۞ الحكمة الأولى: قوله ﷺ: (انفذ على رسلك):

في الروايتين الأخيرتين: (اذهب) و(امش) وفي رواية ثالثة أيضًا: (سِـرْ)٤٩٩المستدرك (4342). أمر من سار يسـير، ومعنى (انفذ) هو هذا في الأصل، أعني معنى الألفاظ الثلاثة المذكورة، مع إضافة أخرى تتضمّنُها هذه اللفظة البليغة وهي: السـرعة، والاستقامة، والمضاءُ في تصميم إلى بلوغ الغاية.

فكأنه قال: انطلق وسـر في سـرعة واستقامة ومضاء وتصميم إلى أن تبلغ هدفك، فكل هذه المعاني تضمنتها كلمة (انفذ)؛ فكلمة انفذ فيها إيحاء بالسـرعة والنفوذ والمضاء والتصميم والاستقامة، ولعل ذلك ناشئ من كثرة استعمالها للسهم والحربة.

مختار الصحاح: «نفذ السهم من الرمية، ونفذ الكتاب إلى فلان، وبابهما دخل، [أي فالمصدر: نفوذًا، ولهذا عطف عليه فقال:] ونفاذًا أيضًا، وأنفذه هو، ونفَّذه أيضًا بالتشديد، وأمرٌ نافذٌ أي مطاع» ٥٠٠مختار الصحاح (ص 315). اهـ.

وفي «مفردات القرآن» للراغب: «نفذ السهم في الرمية نفوذًا ونفاذًا، والمثقب في الخشب: إذا خرق إلى الجهة الأخرى، ونفذ فلان في الأمر نفاذًا، وأنفذته، قال تعالى: ﴿إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣﴾ [الرحمن]، ونفذت الأمر تنفيذًا، والجيش في غزوه، وفي الحديث: (أنفذوا جيش أسامة٥٠١مفردات القرآن (ص 817). اهـ، وانظر «النهاية في غريب الحديث»٥٠٢النهاية (5 / 91). وغيره في معاني (نفذ).

ص 719

لكنه ﷺ قال له: (على رسلِك) بكسـر الراء على المشهور، ويجوز فتحها وكسـر السـين، أي على مهلك، وبرفق وتأن وتؤدة، والمقصود أنه ﷺ يقول له: انفذ إليهم على مهل وبرفق واتَّئِد في أمرك، وذلك يتضمن النهي عن العجلة والطيش والحركة الخارجة عن الرفق والتثبت، وهو لا ينافي الإسـراع والسـير بجد! كما قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا﴾ [الفرقان: 63]، وجاء في صفة النبي ﷺ أنه كان يسـرع المشـي، حتى كأنه ينحطّ من صببٍ٥٠٣سنن الترمذي (3637) وصححه الألباني، مسند أحمد (746) وصحح إسناده أحمد شاكر، لكن حسنه الأرنؤوط لغيره.، وَ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]؛ أي فامضوا إليه مبادرين، أي على وجه لا يخل بالسكينة والوقار كما بينته صحاح الآثار.

فتحصل من ذلك مجموعة من الحكم النافعة مما ترشد إليه هذه الكلمات النبوية البليغة: النفاذ في الأمر، وهو السـير والمضاء في جد واستقامة وسـرعة، لكن هذه السـرعة ليست بالعجلة ولا بالطيش، وإنما هي جدّ ونشاط في رفق وتمهّلٍ وتأنّ في الأمر وتثبّت، وبصيرة كاملة بمواضع القدم!

وهاهنا فوائد:

الإسـراع والعجلة: هذه ألفاظ تتقارب أحيانًا أو تجتمع أحيانًا وتفترق أخرى؛ فالإسـراع والسـرعة في الاستجابة لأمر الله تعالى، والمسارعة والتعجيل والمبادرة أي التوجه إلى العمل دون إبطاء أو تأخير أو توان.. خُلُقٌ محمود أمر الله ﷻ به ورسوله ﷺ في مواضع، ومثلها المسابقة، قال تعالى: ﴿۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [آل عمران: 133] الآية، وقال: ﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [الحديد: 21] الآية، وقال: ﴿يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ﴾ [الأنبياء: 90]، وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] على معنى بادروا؛ على أحد الأوجه في تفسـيرها.

وقال ﷺ: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسـي كافرًا أو يمسـي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم٥٠٤صحيح مسلم (118).، وقال: (بادروا بالأعمال ستًا: الدجال والدخان ودابة الأرض طلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم) رواه مسلم أيضًا٥٠٥صحيح مسلم (2947).، ومعنى (خويصة -بالتصغير، أو خاصة بالتكبير- أحدكم): الموت، ومعنى (أمر العامة): القيامة.. كذا فسـروها والله أعلم.

ص 720

وقال ﷺ: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)٥٠٦صحيح البخاري (1957)، صحيح مسلم (1098).، ومعنى تعجيل الفطر: المبادرة إليه بدون تأخير بعد تحقق دخول وقت المغرب.

وأما الإسـراع في أداء نفس العمل، بمعنى أن نؤديه بحركة سـريعة لا بطيئة.. فهذا بحسبه، والغالب أن السـرعة ليست محمودة فيه، بل يطلب فيه الرفق والتؤدة والمهل كما مرَّت الإشارة إليه، مثاله: الإسـراع في حركات الصلاة ونقلاتها، والإسـراع في المشـي ونقل الخُطى، وفي الكلام وسـرد الحديث، والإسـراع في سائر حركات الإنسان الاعتيادية.. فهذه جميعها يُطلب فيها الاعتدال والتوسط والرفق، إلا أن يوجد موجب للإسـراع فبحسبه، والله أعلم.. وأما العجلة والاستعجال فهي مذمومة.!

قال العلماء: العجلة هي تطلب الشـيء قبل أوانه، قال الراغب في «مفرداته»: «العجلة: طلب الشـيء وتحرِّيه قبل أوانه، وهو من مقتضـى الشهوة؛ فلذلك صارت مذمومة في عامة القرآن حتى قيل: «العجلة من الشـيطان» وقال تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ﴾ [طه: 114]، وقال ﴿۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣﴾ [طه]، وقال ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤﴾ [طه]، فذكر أن عجلته -وإن كانت مذمومة- فالذي دعا إليها أمر محمود، وهو طلب رضا الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ﴾ [النحل: 1]، وقال ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ﴾ [الرعد: 6]، وقال ﴿لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ [النمل: 46]، وقال ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ﴾ [الحج: 74]، وقال ﴿۞وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ﴾ [يونس: 11]، وقال ﴿خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ﴾ [الأنبياء: 37]، قال بعضهم: من حمإ، وليس بشـيء!! بل تنبيه على أنه لا يتعرى من ذلك، وأن ذلك أحد الأخلاق التي ركب عليها، وعلى ذلك قال: ﴿وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١﴾ [الإسـراء]»٥٠٧مفردات القرآن (ص 548). اهـ، وقوله: «حتى قيل: العجلة من الشـيطان» اهـ، هذا لفظ حديث كما سـيأتي.

قال القرطبي عند قوله ﴿أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ﴾ [الأعراف: 150]: «والعجلة: التقدم بالشـيء قبل وقته، وهي مذمومة، والسـرعة عمل الشـيء في أول أوقاته، وهي ممدوحة» ٥٠٨تفسير القرطبي (7 / 288). اهـ.

واعلم أن العجلة مركبة في الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١﴾، ﴿خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ﴾ ابتلاه الله بها، وكلفه بالتثبت في أمره؛ فالموفق من وفقه الله تعالى وسدده وأعانه على نفسه.

لكن قد يستعمل لفظ «التعجيل» وما يشتق منه مكان لفظ الإسـراع ونحوه، من باب التقايض بين الألفاظ وهو من سعة اللغة وتسامحها؛ فليتنبه لهذا، كقول أبي بكرة h: «كنا عند النبي ﷺ، فانكسفت الشمس، فقام إلى المسجد يجر رداءه من العجلة، فقام إليه الناس، فصلى ركعتين كما يصلون، فلما انحلت خطبنا».. الحديث، رواه النسائي٥٠٩سنن النسائي (1502) وصححه الألباني.؛ فقوله «من العجلة» أي من الإسـراع.

ومثله حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصـر والشمسُ نقية والمغربَ إذا وجبتْ٥١٠أي غربتْ أي الشمس. [المؤلف] والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يُعجّلُ؛ كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطأوا أخر، والصبح كانوا -أو قال: كان- النبي ﷺ يصليها بغلس» متفق عليه٥١١صحيح البخاري (560)، صحيح مسلم (646).؛ فمعنى التعجيل هنا المبادرة بها وتقديمها في أول وقتها.

ومن ذلك حديث: «(إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه)، وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام» متفق عليه، وهذا لفظ البخاري٥١٢صحيح البخاري (673)، صحيح مسلم (559).، وفي لفظ آخر له: (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضـي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة)٥١٣صحيح البخاري (674)..

ص 721

ولذلك قد تجد في كلام العلماء ما تحتاج في فهمه إلى التفصيل المذكور؛ كقول الصنعاني في «سبل السلام»: «العجلة هي السـرعة في الشـيء وهي المذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة، محمودة فيما يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال: لا منافاة بين الأناة والمسارعة، فإن سارع بتؤدة وتأنٍّ فيتم له الأمران والضابط أن خيار الأمور أوسطها» اهـ٥١٤سبل السلام (2 / 681).، ونقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» عن القاري: «بونٌ بين المسارعة والمبادرة إلى الطاعات وبين العجلة في نفس العبادات؛ فالأول محمود والثاني مذموم»٥١٥تحفة الأحوذي (6 / 129). اهـ.

ومما سبق بيانه تعرف أن ما كان من الإسـراع والسبق والمبادرة والتقدم مذمومًا اختصّ في اللغة بلفظ العجلة؛ فلفظ العجلة -في عُرف اللغة- هو لما كان مذمومًا من ذلك، هذا هو الغالب، ولذا ولم يجئ لفظ الاستعجال في القرآن إلا في سـياق النهي والذم والعيب والنعي على المشـركين.

قال العلماء: «ومن استعجل الشـيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، وعدوها قاعدة٥١٦نظمها الشيخ السعدي في «منظومة القواعد الفقهية» بقوله: مُعاجل الشيء قبل أوانه... قد باء بالخسران مع حرمانه.، وقالوا: دلت عليها دلائل من الشـرع والقدر، وذكروا لها أمثلة في محلها، وهي بكل حال أغلبية، والله أعلم.

وقد جاء الحديث عن رسول الله في ذم العجلة وأنها من الشـيطان: عن أنس بن مالك h أن النبي ﷺ قال: (الأناة -وفي لفظ: التأني- من الله، والعجلة من الشـيطان) رواه الترمذي وابن أبي شـيبة وأبو يعلى وغيره، وفيه بعض مقال معروف، وجود ابن القيم إسناده في إعلام الموقعين وصححه الألباني في «الصحيحة»: 1795٥١٧سنن الترمذي (2012) وقال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في «عبد المهيمن» وضعفه من قِبل حفظه، مسند أبي يعلى الموصلي (4256) وضعف إسناده محققه حسين سليم أسد، وقال ابن القيم في: إعلام الموقعين (2 / 128): إسناده جيد، وحسنه الألباني في: الصحيحة (1795).،، فالله أعلم.

ومن المواضع التي جاء النصُّ فيها على ذم العجلة ما ثبت في الصحيحين عن النبيّ ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل؛ يقول دعوت فلم يستجب لي)٥١٨صحيح البخاري (6340)، صحيح مسلم (2735).؛ فمعنى العجلة هنا: استبطاء الإجابة وعدم الصبـرِ، فينشأ عنها ما أشار إليه من الظن السـيء.

وفي رواية لمسلم وغيره: «(لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعةِ رحم، ما لم يستعجل)، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول: (قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسـر عند ذلك ويدعُ الدعاء٥١٩صحيح مسلم (2735).، قال العلماء: معنى (يستحسـر) يَمَلُّ ويسأم ويعيى؛ فيترك الدعاءَ وينقطعُ، ويكون كالمانّ بدعائه، أو يظنّ أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة، ومع هذا لم يُستَجَبْ له فيصير كالمبخل لربه سبحانه..!

ص 722

وقد عقد الإمام ابن القيم في كتابه «الروح» فصولًا للفرق بين أشـياء، حري بكل مسلم أن يقرأها لأنها من صريح العلم النافع والفقه في الدين، وذكر منها فصلًا في الفرق بين المبادرة المحمودة التي يحبها الله، وبين العجلة المذمومة، فقال: «فصل: والفرق بين المبادرة والعجلة: أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها، ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، فهو لا يطلب الأمور في إدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضـر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها، والعجلة: طلبُ أخذ الشـيء قبل وقته، فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها كلها؛ فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين: أحدهما التفريط والإضاعة، والثاني الاستعجال قبل الوقت، ولهذا كانت العجلة من الشـيطان فإنها خفة وطيش وَحِدَّة في العبد تمنعه من التثبّت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشـياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشـرور وتمنعه أنواعًا من الخير، وهي قرين الندامة فقلَّ من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة»٥٢٠الروح (ص 258). اهـ.