًا مما تسكن إليه النفوس وتطمئن إليه أن يُبين بالنسبة للمولّى والإنسان المسؤول أسباب التفضيل؛ فإذا بينها لهم فإن نفوسهم تطمئن، وهذا الذي قاله الله عز وجل: ﴿۞تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١﴾ [الأحزاب].
أمر الله عز وجل أن يبين لهن أن الله ﷻ أذن له وشرع له وأباح له أن يتصرف كما يشاء؛ يأخذ من يشاء ويسرّح من يشاء وأنه ليس عليه حرج في هذا، وأنهن ليس لهن حق بحيث يدعين حقًا مثلًا، يقولوا: كيف فلانة قربتها وهذه كذا؟!
ما عندكن حق، جاءني أمر من الله أن آخذ من أشاء وأخلي من أشاء، ثم قال: ﴿ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ﴾ يعني أنه لن يوجد من سيعترض عليك؛ فالبيان في مثل هذا جيد.
وهذا راجع إلى أسباب الاستحقاق؛ لأن الإنسان إذا ظن أن له حقًا فإنه يظل يطالب ويدعي وينازع؛ فيُبين له أنه لا يوجد حق لك عندي، نُبتلى نحن هنا في ساحات الجهاد بشيء من هذا في العطاءات وفي الأموال وفي الكفالات، يأتي لك إخوة يقول لك: أنا عندي حق لماذا لا تعطوني؟ فنقول له: العطاء كذا وكذا؛ فهل لك حق؟ نحن نرى شرعًا أن لك حق أو نرى شرعا أنه ليس لك حق، وهكذا..
ومذهب عمر h في مسألة العطاءات هو في مقابل مذهب أبي بكر، وهي أيضًا سنة النبي ﷺ وهو عدم التفريق بين الناس في العطاءات التي تعطى من الفيء؛ قسمة من بيت المال، فلا يفرق بينهم بسبب السبق مثلًا أو بسبب الغَناء، بالذات هذين الاثنين، بل يعطي الجميع عطاءً متساويًا.
سيدنا عمر h لما جاء كان اجتهاده ومذهبه أنه يفرق بينهم بحسب السبق أو بحسب الغَناء، وهو ذكر «الرجل وحاجته والرجل وسبقه والرجل وغَناؤه» وذكر الحاجة معهم، لكن هو يظهر الفرق بين المذهبين أصلًا في السبق وفي الغَناء، في السبق وفي النفع، أبو بكر ما كان يعتمد هذا، وكانت هذه هي سنته ﷺ، وهذه من المسائل التي اجتهد فيها سيدنا عمر؛ فكان في المسألة مذهبين:
مذهب عدم التفريق في العطاء بين الناس بسبب السبق وبسبب الغَناء، ومذهب من يراعي هذا، وسيدنا عمر مستند في ذلك إلى أمور؛ فالشريعة في بعض الفروع راعت غَناء الإنسان، مثلًا في النّفَل؛ فجائزٌ تنفيل الرجل الذي حسن بلاؤه، وهو أن يعطى من الغنيمة قبل القسمة؛ فاعتبرت الشريعة هذا الأمر؛ فراعى سيدنا عمر هذا الأمر، وكأنه رأى أن الناس يناسبهم هذا في ذلك الوقت، وأكثر لياقة بهم فاعتمده، والله أعلم.
[أحد الحضور: ما يتعلق بمسألة «بيت المال»؛ هل بيت مال المسلمين يختلف عن بيت مال الجماعة، الآن هل يعد ما عندنا من مال هو لجميع المسلمين، أو للجماعة فحسب؟ يعني هل الواحد مثلا إذا أتى يقول أريد حقي؛ هل فعلا له حق مشروع إن كان بيت مسلمين أو بيت جماعة؟]
الشيخ: لا؛ ليس بيت مال المسلمين قطعًا؛ فهذه ليست دولة الإسلام وكل المسلمين خاضعين لها! لكن هناك بعض الأحكام تطبقها الجماعة وتأخذ أحكام جماعة المسلمين، وقد ذكر العلماء أنه في حالة عدم وجود الإمام؛ فإن كثيرًا من الأحكام تُناط بأقرب شيء يقوم مقام الإمام، مثلًا: إن وُجد قاضٍ في المنطقة يرجع إليه الناس ويتحاكمون إليه، أو إن كان هناك نظام قبلي معين، بل إذا اصطلح الناس على رجل ولّوه الأمر وأقاموا حتى الحدود، التي يُعتبر أمرها عظيمًا، وهكذا قسمة الغنائم.. الخ، وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن، وهكذا الوصاية على الأيتام ونحوها من يتولاها.. كل هذا ذكروا أحكامه وأنه يقوم بدل الإمام من يأخذ مكانه في حال عدم وجوده.
تكلموا على هذه المسائل في أبواب الفقه؛ فقالوا: يقيمها القاضي أو العالم أو شيخ القبيلة أو نحو ذلك؛ ممن يرجع إليهم الناس ويخضعون لهم نوع خضوع، وإن كان ليس عنده تمكن كامل، لكن يستطيع أداء هذه الأشياء، ولهذا نقول: بالنسبة للجماعات القائمة الآن، كهذه الجماعة المجاهدة عندنا في هذه المنطقة؛ فهي تستطيع أن تقوم بكثير من الأحكام، والأموال التي تأتي إليها هي إلى بيت مالها؛ فتصرفه في المصالح التي تحت رعايتها ولا يلزمها أن تقسم على كل المسلمين من السنيغال إلى إندونيسيا!! لا يلزمها هذا، ولا يجب عليها.
بل هذا قد يكون من الفساد حينئذ، يكون من الفساد الذي يبغضه الله وينهى عنه، كيف يأتيني أموال نقسمها ونوزع هناك ونرسل! لا، هذه جماعة جهادية؛ فالأموال التي تأتي لها تعمل بها في الجهاد، فلو قسمناها بهذا الشكل لانعدم تأثيرها ولبطلت الجماعة التي تجتمع الآن، لبطلت أصلًا وغلبَنا العدو وانتهينا! فلا يصح هذا، بل هو فساد ظاهر.
لكن مثلًا لو جاءني أخ يسألني عن بعض المال، أقول له: ضعها في بيت المال، يقول: أين بيت مال المسلمين؟ نقول: أقرب بيت مال، حتى جمعية في مكان معين في ناحية من الأرض، جمعية موثوقة ومأمونة بإمكانها أن تقبل هذا المال وهي تمثل بيت مال المسلمين في ناحية معينة -جمعية ليست جماعة بالمعنى الاصطلاحي، جمعية خيرية- بشرط أن تكون مأمونة في يد ناس أمناء؛ يستطيع الإنسان أن يعطيها تبرعًا أو الأموال التي لا يُعرف أصحابها أو أموال تاب عنها صاحبها مثلًا.
البغي التي كانت تأخذ أموالًا عن الزنا والفاحشة -والعياذ بالله- ثم تابت، سراق كان يسرق ثم تاب، رجل كان يصنع الخمر ويبيع ثم تاب، هذه الأموال ينبغي أن يخرج منها تمامًا لتوبته، ولا تصح توبته ولا تكمل توبته إلا بأن يخرج من هذا المال..
ماذا يفعل به؟ هناك مذاهب للعلماء؛ منهم من قال يتلفه، ومنهم من قال يضعه في بيت المال وهكذا، وهناك تفاصيل أخرى إن كان مغصوبًا أو مسروقًا ثم لم يُعلم أصحابه، قيل: يتصدق به عن أصحابه، لكن فيما إذا كان في حالة لا توجد فيها سرقة أو غصب؛ كأن تكون بغيًا؛ فهذه ليس لها إلا القولان اللذان قد ينطبقا عليها؛ الإتلاف أو أن يضعها في بيت المال، الإتلاف هذا أضعف الأقوال، ولا تدل عليه الشريعة بل تدل على ضده؛ الله لم يأمر بإتلاف الأموال بل ينهى عن إتلاف الأموال، فيكون الصحيح: أن يرجع هذا المال إلى بيت المال.
فأين بيت المال؟ لا يوجد للمسلمين إمارة جامعة أو إمامة جامعة ودولة عندها بيت مال، فيضعها في أقرب بيت مال لجماعة قائمة، وتُصرف في مصالح المسلمين.
بالنسبة للجماعات الجهادية -مثلًا- الآن ما عندها من أموال وخزينة وبيت مالها هي؛ فهو بالأساس مصروف في مصالح الجهاد التي هي قائمة بها، قائمة بولاية معينة يصرف هذا المال في مصالح هذه المهمة والولاية القائمة بها وهي الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله عز وجل، هذا العمل الذي نحن فيه بكل عمومه وبكل تفاصيله؛ بحيث إنا لو أنشأنا بها مدرسة مثلًا؛ فإن ما ننشئه يخدم هذا المقصد الجهادي الذي نحن فيه، لو تألفنا بها إنسان فإنما يخدم هذا المقصد، فهي تكون في هذا المقصد، مقصد العمل الذي نحن قائمين به، مقصد الجهاد وما يخدمه بحسبه.
جاء رجلٌ مثلًا من بلاد بعيدة يقول: أنا أريد كفالة، نقول له: لا نستطيع أن نعطيك كفالة، ولا نستطيع أن نكفل المسلمين جميعًا، نحن نكفل من احتجنا إليه في عملنا، وهو مجاهد معنا ونحتاجه؛ فهذا نكفله؛ لأنه سيتفرغ للجهاد، ما دمنا قادرين -حسب الإمكان على كفالته-.
ولنفرض أننا عجزنا عن كفالته نقول له: لا نستطيع أن نكفلك، جاهد في سبيل الله ودبّر نفسك، لكن نحن ما دمنا قادرين وعندنا نوع قدرة -والحمد لله هذا موجود في المتوسط- فإنا نكفل المتفرغ للجهاد، فمن تفرغ له وكان معنا فإنه يأخذ من بيت المال بحسب حاجته وما يزيد عن الحاجة قليلًا بحيث لا يضيق عليه، وهكذا نقدر تقديرات اجتهادية؛ لكن ما نستطيع أن نكفل المسلمين جميعًا.
ولهذا يأتينا الإخوان من تركستان ومن تركيا ومن بعض البلدان الكثيرة، وهم كثر جدًا؛ فلو أردنا أن نكفل هؤلاء الناس عادَ هذا على عملنا بالزوال والبطلان والخسران؛ فما نستطيع، لكن نحن نعمل بالانتقاء وبالاختيار.
بعض الناس معنا لا بد أن نكفلهم؛ لأنهم قائمون بمصلحة الجماعة والعمل بالجماعة وبرامجها فلا بد على الجماعة أن تسد حاجتهم؛ من قام بمصالح المسلمين وجب على المسلمين القيام بمصالحه، وهذا بحسبه.
لو قال: أنا أخدم هناك وأنا قائم بمصالح المسلمين. أقول: أنت تشتغل هناك لست تبعي ولا مسؤوليتي، لكن أنا باعتباري عندي ولاية أو مسؤولية أو أمانة معينة، عندي جهاد قائم به وعمل؛ فمن كان تحتي وتبع لي ويخدم معي في هذا المشروع؛ فالأموال التي تأتيني أنا أوزعها على الناس وأكفلهم وأسد حاجتهم وخلتهم بحسب الإمكان، وغالبها راجع إلى هذا فينتبه الإنسان لها، ليست حقوقًا مستقرة بمقتضى الإسلام؛ أن أي مسلم لا بد له حق! هذا إذا كان في دولة الإسلام والناس كلهم تحتها خاضعون لها؛ حينئذ الموجود هناك في أقصى الدنيا، القرش الذي يدخل بيت المال له فيه حق لمجرد كونه مسلمًا تابعًا للدولة الإسلامية، لكن الآن لا، الجماعات ليست بهذه المثابة.
فأسباب الاستحقاق ينظر فيها، يعني أي أمر من الأمور سواء المعنوية أو الحسية مثل العطاءات وغيرها ينظر في أسباب الاستحقاق، فالإنسان إذا كان يستحق شيئًا يُعطاه، الذي ليس مثله ولا يستحق أي أنه ليس عنده من أسباب الاستحقاق كالذي عند الأول؛ فبحسبه لا يُعطى مثل الأول.
ومسالة التفضيل بين الناس في العطاء بحسب الغَناء والسبق ضربتها كمثال؛ وهي لا تشمل كل شيء؛ فمن أسباب الاستحقاق حاجة الإنسان إلى العطاء، يُنظر إلى حاجته فتُسد حاجته، يُنظر إلى سبقه ممكن يُفضل بالسبق وهذا مذهب سيدنا عمر، غَناؤه في الحرب والجهاد، سيدنا عمر اعتبر هذا، قد نعتبر نحن الآن أشياء لكن في الحقيقة سنجد أن معظمها راجع إلى هذا.
في العمل الجماعي الآن نعتبر سبب التألُّف، تألف قلوب بعض الناس ونعطيها، وإن كان هذا ليس سببًا للاستحقاق؛ لأنه هو في نفس الأمر لا يستحقه وإنما نحن أعطيناه لحاجتنا إلى تألفه، وقد يكون حرامًا عليه -انتبه إلى هذا- المتألَّف: الإنسان الذي نتألفه، من الممكن أن يكون حرامًا عليه أن يأخذ، ولكن نحن ليس حرامًا علينا أن نعطيه؛ فتنفك جهة المعطي وجهة الآخذ.
وسبب كونه حراما عليه أحيانا -وليس دائمًا- أن يكون غير مستحق لهذه الأعطية؛ ككونه غنيا مثلًا وهذه الأموال نحن نحتاجها في أن نسد بها ثغرات أخرى وفي نفس الوقت هو آتٍ ويطمع في المال ويلمح أو لا يرضى حتى تعطيه أو لا يخدم الخدمة حتى تعطيه؛ فأنت تتألفه حتى لا يضرك وحتى تكون علاقته معك جيدة؛ فتتألفه فهو يأخذ المال ويفرح به ولكنه لا يستحقه في نفس الأمر؛ فقد يكون حرامًا عليه، ومسألة انفكاك جهة الآخذ والمعطي ذكرها الفقهاء في عدة مسائل منها هذه؛ قد يكون هو حرامًا عليه، وليس حراما للمعطي.
[أحد الحضور: لو وقفنا في هذه النقطة قليلا يا شيخ؛ في الوضع الحالي للجماعة يأتي مجاهد من المجاهدين يريد أن تكفله، والحال صعب أن تكفله، فيؤثر عليك ولا تستطيع أن تكفله، وترده أو تبقيه! لو جاء لك عشرين أو ثلاثين شخص أو أربعين هكذا يريدون الدخول معك، أنت في الأول ترى ممكن واحد تحتاجه عنده شيء، تنتقي منهم انتقاء، لكن في حالة وصوله إلى هنا إلى الجبهة.. ممكن الرجوع يؤثر عليه وبقاؤه هكذا يؤثر أيضًا..! ما الحل، وما العمل في هذه الحالة؟]
الشيخ: نسدد ونقارب، ونراعي ما نستطيع من المصالح، لكن ليس في كل مرة تستطيع أن تقبل الناس عندك في الجماعة، الناس كلها تريد تدخل «القاعدة» -على سبيل المثال-، تصور أنك قبلت الناس كلها ماذا يحصل لنا؟ هل يستقيم هذا، كثير من الناس نردهم؛ لعدم الإمكان والعجز نعتذر لهم.
[السائل: وفي المستقبل القريب؛ ألا توجد إمكانية أن تنفتح طرق للمال؟]
الشيخ: ما في شيء كبير هكذا، من الممكن أن تتحسن الأوضاع قليلًا، لكن بقدر ماذا سوف تتحسن؟ نبقى نحن جماعة محدودة في النهاية إلا أن يشاء الله عز وجل وتكبر ويفتح لنا ربي فتوحات كبيرة وتنهار أمريكا -إن شاء الله- وتكبر الجماعة، لكن الآن ما زالت هناك مراحل، نحن جماعة محدودة عندها قدرات محدودة وإمكانيات محدودة ولا يناسبها الكثرة والانبساط جدًا جدًا فما نستطيع أن نقبل هكذا بإطلاق، أن تقبل إنسان معك عضوية كاملة، أو بيعة أو عهد أو غيره معناها يصير عليك مسؤولية، أنت مسؤول عنه؛ فلا نستطيع أن نقبل كثيرًا من المسلمين، لكن نقبل بحسب حاجتنا وبحسب ما يستمر به عملنا بنجاح، ويحقق المصلحة، نحن قائمون بجهاد لا نستطيع أن نقبل ناسًا كُثر فيعود علينا هذا بالفساد، والسبب هو العجز، هذا نشرحه للناس.
قبل مدة أتى لنا إخوة أتراك وشرحت لهم هذا؛ فراحوا مطمئنين، فنحن عاجزون لا نستطيع أن تكونوا معنا، لكن ندربكم وترجعون إلى بلادكم وتكمنون في أرضكم.
النبي ﷺ أتى له أناس في مرحلة من المراحل وقال له: (ارجع إلى بلدك حتى إذا سمعت بي ظهرت فأتني) قالها لأبي ذر وقالها لعمرو بن عبسة وقالها لغيرهم١٬٢١٦انظر في قصة أبي ذر: صحيح البخاري (3861)، وفي قصة عمرو بن عبسة: صحيح مسلم (832).، هذا الأمر موجود؛ فما كان يستطيع أن يقبلهم في مرحلة من المراحل، ونحن أيضًا كذلك.
تصور أنه أتى لي آلاف من الأتراك مثلًا؛ نحن لا نستطيع قبولهم؛ فأنا اعتذرت لهم وقلت لهم لا نستطيع، هذا واقعنا، نحن جماعة صغيرة محدودة، مواردها محدودة، وإمكانياتها محدودة، قدارتها -حتى المعنوية-؛ نحن كقيادة وكأفراد وككوادر وكطاقات.. ماذا يقدرنا أن نربي الناس، وأن نعلم، وأن ندرب، أو نأتي بهم ونضعهم هنا ونقول لهم: تعالوا ثلاثين واحد أو أربعين في بيت، ثم ماذا؟ يتمردوا عليك ويعملوا عليك مظاهرة! فلا يمكن، لا هم تربوا ولا تعلموا.
نحن هنا مشاكلنا قليلة، والشكاوي كثيرة من البطء في التدريب والدورات والانتظار وصعوبات الانتظار؛ المشاكل ستكثر جدًا حينها؛ فكيف نستطيع أن نقبل عددًا كبيرًا؟! بالعكس نحن نتوقف في مراحل معينة، وبالفعل كنا موقفين في الثلاثة شهور الماضية عن استقبال الناس.
ومع هذا مع أننا آمرين بالتوقيف كان الناس بالإلحاحات ويعتذر الإخوة، ويرسلوا الإخوة من إيران: والله بالسيف قابلنا هذين الاثنين ويلحون جدًا وهم إخوة مضطرون، ويأتي الناس لنا ونحن موقفين الاستقبال، نحن بالأساس تنظيم عربي، والعرب هم الأساس عندنا في التنظيم وهكذا، حسب برنامجنا أيضًا وتكويننا؛ فعندهم أفضلية قليلًا، وأيضًا أحوالهم أسهل، رددنا بعض الأتراك، أكراد إخوة من إيران رددناهم والله، دفعتين تقريبًا رددناهم.
الأكراد في إيران هناك مئات ممكن لو تفتح لهم فقط يأتونك، لو تقول لهم: تعالوا؛ يأتون لنا!
نقول: لا نستطيع أن نقبلكم كونوا هناك حتى يفتح الله، ما عندنا قدرة الآن؛ فكله راجع للعجز، لا لأننا لا نريد المسلمين ونمنعهم ولكن نحن عاجزون؛ باختصار.. فنعتذر لكم ولا نستطيع، لكن إذا لم نقدر أن نقبلكم ولم نقدر أن نستوعبكم ولم نقدر أن تكونوا معنا الآن في هذه المرحلة فقد نستطيع شيئا أقل من ذلك؛ التدريب مثلًا، قلنا لهم: التدريب شيء جيد؛ أرسلوا كل شهر كذا وكذا عدد نحن ندربهم معنا شهر أو ثلاثة ويرجعوا لأرضهم ويبقوا هناك، يوم يقوم جهاد في الشام، يقوم جهاد في تركيا نفسها، تسقط أمريكا، وإيران تقوم فيها حرب، التغيرات الدولية آتية، والله عز وجل يفتح، يكون لكم دور وتكونوا مستعدين وأنتم ذخيرة، وأنتم الحمد لله قد أبرأتم ذمتكم بهذا وحققتم فرض الإعداد وبذلتم أنفسكم وكنتم مستعدين للجهاد، قلنا لكم استريحوا هناك، أنتم أسقطتم الذي عليكم، لماذا مستعجلين؟ لازم كل واحد يكون معي الآن؟ مرحلة الانتقاء ومرحلة الاختيار ومرحلة جماعة صغيرة لا يناسبها أن نكون أعدادًا كبيرة جدًا فوقنا طيران يضرب فيهم ولا نستطيع نهرب، لا ينفع هذا، المرحلة تحتاج لعدد صغير.
[أحد الحضور: ألا يمكن استغلال هذه المناطق مثل تركيا؛ بتدريب مجموعات وإنشاء المعسكرات؟]
الشيخ: غير ممكن هذا، تُضرب، ما رأيك نبعثك أنت ومعك ثلاثة أو أربعة؟
والأتراك يعملون هكذا ومع ذلك ينضربون وأمنيّاتهم ضعيفة وتحصل لهم مشاكل وتعرفون أنهم حصلت عليهم حملات شديدة؛ فالأمر ليس سهلًا، تقول لي: أرسل مجموعة ويعملوا هناك! أنت لا تشتغل وحدك في الساحة، أنت في ساحة عدوك فيها نفس الشيء وهو المسيطر وهو المتمكن، ليس سهلًا أبدًا، كيف ترسل مجموعة تتدرب هناك؟ لا يمكن، إلا على نطاق ضيق جدًا، نطاق سري للغاية، تدرب أعداد محدودة فقط لأعمال خاصة، أما تفتح معسكرات وتبعث ناس وكذا!! فقط أسبوعين ثلاثة فإذا بك عليك حملة وماسكين مئة أو مئتين وقاتلين كذا وكذا وانتهى، فهذا الذي حصل من قبل.
إخوة أبو خالد -أبو خالد التركي تعرفونه، أخ من القدامى الذين كانوا معنا- ذهب لتركيا هناك وكان عنده مجموعة وما زال امتداداتهم موجودة حتى بعض الناس الذين أتوا لنا مؤخرًا قالوا إنا كنا مع أبي خالد؛ فهو هناك حاول يفتح عمل تدريبي وعمل بعض الأشياء.
ليس عندنا فرع تنظيم القاعدة في تركيا ولكن يحاولوا إنشاء نواة وبدأ بعمل تدريبي؛ فقط إعداد ونحوه.. ضربتهم الحكومة بسرعة، الأمر ليس سهلًا، دول مسيطرة عليها دولة!
السعودية؛ لماذا لا تبعث للسعودية مجموعة وتذهب هناك وتفتح معسكرات وتدريب وكذا؟ لماذا يأتوا لنا كلهم السعوديين هنا؟
ومصر، لماذا لا ترسل مجموعة هناك في مصر أيضًا تعمل تدريب، وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والشام وغيرها!
صعوبات الواقع موجودة؛ فلا تستطيع ولا يمكنك غير هذا.. غير ممكن إلا على نطاق ضيق جدًا جدًا؛ ترسل شخصين مثلا ويكون عندك أحد أهل الأرض هناك من الأنصار يرتب لهم ويسبقهم، ويكون عندهم تموين أو مصدر هناك يأخذون منه على نطاق ضيق، وُيدخلون ثلاثة أو أربعة يجندوهم ويدربونهم في بيوت، ثم ينتشروا، وبعدها يأخذون دفعة ثانية، يكون عملا متقنا جدًا، وإلا لو أن الإنسان يعمل كبعض إخواننا؛ عملًا فوضويًّا فهذا ينضرب سريعًا، وينتهي.
نحن لا نستطيع تحمل مسؤوليات الناس؛ هذا عمل دقيق وخطير جدًا بل في غاية الخطورة؛ تقوم به مكاتب صغيرة جدًا جدًا، نحن عندنا في بعض البلدان تدرب نفرين أو ثلاثة فقط، لتنفيذ الأعمال الخاصة فقط، أما أن تفتح معسكرات! فكيف تفتحها في بلاد مسيطرة عليها دولة بوليسية، ويسيطر عليها الاستخبارات! لا يمكن فتح معسكرات فيها بهذا المعنى إلا أن يقوم فيها حرب؛ فتكون ساحة حرب، يسقط النظام، ويبدأ الاضطراب والفوضى والانفلات الأمني، مثل الشام الآن؛ ففي لبنان يقولون لنا: ابعث لنا كذا وكذا -مع أن لبنان قد تختلف قليلًا عن سوريا، وحتى سوريا تعتبر أحسن من بعض دول الخليج أو مصر، وهكذا يختلف الحال من بلد إلى بلد- فيمكن تبعث اثنين أو ثلاثة مدربين ويبدؤون بتدريب الناس وتجهيزهم في أماكن معينة؛ فيها صحاري وجبال وغابات، أي مناطق تعطي مجالًا للاختفاء والحركة والبعد عن سيطرة الطاغوت وهكذا؛ فيختلف من بلد لبلد.
تركيا فيها بعض المجال أيضًا، مناطق الأكراد -بالذات ديار بكر وهذه المناطق التي فيها حزب الأكراد- فيها مجال، ولكن ليس بسهل، بل في غاية الصعوبة، ولهذا نحن محتاجين أن يأتي الناس ويتدربوا هنا؛ يتدرب أفواج وأفواج سنة وسنتين وثلاثة وأربعة وتتغير تأتي الظروف، تتغير ظروف الواقع العالمي، ممكن أمريكا أو إسرائيل يضربوا إيران في أي مرحلة من المراحل، هذا احتمال ما زال واردًا وإمكانيته قائمة.
أمريكا إذا انهارت أو حصلت لها انهيارات تبعًا لها في هذه الدول أو في إسرائيل وغيرها؛ سيكون هناك تأثيرات كبيرة في العالم، لو حصل انقلاب في باكستان هنا وانهيار للدولة، ولو خرجت أمريكا من العراق أو خرجت من أفغانستان؛ نحن ننتظر فرصتنا التاريخية، المهم أن نكون دائمًا مستعدين، ودائمًا على أهبة الاستعداد وفاهمين ومنتظرين، وغير مستعجلين، لا تستعجل، هذه جماعة سوريا يقولوا: سوريا سوريا.. والعمل والشام ورسائل.. وكل يوم يرسلون لي مجموعة رسائل.. نحن لا نستطيع أن نعمل في سوريا الآن؛ لأن قصارانا أن نرسل شخصًا أو اثنين ليعملوا عملًا دقيقًا وعملًا أمنيًا شديدًا، أما أن تفتح معسكرات في سوريا الآن! فلا تستطيع، لكن يومًا ما يبدأ الجهاد في سوريا، لبنان والشام تنفتح وينفلت أمن الطاغوت وتضطرب الدنيا.. فحينها نستغل فرصتنا؛ انهار النظام.
هؤلاء الناس الذين ندربهم أجيال، نحن ندرب أجيالًا، بعد فترة بسيطة تجدهم، فلان تدرب عندنا وفلان مرتبط بنا، وهكذا، وهذا الذي حصل للقاعدة نفسها، وفي كل مكان بدأ الجهاد، في بلدان كثيرة جدًا تدرَّب معظمهم هنا في هذه الساحة؛ فهذه ساحة تأسيس وأم للساحات الأخرى، هذه فائدة كبيرة للمسلمين أنهم يجتمعون ويشعرون بالانتماء لجماعة واحدة، أو لفكر واحد وعقلية واحدة وذهنية واحدة، وصارت عندهم ثقافة مشتركة، وصار عندهم آمال وآلام مشتركة، وصار عندهم ترابط، حتى لو ذهبوا وفتحوا جهادًا في أماكن أخرى.. الإخوة في الصومال ذهبوا وجاهدوا -وإن كانوا ليسوا معنا رسميًا الآن، لكن هم أولياؤنا ومحبون لنا وبإمكانهم أن يدخلوا معنا، بل هم عرضوا ليدخلوا معنا منذ مدة-.
فالعمل الجهادي عمل كبير وواسع؛ فلا نستعجل فيه، بل نمشي حسب طاقتنا وحسب قدرتنا، والذي نعجز عليه نعتذر ونقول للمسلمين: انتظروا واصبروا حتى يفتح الله عز وجل.
وحتى التدريب يكون بحسب إمكانياتنا، بقدر ماذا تستطيع أنت أن تدرب من الناس في الشهر؟ مثلًا: الإخوة الأتراك كُثر جدًا، الحركة الإسلامية هناك قوية، شباب ومجتمع شبابي، وناس تحب أن تنفر، لكن بقدر ماذا تستطيع أن تدربهم أنت، في الشهر كم يأتيك؟ فلازم أن يكون هذا بحسب إمكانياتك.. ولو تفتح الباب يأتي لك آلاف.
ومن المشاكل التي نعاني منها أنه يأتيك المتزوج ثم يقول: أنا عندي أبناء وأهل؛ أنا أريد أن آتي بعيالي، نقول له: لا نقدر أن نستضيف عيالك، أحضرهم أنت؛ لكن لا تأتي بهم ثم تقول: لي أريد كفالة، وأريد كذا، أنا ما أستطيع، نحن من الآن عاجزون.
ولا نستطيع أن نشرح لكل واحد ونجلس معه، وإلا فنسجل شريطًا ونجلس مع الناس نقول لهم: تعالوا اسمعوا هذا الشريط لو سمحتم! لا نستطيع أن نشرح لكل الناس، وسنقع في حرج معهم، لكن يجب أن نكون فاهمين أنفسنا، ونعرف ما عندنا من مقدرات.
أنت؛ تصور موقف أبي ذر لما النبي ﷺ قال له: ارجع، أو عمرو بن عبسة!
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
حتى في أقدار الناس؛ يجب التفريق بين الفاضل وغيره، ولهذا قالوا:
وَإِذَا الْحَبِيبُ أَتَى بِذَنْبٍ وَاحدٍ | جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيعِ١٬٢١٧قاله: محمد بن أحمد التكريتي، أبو البركات بن أبي الفرج بن أبي نصر، ينظر: تاريخ بغداد (8 / 21). |
(أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)١٬٢١٨سنن أبي داود (4357) وتتمته قوله ﷺ: (.. إلا الحدود)، وصححه الألباني..
وهذا سيدنا أبو عبيدة لما قال لسيدنا عمر رضي الله عنهما: «أتفرُّ من قدر الله» غضب منها سيدنا عمر قال: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة»١٬٢١٩صحيح البخاري (5729)، صحيح مسلم (2219). يعني لضربته؛ لكني أحتملها منك، وإلا فقد أنكر هذه الكلمة سيدنا عمر وقال: لا تصح أن تقولها أنت يا أبا عبيدة لو غيرك قالها لنكلت به، لكن أنت يا أبا عبيدة قدرك ومقامك عظيم، وهكذا.
فيختلف الحال بين رجل والآخر؛ يأتيك الحبيب والرجل الفاضل وقد غلط غلطة فتُغتفر، ويقول الكلمة فتُغتفر ويتسامح منها، ويقف الموقف مثلًا يغضب منك ويمشي ويتركك وتُغتفر، لكن رجل ثانٍ ليس بمنزلته فلا تغتفر له، أو لا يُسامَح فيها، وقد يعاقب عليها! فيختلف هذا كله، وهذا أيضًا من العدل؛ فينتبه أحدنا لهذا ويعرف قدر نفسه ويعرف أقدار الناس؛ هذا الأمر مهم جدًا.
سيدنا عمر في الحديث الصحيح لما كلم ابنته حفصة عندما سمع أنها تراجع رسول الله ﷺ غضب عليها، وقيل ضربها أو أمسكها وهكذا، قال: أتراجعين رسول الله ﷺ؟!
فقالت له: «كل أزواج النبي ﷺ يراجعنه»! ومعنى «يراجعنه» يجادلنه ويناقشنه ويقلن: لا ليس هكذا ونحن نريد كذا، يناقِشْنَ فيه. فجاء لبيت النبي ﷺ وتكلم مع بعض أزواج النبي ﷺ -والقصة التي حصلت مشهورة- وقيل له: أنت تدخل يا عمر في كل شيء حتى دخلت بين النبي ﷺ وأزواجه!
القصة في الصحيح، الشاهد فيها -هذا الذي أردت أقوله- سيدنا عمر لما جاء ينصح ابنته حفصة قال لها: «لا يغرنك تلك التي أعجبها حسنها ووضاءتها» يقصد عائشة؛ يعني: لا تجعلي نفسَكِ مثلها، تلك جميلة وحسناء ووضيئة، والنبي ﷺ يحبها كثيرًا؛ فأنتِ لستِ في مرتبتها، هذه تراجع ممكن أن يكون هذا مقبولًا منها لكن أنتِ لستِ مثلها! فانتبه لهذه الحكمة؛ وهذا الحديث في الصحيحين١٬٢٢٠صحيح البخاري (2468، 4913، 5218)، صحيح مسلم (1479)..
يحصل عند بعض الناس أحيانًا تنطع في مفهوم العدل الخطأ، وهذا راجع لموضوع التسوية والمساواة والعدل، رأيت هذا الأمر عند بعض الإخوة في الجزائر، أذكر بعض المواقف منها:
البطيخ «الحبحب» أحدهم يأخذ الموس ليقسمها؛ فرأيتهم مرة -وأنا كنت جالسًا واستغربت، وكنت قريب عهد في وجودي معهم- فكل واحد يقول: لا أنا ما أقسمها، اقسمها أنت، يتدافعونها، لا أحد يريد أن يقسمها! قلت: ما المشكلة؟ قال: أخاف ما أعدل! هو ممكن يكون جيد في ظاهره، لكن أنا عندي أن هذا ليس بجيد؛ لأنه بعد مدة كان في هؤلاء الناس تنطع شديد، وبعضهم صار من الخوارج ومن التكفيرين -والعياذ بالله-.
لكن هذا شيءٌ من الغلو والتنطع في الدين؛ لأن الله عز وجل أمرنا بالعدل ولكن لم يجعل علينا في الدين من حرج؛ فكونك تأتي لتقسمها فتكون قطعة أكبر قليلًا من قطعة ثانية فهذا لا يضر، أنت تجتهد أن تقسم البطيخة للناس فتعطيهم بالتساوي، لكن ليس معناها أنك تأتي بكمبيوتر وميزان إلكتروني ديجتال وتقسم به الأحمر!-طبعًا لازم تحول الأبيض لأنه ليس فيه فائدة- الأحمر كله توزنه بالميزان! ما ينفع هذا، بل هو من تكليف ما لا يطاق وإدخال لنا في حرج شديد؛ فينتبه الإنسان أن الله عز وجل أمر بالعدل بالمعروف؛ فلا يُدخل الإنسان الوسواس في عقله.
وكانوا يقسمون الخبز أيضًا بشكل هم يسمونه «المورسو» يعني الجزء أو القطعة -أصلها بالفرنسية- يقسمونه ويتحرُّون فيه؛ فكلمتهم: قلت هذا شيء من التشدد لا يوجد داعي له، أنت قسم تقسيمًا مقاربًا وتوكل على الله وبسم الله، ثم ما الداعي للتقسيم؟ كُلوا مع بعضكم ولا تقسموا يُبارك لكم الله فيها. ولهذا أيضًا في كلامنا على العدل أحيانًا ليس ضروريًا القسمة والحسابات؛ لأنها ترفع البركة، أمنا عائشة رضي الله عنها توفي النبي ﷺ وعندها صاعٌ، أو قالت: «شيئًا من شعير» فأكلَت منه كم شهر، المفروض أن يتم هو في أيام؛ فأكلت منه مدة طويلة، ثم جاء خاطر لها قالت نحسبه ونكيله وهكذا، قالت: «فكِلْتُهُ فَفَنِي» ١٬٢٢١صحيح البخاري (3097)، صحيح مسلم (2973) قَالَتْ رضي الله عنها: «لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ، حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ». لما كالته فَني!
جاء في سنة النبي ﷺ وهديه التحذير من العد والحساب والكيل وغيره في غير مواضعه، هذه الأمور تكون في المبادلة والبيع والشراء وهكذا، أو في القسم بين الناس، هذا خمسة كيلو وهذا كذا، في الكيل والتوزيع، لكن أنت في مالك أو في أشيائك ابتعد دائمًا عن الحسابات والتدقيق فيها؛ فإذا كان هناك اجتماع وأنتم تأكلون مع بعضكم الخبزة قسمها تقسيم معروف من باب التقريب جنب الناس ويأكلوا مع بعضهم، أما أن تضع لكل واحد قطعته..! ينمي الشعور بالأنانية والفردية، ونوع من الملكية والقنوة ويزيل معاني الأخوة والمشاركة والتضامن وغيرها، وفيها إيحاءات ليست جيدة تربويًا؛ لا تقسمها هكذا، تعطي بالمعروف فقط، لكن إذا أحضرنا أشياء مقسمة قطعًا قطعًا فكل واحدة قطعة، لكن الأشياء التي هي في العادة يُشترَك فيها فيأكل الناس مع بعضهم بالمعروف.
في قِران التمر -مثلًا0 نهى النبي ﷺ عن القِران -أن يأكل بالحبتين- إلا أن يستأذن قال سيدنا عبد الله بن عمر: «إلا أن يستأذن صاحبه أو أخاه» ١٬٢٢٢صحيح البخاري (5446)، صحيح مسلم (2045) وفيه: قال شعبة" «الإذن من قول ابن عمر». فالإنسان منهي عن القِرَان.
القران: أن يقرن بين التمرتين، فيأخذهما معًا ويأكل؛ هذا منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى أن بعض الناس يكون جشعًا؛ فالناس يأكلون بالحبة وهم محتشمون وهو يستغل فرصة استحياء الناس، وهذا الأمر ليس جيدًا؛ حتى في الخلق في الظاهر في الصورة، ويؤدي إلى فساد الأخلاق وانتشار قلة الحياء في الناس، والشريعة راعت أن الأخلاق المذمومة تبقى دائمًا مذمومة وتعمق في قلوب الناس وفي نفوسهم ذمها وألا يستعملوها؛ لأن هذه الأخلاق الفاسدة إذا انتشرت واستمرأها الناس فإنها تؤدي إلى انعكاسات في نفوسهم قبيحة جدًا جدًا، فنهت عن القِران إلا أن يستأذن صاحبه، مثلًا: كان يأكل بسرعة: اسمح لي يا أخي آكل بسرعة وماشي، أو كان التمر كثيرًا لا يُخشى عليه من التزاحم والتشاحّ، لكن في الحالات التي يكون قليلًا فتأكل بالحبة، وتعلم نفسك ألا تأكل سريعًا ولا تكبر اللقمة، يضع طرف الجبنة في الغمسة الأولى يأخذ نصفها! لا، تأخذ القليل وتعلم نفسك وتعلم الآخرين وتعلم من حولك وهكذا، وحتى في تربية الأطفال هذه مهمة جدًا؛ علمه ألا يكبر اللقمة.. فهذه من أسباب البركة، والإنسان لا يتشدد في العدل لدرجة أنه يقسم ويحسب ويعد ويكيل في هذه الأمور.
لقد أتممت قراءة كتاب: * العدل والفضل
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا