[الرد على شبهة أن الإمام «أحمد» لم يخرج على الحاكم في زمانه، والقول في «جهيمان العتيبي» وكتبه، وأنسب طريقة للدعوة الجهادية والكفر بالطاغوت بين عوام الناس]

(1) كيف نرد شبهة ذكرها أحد المشايخ في الخروج على الحاكم فقال: «إن الإمام أحمد رحمه الله أوذي وعذب وسجن في فتنة خلق القرآن ولم ير الخروج على الحاكم».

ص 399

(2) ما هو موقفنا من الشـيخ «جهيمان العتيبي»، وخاصة أن كتابه «رفع الالتباس»٢١٢رفع الالتباس عن ملة من جعله الله إماما للناس: رسالة صغيرة تقع في قرابة 30 صفحة، تكلم فيها عن التمسك بالكتاب والسنة. من أفضل الكتب وأحسنها، وهو مليء بالتوحيد الخالص لله والتبعية الخالصة لرسول الله ﷺ والكفر بالطاغوت.

(3) ما هي الطريقة التي تراها مناسبة في الدعوة للجهاد والكفر بالطاغوت بيـن عوام الناس؟

[السائل: أبي هاجر]

الجواب:

الفقرة الأولى: واضح أن المقصود بذكر حكاية الإمام أحمد رحمه الله مع الأئمة الذيـن ابتلوا بفتنة خلق القرآن، هو الاستدلال بها على عدم جواز الخروج على الحكام المرتديـن اليوم.. فهذه لا ترقى لأن تسمى شبهة ولا إشكالًا عند أهل العلم، ولكن الظالميـن بآيات الله يجحدون..!

والجواب عنها: أن هذا حق، أي الذي فعله الإمام أحمد، وهو أحد القوليـن في المسألة للعلماء، وهو الراجح، لكن: هذا مختلف تمامًا عن مسألتنا، فمسألتنا نحن اليوم ليست مسألة الخروج على إمام فاسق، فسوقا علميا -بالبدعة والضلالة المحضة- أو عمليا -وهو الفاجر الظالم-.

لا..! بل مسألتنا اليوم هي: الخروج على الحاكم إذا كفر وارتدّ.

فالمسألة الأولى -الخروج على الحاكم الفاسق- فيها الخلاف المشهور بيـن أهل العلم من السلف والخلف، مع أن الراجح عند الجمهور المنع مطلقا من الخروج عليه ووجوب الصبر، وحكاه بعض العلماء إجماعا.!

ص 400

والمسألة الثانية التي ابتليـنا بها اليوم هي الخروج على الحاكم الكافر؛ فهذه مسألة مختلفة عن الأولى كما ترى، والحكم فيها أنه يجب على المسلميـن خلع هذا الحاكم وإزالته إن أمكن وتولية حاكم مسلم مكانه يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يمكن ذلك إلا بالقوة، وجب عليهم منابذته والخروج عليه وعدم طاعته، وحُــكي فيها الإجماعُ أيضًا٢١٣قال القاضي عياض: «أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل» انظر: شرح النووي على مسلم (12/ 229)، وقال مثله الملا علي قاري في: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2393)، وقاله غيرهما.، والأدلة عليها كثيرة معروفة ويكفي فيها قول النبي ﷺ في الصحيحيـن: (.. إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)٢١٤صحيح البخاري (7055)، صحيح مسلم (1709)..

فالواقع في مسألة الإمام أحمد رحمه الله أن أولئك الأئمة: «المأمون» و«المعتصم» و«الواثق»، وقعوا في بدعة وضلالة وهي القول بخلق القرآن وغيرها من البدع الأخرى بسبب تأثرهم برجالٍ من دعاة المعتزلة والجهمية ممن أدنوهم وقربوهم ووثقوا فيهم، فتشـربوا منهم تلك البدع، فقاموا يـنشـرونها في الناس ويعرضونها على العلماء ويمتحنونهم بها، وكانت فتنة عظيمة كما هو معروف مشهور؛ فهؤلاء الأئمة لم يكفرهم الإمام أحمد ولا أكثر مَن حضـر تلك الأيام العصـيبة من العلماء، بل لعل عدم تكفيرهم اتفاقٌ، وإن كانوا -أي علماء أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد- قد أطلقوا القول بأن القول بأن القرآن مخلوق: كفرٌ، وأن القائل لذلك كافرٌ، لكنهم لم يكفروا المعيـن في أكثر الأحوال كما هو معروف، بسبب اعتبار موانع الجهل والتأويل وغيرها.

والحاصل: أن الإمام أحمد وسائر العلماء لم يحكموا على أولئك الأئمة «المأمون» ومَن بعده بالكفر بسبب مقالتهم تلك، بل هم عندهم مسلمون وإن فسقوا ببدعتهم وضلالتهم المعتزلية، لكنهم باقون على الإسلام، ولم يـنزعوا يدًا من طاعتهم.

وكان أولئك الأئمة في الجملة على سـيرة حسنة فيما سوى ذلك، وكانت الشـريعة محكّمة عالية، وكانت رايات الجهاد في زمنهم مرفوعة وجيوش المسلميـن صائفة وشاتية غازية لبلاد الروم والترك والديلم، وما فتح «عمُّورية» وقصة «وا معتصماه»٢١٥انظر: الكامل في التاريخ (6/ 38) وقد قوع فتح عمورية في سنة 223، قال ابن الأثير: «ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَّةَ: لَمَّا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ، وَفَعَلَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا فَعَلَ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، وَسَمَّطَ خَلْفَهُ شِكَالًا، وَسِكَّةَ حَدِيدٍ، وَحَقِيبَةً فِيهَا زَادُهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ إِلَّا بَعْدَ التَّعْبِئَةِ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ؛ فَجَلَسَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ». و«السـيف الذي هو أصدق أنباء من الكتب»٢١٦يعني بذلك قصيدة «أبي تمام» البائية، التي قالها في مدح المعتصم في «عمورية» وهي 71 بيتًا، من عيون شعر أبي تمام. عنك بغائبة، وإنما ابتلوا بتلك البدعة والضلالة غفر الله لهم ورحمهم الله.

مع أنه حتى في مسألة هؤلاء الأئمة الواقعيـن في بدعة «خلق القرآن» قد حصل أن خرج عليهم بعضُ السلف ونزعوا اليد من طاعتهم ونابذوهم، كما فعل «أحمد بن نصـر الخزاعيِّ»، وهو من علماء تلك الطبقة الثقات الأخيار وأثني عليه الإمام أحمد رحمه الله واستغفر له، مع أنه خالفه في الرأي٢١٧كان الخلاف بينهم أنَّ الإمام الخزاعي خرج على حكام زمانه، أما الإمام أحمد فلم يخرج عليهم، ومع ذلك فلم ينكر عليه الإمام أحمد وقد ذكر ابن كثير في: البداية والنهاية (14/ 311) خبر مبايعة الناس للإمام أحمد بن نصر الخزاعي «على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن»، حتى قُتل رحمه الله قبل إعلان أمره، قتله السلطان «الواثق».، فلم يكن هناك إجماعٌ على عدم الخروج على أولئك الحكام.!

لكن الرأي الذي غلب واشتهر ومشـى عليه الأكثرون هو رأي الإمام أحمد رحمه الله، حتى حكاه بعض المتأخريـن إجماعًا، وفيه بحث على كل حال..!

وأما واقعنا اليوم فقد ابـتُلِيـنا بحكام كفروا وارتدوا ونبذوا ديـن الله وشـرعه وراءهم واستبدلوا به القوانيـن البشـرية الملتقطة من زبالات الأمم الإفرنجية وشـرعوا من دون الله ما لم يأذن به الله، ووالوا أعداء الله وظاهروهم على المسلميـن وحاربوا ديـن الله الحق والمتمسكيـن به الداعيـن إلى التوحيد والمحييـن للسنة، وتلبس كثيرٌ منهم بأفكار ومذاهب كفرية علمانية وشـيوعية ونحوها، وغيرها من الكفريات التي قد بُسِـط الكلام فيها في مواضع أخرى، فنحن نتكلم عن حكام نقضوا التوحيد وأصل الإسلام من وجوه كثيرة، وليس لهم عذر ولا يُتصوّر لأكثرهم عذر.!

والكلام يحتمل البسط أكثر، ولكن فيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.

فالذي لا يفرّق بيـن المسألتيـن ولا يميّز هذه من هذه، هذا جاهلٌ يُعلّم ويُشـرح له إن كان داؤه هو مجرد الجهل -عدم العلم-.. وأما الملبّسون الظالمون المفترون الكاذبون على الله تعالى ممن يـنتسبون نوعَ انتسابٍ إلى العلم قويَ أو ضعُف، اشتهر أو انغمرَ، وما أكثرهم للأسف في أيامنا هذه، فهؤلاء ليس لنا معهم إلا الدعاء عليهم أن يفتح الله بيـننا وبيـنهم بالحق وهو خيرُ الفاتحيـن..! وأن يجعل لعنة الله على الكاذبيـن..! وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ص 401

الفقرة الثانية: في الواقع معرفتي قليلة بحال الشـيخ «جهيمان العتيبي» رحمه الله، والقدر القليل الذي رأيته من كتاباته يبدو جيدًا، مشبّعًا بالتوحيد والسنة وقوة الديانة٢١٨جهيمان بن محمد العتيبي (ت 1400 - 1980م)، قُتل بعد حادثة الحرم الشهيرة مطلع القرن الخامس عشر هجري، كان متأولا للخير لكن لم يصبه رحمه الله، من مؤلفاته: رسالة الإمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على العامة وطلب العلم، البيان والتفصيل في وجوب معرفة الدليل، الفتن وأخبار المهدى ونزول عيسى وأشراط الساعة، النصيحة، أوثق عرى الإيمان.. وغيرها.، وما فيه من أخطاء؛ فهي كما يخطئ سائر البشـر، وظاهرٌ أنه كان صاحب ديـن وتوحيد، لكن قد وقع له هو وأصحابه فتنة، وهي التي عُـرِفت بفتنة الحرم المكي سنة ألفٍ وأربعمئة للهجرة، وليس عندي تحقيق لما وقع، ولا أستطيع الكلام فيه، فالأفضل أن يرجَـع في تقويم ما حصل وتقويم الشـيخ جهيمان وجماعته ومعرفة سـيرتهم وحالهم إلى أهل العلم الموثوقيـن من علماء نجدٍ والحجاز، ممن عاصـر تلك المرحلة وشهدها أو تحصّل عنده علمٌ بها ممن عاصـرها وعرفها جيدا.. والله الموفق.

نسأل الله تعالى أن يغفر لنا وللمسلميـن والمسلمات الأحياء منهم والأموات.. آميـن

الفقرة الثالثة: الطريقة المناسبة في الدعوة إلى الله تعالى وإلى الجهاد في سبيله تختلف بحسب حال الداعي والمدعوّ وما يقدر عليه الداعي بحسب ظرفه وواقعه، فكل إنسان يدعو إلى الله تعالى وإلى التوحيد والسنة ويأمر بالخير والتقوى والبرّ، بحسب ما يقدر عليه وبحسب ما يعلم، ملتزما في ذلك فقه وآداب الدعوة، وليس لهذا حد يرجع إليه كل أحدٍ، لكن على كل مسلم أن يكون داعية إلى الله تعالى، كما قال ﷺ: (بلغوا عني ولو آية) رواه البخاري٢١٩صحيحه (3461).، وقال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ [النحل]، والقدر الذي يجب على الناس من ذلك يختلف باختلاف العلم والقدرة.

والوسائل للدعوة كثيرة: المشافهة في المجالس مع الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل أو الدراسة والجيران والمعارف وسائر الناس، ويستغل المناسبات لذلك، ونشـر الكتب والرسائل المفيدة الموثوقة، وكذلك الشـريط والسـي دي وجميع منشورات المجاهديـن الدعوية التحريضـية؛ فهذه من أقوى الوسائل للتحريض، ونشـر أخبار الجهاد والمجاهديـن التي تبث الأمل في قلوب المسلميـن، وترفع معنوياتهم وتجدد لهم آمال استعادة الكرامة المسلوبة وتشجعهم وتنفي عنهم الوهن.

والدعوة إلى الكفر بالطاغوت هي جزء من الدعوة إلى الله تعالى، والدعوة إلى توحيده ﷻ، وأنتم تقصدون بها هنا خصوص تعرية الحكام الكفرة المرتديـن وكشف كفرهم وحربهم للإسلام وأهله وبيان ذلك للناس حتى يكفروا بهم ويخرجوا عليهم ويستعدوا لمجاهدتهم وبذل الوسع في ذلك، فهذا حق، فعلى المسلم أن يبذل في ذلك ما يقدر عليه، لكن بعلمٍ وحكمة، ويترك ما لا يقدر عليه إلى أهله القادريـن عليه، ويتلطف ويستعيـن بالله تعالى ولا يعجز. والله الموفق.

•••