* الهداية: أسبابها وموانعها
أن يعرف الإنسان أنه في مقام العبودية وأنه عبد لله عز وجل، وإذا عرف الإنسان أنه عبد لله عندئذ يعرف قدر نفسه، ويعني ذلك أنه عرف أنه محتاج ومفتقر إلى سيده ولا يعمل شيء إلا بإذن سيده ورضاه ولا يتمرد عليه، ويعرف أنه فقير ضعيف عاجز في مقابل مولاه وربه وسيده القوي القادر المتصف بكل صفات الكمال، هذه العبودية تدفع الإنسان لأن يقول: يا رب أنا ضعيف عاجز فقير جاهل؛ فيا رب أرشدني واهدني.
أما من لا يعترف بأنه عبدٌ لله ويستكبر عن عبادته كما يفعل الطواغيت والجبابرة المتكبرين والأمم الكافرة، هؤلاء فقدوا سببًا كبيرًا من أسباب الهداية؛ ولهذا فإن المتكبر يمنعه الله من الهداية، قال عز وجل: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٦] المتكبر لا يحصّل على العلم ولا تحصُل له هداية ولو تحصّل على بعض العلوم، والمستكبر لا يهتدي وسيدخل النار، قال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠﴾ [غافر].
ما هي العبودية وعلى ماذا مبناها؟
مرجعها إلى التذلل والخضوع، ومعنى العبودية الأصلي مأخوذة من طريق معبد، عبَّده أي: ذلله، ومعبَّد أي: مُـذلَّل لسيده.
معنى العبودية ومدارها على الذلة والخضوع.
فالعبد إذا عرف أنه عبد وحقق العبودية لجأ إلى الله عز وجل أن يهديه وبحث عن الخير والصواب وبحث عن الشيء الحسن الذي يرضي ربه ﷻ، وبحث عما ينجح ويفلح به ويسأل ربه: يا رب أعنِّي، يا رب وفقني، يا رب أرشدني.. هذا أهم شيء.
وهذا يتضمن أشياء أخرى؛ فإذا عرف أنه عبد فسيعرف نفسه أنه جاهل وعاجز ويعرف أن نفسه مركبة من أشياء كثيرة جدًا تمنعه من الهداية مثل: الهوى والشهوات، وعندئذ يلتجئ إلى الله عز وجل فيسأله ويستعين به؛ لكي يوفقه عز وجل إلى الخير الذي يرضى به اللهُ عنه، ولهذا جاء في القرآن قوله عز وجل: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠﴾ [الأعلى]، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣﴾ [غافر]؛ فالذي يخشى الله ويتقيه ويرجع وينيب إليه.. هذا هو الذي يهديه الله عز وجل.
في المقابل الجبارون والمتكبرون الذين لا يخشون الله عز وجل أولئك لا يهديهم الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤﴾ [النحل]؛ ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦﴾ [الأعراف].
فأول أسباب الهداية: العبودية لله عز وجل؛ بالبحث عن الهداية والخير، حال كون الإنسان معترفًا بأنه عبد لله، حقير جاهل ضعيف إن لم يوفقه الله ﷻ فلن يوفَّق، قال عز وجل في مواضع من القرآن: ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥﴾ ، ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧﴾ ، ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥﴾ ، ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢﴾ [يوسف]؛ فبين لنا أن هناك أشياء تضاد الهداية وهي موانعها: كالكفر والظلم والفسق والخيانة والتكبر والعلو في الأرض، كل هذه موانع للهداية.
الهداية ليست معرفة الخير فقط، ولكن أن يعرف الخير ثم يعمل به؛ ولهذا في ظلمات الحيرة والتردد والشكوك وعندما تأتي فتن الأفكار والمناهج التي يُبتلى بها الإنسان في الدنيا وفي الاجتماع البشري والمضايق يحتاج المرء حينها إلى الهداية، والموفَّق والمهتدِي هو الذي يهديه الله عز وجل فيوفقه لاختيار القول الصحيح ويفعل الفعل الصحيح ويكون في المكان الصحيح مع من ينبغي أن يكون معهم.
كيف يوفق المرء لهذا؟ بتوفيق من الله عز وجل، والله ﷻ أجرى أقداره كلها بأسباب، أهم سبب هو العبودية لله عز وجل بكل معانيها كالخشوع والخضوع والإنابة والتواضع والإلحاح على الله عز وجل وطلب الهداية والاعتراف والإقرار بجهل الإنسان وضعفه ومسكنته وافتقاره إلى الله عز وجل أنه إن لم يهده الله لا يهتدي؛ قال الله ﷻ في الحديث القدسي من حديث أبي ذر: (يا عبادي؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تَظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)١٬١٦٨صحيح مسلم (2577). أي: اطلبوا مني أن أهديكم.
العبودية تستطيع أن تقول أنها السبب الجامع، لكن نحن نتكلم في بعض تفاصيلها سبب الهداية الأساسي، خشية الله عز وجل، الإنابة والتواضع والافتقار لله ﷻ، كثرة الدعاء وسؤال الله الهداية، الإلحاح على الله أن يهديه ويفتح عليه، إذا فتح الله عز وجل على العبد في العبودية وعرّفه بقدر نفسه وأنه عبد لله ولجأ إلى الله، الله يهديه وبعدها لا تَخف عليه، إنما قد يكون الإنسان في الجملة عبد لله عز وجل معترف بالعبودية لله مسلم خاضع له عز وجل.
الإسلام: هو إسلام الوجه لله عز وجل، الاستسلام لله عز وجل وحكمه وشرعه، أسلم الإنسان ولكن فيه انحراف وفيه معاصي وفسوق وعصيان لم يهتدِ في أبواب تفصيلية جزئية وإنما اهتدى الاهتداء الكلي الجملي، أي خضع للإسلام على الجملة صار مسلمًا لكنه قد يكون ضالًا ضلالا عقديا تصوريا مقاليا، أو ضلالًا عمليا؛ ككونه فاسقًا يشرب الخمر ويفعل المنكرات، فهذا الله عز وجل حرمه من أنواع الهداية، من أجزاء منها، أي أن هدايته ليست كاملة، وعندما تنقب الأسباب التي أدت به إلى أن لا يهتدي الاهتداء الكامل لا بد أن هناك أسباب، والسبب الجملي لا بد أن يكون حاضرًا وهو نقص العبودية، كل ما كملت عبودية الإنسان لله عز وجل وحققها تحقيقًا كاملًا كان أهدى؛ فالله عز وجل يهديه ويوفقه، إذا نقصت عبوديته فتنقص هدايته بحسبها، قد يكون من تفاصيلها بعض من الآيات التي أشرنا إليها، قالعز وجل: ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥﴾.
ولهذا من أسباب الهداية أن يقوم الإنسان بالقسط، أن يكون منصفًا عادلًا، أن يحرص الإنسان في حياته كلها ومسيرته إلى النفس الأخير أن يكون من أهل تحقيق الحق والعدل والإنصاف والقيام بالقسط لا يرضى بغير هذا، يبتعد عن الظلم بكل معانيه فلا يظلم صديقا ولا قريبا ولا بعيدا ولا عدوًا.. لا يظلم أحدًا.
الظلم: ضد العدل، وهو عدم إعطاء المستحق حقه، عدم إعطاء الأشياء حقها، كل شيء له حق.
والعدل بضده: وهو إعطاء كل شيء حقه ووضْع كل شيء في محله، أي إذا وجدنا شيئا جيدًا نقول جيد، شيء ممتاز نقول ممتاز ونقول هذه أحسن من هذه، العدل في كل شيء.
غالبًا الإنسان في هذه الأمور يعرفها بالعقل كالظلم والعدل ويفرق بينها، لكن كون الإنسان يلتزم بهذا المبدأ ويجعله مبدأه الذي لا يحيد عنه أبدًا، أن يقوم بالقسط، قال عز وجل: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ [النساء: ١٣٥] نقوم بالقسط، وأن لا يظلم أبدًا، ويعلم أنه إذا ظَلم فبقدر ظلمه يمنعه الله من الهداية، يصرف عنه التوفيق، ترتفع عنه فتوحات الله عز وجل، وإذا قام بالقسط وحقق الحق وكان مع الحق فإن الله عز وجل يهديه ويوفقه وتؤدي الحسنة إلى حسنة أخرى ويفتح الله عليه العمل الصالح والحسنات.
إذن، من أسباب الهداية التوقِّي من موانعها، ومن موانعها الظلم، ومنها الكفر بالله إذا كان بمعناه الأكبر وهو الشرك والكفر الأكبر فهذا أقصى درجاته وهو الخروج من الهداية بمعناها الكامل والخروج من الإسلام، وان كان بمعنى الكفر الأصغر فهو المعاصي، جملة المعاصي كبيرها وصغيرها، ومنها كفر النعمة فكل الذنوب والمعاصي هي من أنواع الكفر ومن أجزاء الكفر.. فهذا بحسبه أيضًا يؤثر بالهداية.
الخيانة من موانع الهداية، فالله عز وجل لا يهدي الخائنين؛ لأن الخيانة ضد الأمانة فالله عز وجل استأمنك على شيء، العبودية كلها أمانة، والعبادات كلها أمانات، تكاليف الله كلفنا بها واستأمننا عليها أن نؤديها؛ فإذا نقصت أمانة الإنسان بحسبه تنقص هدايته وينقص حظه من الهداية، مطلوب من هذا العبد أن يكون عبدًا لله سائرًا مع أمر مولاه مفضلًا لما يفضله مولاه محبًا لما يحبه مولاه، فإذا عمل بعكس ما يحبه الله فيكون خان الله وخان أمانته فإن الله يعاقبه ويحرمه من الهداية بمقدارها، والله عز وجل حكَم عدْل، قال ﷻ: ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف].
هذه بعض أسباب الهداية، وخلاصتها: تحقيق معنى العبودية لله، لكن في المقالات وفي مسائل الفكر وغيرها يستعين الإنسان بهذه المعاني؛ يعلم أنه عبد لله إن لم يهده الله لا يهتدي، يعلم أن الهداية من عند الله ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠].
الهداية كلها من عند الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦﴾ [القصص]، ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ﴾ [الأعراف: ٤٣].
إذن، لا يمكن للإنسان أن يهتدي إلا أن يهديه الله ويوفقه ويعينه.. هذا الأمر يعترف به الإنسان بكل ما يملك من قوة ويقر به في نفسه ويتمثله ويجعله ممزوجًا في لحمه وعظمه وشحمه، يحقق عبودية الله عز وجل ويلح عليه ويلجأ إليه عز وجل أن يهديه، يبتعد عن الظلم والخيانة والفسوق والتمرد والخروج عن أمر الله عز وجل فيوفقه، يبحث عن الخير وعن الهداية عازمًا أنه إذا ظهر له الخير فعله وكان مع أهل الخير، فالله عز وجل يوفقه ويهديه.. هذه أهم أسباب الهداية.
ومن موانع الهداية أيضًا: هذه الحجب التي تكلمنا عن بعضها، فمن العوائق والموانع عن الهداية: حجاب العادة والإلف وحجاب الطبع، يتعود عليه الإنسان ويألفه بحيث يصبح صعبًا عليه تركه، فهذه الحجب على الإنسان أن يكون مستعدًا دائمًا أن يتخلص منها ويتجاوزها، حجاب العادة والإلف والمواضعات البشرية التي تكونت من خلال ملامساتهم لبعض في الاجتماع.
من موانع الهداية: اتباع الهوى.
الهوى: ميل النفس إلى شيء تهواه؛ أي تميل نفسك إليه، وهذا تعريف بسيط للهوى.
والنفس تميل إلى الشيء الذي يضرها والشيء الذي ينفعها؛ فالنفس تهوى الراحة، وتهوى الأشياء التي تلائمها وتلتذ بها، ولكن من الممكن أن يكون هذا الذي تلتذ به النفس ضارًّا؛ فجاءت الشريعة بالنهي عن اتباع الهوى وبُعث الرسل كلهم بالنهي عن اتباع الهوى، والرسل الذين أرسلهم الله، والكتب التي أنزلها الله جاءت كلها آمرة بمحاربة الهوى، وناهية عن اتباع الهوى.
وجُعل الهوى ضد الهدى، يقول العلماء: «الهوى ضد الهدى»؛ قال الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠﴾ [القصص]، ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
كل الأمم التي ضلت وكل الناس الذين ضلوا من أول البشرية إلى آخرها ضلوا باتباع الهوى، إذا اتبع الإنسان هوى نفسه -أي ما تهواه نفسه- كالغلبة على الخصم والظهور والرياسة والملك وراحتها، ما ترتاح به وتلتذ وتحصيل لذاتها كلها وإن كان عاقبة هذه اللذات الهلاك والبوار، لكن النفس لا تفكر! بل تهوى وتميل إلى الشيء فتفعله.
البشر بحسبهم، هناك من هو غارق جدًا في الهوى مثل الكفرة المحاربين للرسل؛ فهؤلاء غارقون في الهوى؛ استغرقهم الهوى وأخذهم، فاتبعوا أهواءهم وتركوا الهدى.
والمسلم الذي أسلم لله عز وجل ودخل في الإسلام على الجملة قد يكون لا يزال عنده بعض الأشياء التي يتبع فيها هواه كأن يأتي يتخاصم مع شخص ويعرف أن الحق مع خصمه ولكن هو يغلبه لكي لا يغلبه خصمه؛ لأنه دخل في نفسه حب الغلبة على الخصم وحب الظهور وحب الملك والشرف والرياسة، الهوى وهو من أشد الشهوات، فهي (الشهوة الخفية) كما أخبرنا ﷺ١٬١٦٩روى الحاكم في «المستدرك» (7940) أن النبي ﷺ تخوف على امته من بعده (شرك وشهوة خفية) فلما سُئل عن الشهوة الخفية قال: (يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا فَيُفْطِرُ). قال العراقي في «تخريج الإحياء»: حديث لا يصح. لكن جاء عن أبي داود السجستاني أن «الشهوة الخفية: حب الرياسة» نقله ابن عساكر في تاريخه (22/ 200) مسندًا..
وحب التملك؛ فالنفس تحب هذا ويظهر صورته في النساء كثيرًا حب الاقتناء للملابس، والأجهزة.. إلخ، فالنفس طبيعتها هكذا، وأظهر ما تَظهر في الطفل ثم النساء، أما في الرجال والشخص الكامل فيزول منه هذا فيصبح حاكمًا في نفسه؛ فحب التملك والقُنية، والغلبة على الناس بحيث يكون هو الغالب وأن تكون الرياسة له والملك والشرف وأن يأمر وينهى وله السلطان، وحب أن يغلب الناس الآخرين بالمعاني أيضًا بأن يكون هو الممدوح دونهم وهو الأفضل منهم وأن ينظروا إليه وهكذا، وكله يرجع ويعود لحب الرياسة «الشهوة الخفية».
وحب الشهوات التي تشتهيها النفس بالغريزة، الشهوات الحيوانية كلذة البطن كالمآكل والمشارب والتلذذات البطنية ولذة الفرج؛ فهذا ما تريده النفس، فالنفس تميل إلى الراحة وملء البطن والخمول والبيت الناعم والحمام الساخن هذا ما تحبه النفس، فإذا قلت للشخص: اذهب للجهاد إلى الجبهة الفلانية، فيقول لك: لا أريد لأن الجبهة الفلانية كذا وكذا، أريد الجبهة الفلانية، يجب أن نكون محققين للحق فهذه كلها افتراضات، فنحن نقول: يا إنسان، اسأل نفسك لماذا اخترت هذا؟
هذا -مثلًا- مجاهد يجاهد في سبيل الله لديه العلم الفلاني والخبرة الفلانية؛ فطلبنا منه أن يكون في المكان المناسب لأن لديه علمًا معينا؛ فيرفض ويطلب مكان آخر بحجة أنه لا يناسبه، نقول: لماذا اخترت هذا الاختيار؟ بل هو يجب أن يدقق ويسأل نفسه هذا السؤال.
نفسه التي بين جنبيه -كما قلنا- كأنه شخص آخر يعيش معه ويحاسب فيه، فيقول لها: لماذا اخترت هذا الاختيار وطلبت أن تكون هنا؟ فيقول: هذا المكان فيه جبال وأنا لا أستطيع أنا مريض فلا بأس، هذا عذر فخرج عن المؤاخذة.
فهذا عذر وعجز، ولكن نقول: فتش واسأل نفسك، فبعضهم يعتذر فيكون الجواب: أنا أختار كذا لأنه مكان قريب من كذا وهناك اتصالات وتليفونات، وهناك يوجد ناس يخدمونا ويقدموا لنا.. أو تقديم بعض الحلويات -مثلًا-! فنقول: هذه قصاراها أن تكون مباحة، ولكن هل طلب هذا المباح يجعلك تترك العمل الفاضل المطلوب منك أن تؤديه واختير لك من قِبَل المسؤولين عليك ومن الأشخاص المفترض عليك اتباع أوامرهم، قيادة، إمارة، أمير، إمام، فاختارت لك أن تكون هنا، ونظرت النظر المصلحي -المصلحة الشرعية- الذي يحبه الله ويرضاه، والمفروض حسب النظر الشرعي بعد أن تشاورنا المفروض فلان يكون في هذا المكان المناسب؛ فإذا كان عندك اعتراض واخترت اختيارًا آخر ممكن تبديه وتجادل به وتقول مثلًا: الأنسب أن أكون هنا، وهناك جانب لم تنظروا فيه، واقتصر نظركم على شيء معين وغفلتم عنه ولم تراعوه؛ فهذا لا بأس به فهذا جدل يحصل، فالمقصود من الجدل هذا الوصول للخير والوصول للحق فإذا كان هذا هو المقصود فليس مذمومًا، فلا بأس به هنا بالخير وبالتي هي أحسن، لكن إذا كان عنده شهوة خفية ويجادل ويكثر الكلام والجدال، فيجب عليه أن يسأل نفسه -مثل ما قلنا- فقد يكون ذلك لا لسبب مهم إلا أن هذا المكان فيه راحة له أو فيه أصدقاء يسهل التواصل معهم أو هناك يوجد أماكن وبيوت مريحة.. إلخ، فإما أن يكون رجَّح لأمر مباح فحينئذ هذا أمر مباح، فأنت -مثلًا- ذاهب إلى هناك لأكل التوت فهذا من المباح لكن المشكلة ليست هنا، المشكلة أنه أحيانًا ترك خيرًا كثيرًا من أجل حرصه على مباح؛ فهو قدَّم مباحًا وأراد أن يتشبث به، وقصاراه أنه حظ نفسه وهي لذة أنه يحب التوت، لا حظَّ للإسلام، الإسلام لن ينتصر وأنت ذاهب لأكل التوت؛ فترَك خيرًا كثيرًا وترك أمر الجماعة وأمر الأمير وربما أدى جدله إلى مشاغبة أو إلى شِقاق أو إلى نقص احترام ونقص أدب وضعف في القوة الجماعية.. إلخ.
فحصلت مفاسد كثيرة في الأثناء كلها في سبيل أنك أنت ذاهب لتحقق هدف شخصي قصاراه في النهاية أنه مباح، لا نقول أن حبك للتوت أو إرادتك أن تأكله أنها حرام، ليس من هنا الحُرمة أو ما يقاربها دعونا نقول الشيء الغير مرضيّ؛ أنت بسبب إرادتك لهذا المباح وتفضيلك واختيارك له وتشبثك به تركت خيرًا كثيرًا وأدى تركك -مثلما قلنا- إلى مشاغبات وعدم طاعة وعدم انتظام الأمر وتنغيصات وهكذا.
فهذه ينتبه إليها الإنسان، فهذا مثال يمس واقعنا في عملنا الجماعي في الجهاد، لكن المقصود أن النفس تميل دائمًا إلى أشياء معروفة تميل إلى اللذات، لذة الراحة، لذة الظهور والغلبة والرياسة، لذة شهواتها الغريزية البهيمية الحيوانية التي هي لذة البطن والفرج، لذة المناظر والأسماع والنظر، النفس تميل إلى تحقيق لذائذها، جاءت الشرائع كلها وجاءت الرسل ونزلت الكتب بالنهي عن اتباع الهوى، وضرورة ووجوب مخالفته، قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨ فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١﴾ [النازعات] هذا هو المعيار والمقياس، ويمكن أن تكون هذه الآية شعار.
﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧﴾ الطغيان: وهو مجاوزة الحد، طغى الماء: جاوز الحد.
﴿وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨﴾ أي: على الآخرة، آثرها واستحبها وفضلها وتشبث بها، تاركًا الآخرة.
﴿فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩﴾ الجحيم مأواه.
﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠﴾خاف مقام الله ﷻ، ونهى نفسه عما تهواه وخالفها ﴿فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١﴾.
النهي عن اتباع الهوى والأمر بمخالفة الهوى، قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨﴾ [الجاثية] دائمًا في القرآن نهي عن اتباع الهوى، والهوى ضد الشريعة ضد الهداية ضد ما جاءت به الرسل.
المكذبون والمعاندون من الأمة ومن الذين أهلكهم الله كذبوا الرسل وعاندوهم، المترفون وأتباعهم يتّبعون أهواءهم في القرآن، وصفهم الدائم أنهم اتبعوا أهواءهم ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦﴾ [محمد] فجاءت الشرائع والرسل بالنهي عن اتباع الهوى، مخالفة الهوى ضرورة ووجوب، فينتبه الإنسان للهوى في نفسه والمفروض أن يُفتش عليه تفتيشًا دقيقًا جدًا ومتعنتًا وقويًّا.
التعنت ليس محمودًا، لكن نقول: تفتيشًا دقيقًا حازمًا عن ماذا تهوى نفسه، وإذا النفس رُوِّضت على هذا يصير سجية فيها دائمًا اختيار الخير، لكن تبقى النفس أمَّارةٌ بالسوء، تبقى النفس دائمًا خدَّاعة، تبقى النفس فيها دائمًا النزعة تميل إلى شهواتها وغرائزها ولذائذها -هكذا طُبعت- فيكون الإنسان دائمًا منتبهًا لنفسه ولهذا لا يتكلم في شيء عنده فيه هوى، حتى في حالة الشورى -مثلًا- في التشاور في الأمور، إذا كانت المسألة عندك فيها هوى فاحزم لنفسك قل: أنا هذا الموضوع لا أستطيع التكلم فيه؛ لأن عندي تعلقٌ مَّا به فأخاف أن يكون كلامي غير صادر عن تحقيق وتجرد.. هذا جيد، وهذا من عقل الإنسان أنه إذا شُووِر في أمر وكان له فيه هوىً قال: ما أستطيع أن أتكلم في هذا، يعتذر عنه، طبعًا إذا كان هناك مجال، لكن أحيانًا لا بد أن يكون لك قول، لكن ينتبه الإنسان للهوى في نفسه انتباهًا دقيقًا جدًا جدًا.
العلماء لهم تدقيقات في هذا، في عبارةٍ لابن رجب اقتنصتها في مسألة اتباع الهوى، يمكن أن نقرأها هنا أيضًا في مسألة الاختيارات العلمية والفكرية والمنهجية واختلاف الناس في الفكر الآن، والأطروحات التي يطرحها الناس الأهواء كثيرة في هذا، ولا يسلم إلا من سلمه الله عز وجل وقليل هم، ولا يدَّعي إنسان أنه سالم من الهوى أبدًا؛ لأن هذه نفس الإنسان بين جنبيه كون الإنسان يدَّعي يقول: أنا لا أتبع الهوى.. هذا أجهل الخلق! لكن على الإنسان أن يعرف أنه مبتلى بهذا ابتلاءً شديدًا وأنه ضعيف إلا من يوفقه الله عز وجل، فمن الممكن أن يغلبه الهوى.
فلو عرف الإنسان هذه الأشياء فيكون منتبهًا لها، فيوفقه الله عز وجل ويعينه.
[سؤال من أحد الحضور: يا شيخ، في اتباع النفس للهوى، أحيانًا الشخص ينظر للأشياء في نظرِه أنها مصلحة أو فائدة -خاصة في العمل الجهادي- بينما الأمير ينظر إلى نظرة أخرى حتى لو ما كانت فيها مصلحة ظاهرة؛ فالشخص هذا تحركه هذه الأمور فيذهب إلى ما يراه مناسبًا، والأفضل أنه الذي يعمله هو الخير، مثلا: هو جالس في منطقةٍ ما ليس بها عمل الآن، وهو ينظر إلى منطقة ثانية ليعمل بها.. هذه ظاهرة بها عمل فيريد أن يذهب إلى القتال والخير، بينما جلوسه هنا لو صبر والخير غير ظاهر له كان سينتج أكثر مما سينتجه في المنطقة الثانية، فهو ينظر بهذه النظرة؛ لكن كيف نستطيع تقنع هؤلاء الإخوة بهذا الأمر!]
الشيخ: ما مراتب الخير فيها؟ هنا خير وهنا خير، نحن نبتلى بهذا كثيرًا في عملنا، هذا أخ -مثلًا- وضعناه نحن هنا قلنا له اعمل هنا إداريًا اعمل في المكتب أو في الورشة، فيقول: أنا يا شيخ أريد أن أذهب للجبهة؛ فنقول: لماذا الجبهة؟! هو ذاهب إلى خير؛ فهو ليس ذاهبًا لرذيلة بل إلى فضيلة وخير وعمل صالح، لكن نحن نظرنا وتبيَّن لنا من خلال النظر ومن خلال العلوم النافعة والعلم الشرعي وما يدل علي الشريعة وبالتشاور والدراسة تبيَّن للقيادة أنك أنت المفروض أن تكون هنا؛ لأنك مناسب ومحتاجون لك نحن هنا، محتاج لك الإسلام والمسلمون والجهاد والمجاهدون هنا في الورشة، وأن تصبر لأنه لا يوجد قتال في الورشة، فقط جلوس وصناعة أشياء، ويمكن أن نحتاجك في الإعلام أو المجلة -مثلًا-؛ فنحن نؤسس للمجلة ونحتاج إخوة كُثر في المجلة؛ فكثيرٌ من الناس مؤهلون أن يكونوا في المجلة فيكتبون ويفكرون وينتجون في هذه المجلة؛ فنحن محتاجون له حتى وإن كان عملًا قليلًا؛ كجماعة محتاجة أن يكون عندها مجلة، لماذا؟ لأنها منبر من خلالها نحن ندعو ونحرض ونقول بعض الأفكار، فأنا أريد أن أكتب أفكارًا، أين أكتبها؟! فنحن لا نستطيع أن نظهر كل يوم في الشاشات ونقول أفكارنا، مثل ما قلنا سابقًا أنه يجب أن يكون هناك منابر معينة نستطيع أن نتحدث فيها؛ فالمجلة مهمة.
طيب؛ هناك شخص غير مقتنع ولكن نحاول إقناعه فيأتي ويجلس ويقلق ويقول: أنا جالس هكذا أكتب فقط فأنا أريد جهاد أريد جبهة قتال.. فنقول له: اصبر، ولكن ممكن أيضًا نعطيك فرصتك في الخط نسدد ونقارب مراعاة لحاجتك أن تقاتل وتخوض تجربة جهادية، ومحتاج أيضًا لتربية نفسك للجهاد وكذلك للترويح عن نفسك، لكن هو اختياره لأن يذهب للجبهة ناتج عن محبته وغلبة حب القتال على نفسه فقط، ليس ناظرًا إلى أن الخير هنا، هذا خير وهذا خير لكن خير الخيرين هو أن أكون هنا.
بدليل أن الجماعة أمرَتْني أن أكون هنا واختارت لي الجماعة -العقل الجمعي هو الذي اختار-، وأنا عقلي الوحيد وهو غالب على هوى نفسي وإرادتها جعلني أختار هذا الجانب؛ فالمفروض أن الإنسان يختار الجانب الذي اختارته له الجماعة ويصبر عليه ويعلم أنه هو الخير، لكن لا بأس أنه هو إذا طال الوقت إذن هناك مدة وهناك فرصة أنه هو يطلب ممكن سنة ثم بعدها يذهب للجبهة الموسم القادم من باب تجديد النفس؛ فهذا غالب ما يحصل فيه المشاورة وتتيسر، الأمور ليست صعبة لكن لا يتعنت الإنسان؛ لأنه حتى دخوله للجبهة هو تربية لنفسه، فيه معانٍ تربوية كبيرة؛ لا يكتسبها الإنسان إلا بالممارسة القتالية، وفيه عبادة كبيرة يذوق حلاوتها وطعمها ويمارسها وينال أجرها وفيه ترويح عن نفسه أيضًا؛ حتى لا يقلق في مكان واحد لأن من طبيعة الإنسان يحب التغيير والتبديل والتنويع.
والمفروض أن تخالف نفسك، اللهم إلا إذا رأيت أن الجماعة مخطئة مئة بالمئة وتبين لك خطؤها بعدم خروجك للقتال، لكن هذا في حالات قليلة أن يجزم الإنسان أن الجماعة مخطئة هنا، فحينئذٍ ممكن أن يجادل بقوة ولكن يبقى في النهاية يجب عليه أن يطيع لأن الأمور الاجتهادية تطاع فيها القيادة حتى وإن رأى الإنسان خلافها، فهذه الأمور مبنية على قوة المعرفة وقوة العلم بـ«أين الخير»؟ ولهذا فمن الشعارات التي أعددتها «أين الخير فنفعله» هذا المفروض أن يكون شعارنا في جميع أمور حياتنا.. دُلني على الخير فقط وأنا أفعله.
يقول ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ١٬١٧٠جامع العلوم والحكم (2/ 267).: «ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يُظهر أنه يبغض لله»؛ يظن أنه يبغض لله ويحب في الله وأحيانًا يهجره؛ لأنه يخالف مذهبه فهو ليس لله عند التحقيق، فـيجب أن ينتبه الإنسان لهذا.
«وقد يكون في نفس الأمر -الذي يبغضه في الله- معذورا، وقد لا يكون معذورا، بل يكون متبعا لهواه، مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه» فيحتمل أن يكون الإنسان الذي تقول أنت عنه «أبغضه لله» قد يكون معذورًا في نفس الأمر؛ لأنه لم يعرف الحق واجتهد ولكنه لم يصب لكنه معذور، مريد للخير باحث له بادر في طلبه لكنه لم يوفق له، وقد يكون متبعًا لهواه مقصرًا في البحث عن معرفة الحق.
«فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق» الغالب أن هذا سببه هو موافقة الإنسان لمتبوع له من إمام أو عالم أو شيخ يظن أنه لا يقول إلا الحق، فيعمل بهذا فيصير الحق متماهيًا وكأن الحق هو قول شيخه أو إمامه، وليس كذلك.
«وهذا الظن خطأ قطعا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه، فهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى، والإلف، أو العادة» قد يكون الحامل إلى الميل إلى قول معين هو مجرد الهوى مثلًا: هذا قول قومي ومشايخي ومدرستي ومشايخنا وعلمائنا فالإنسان يحب أن يكون مع قومه ويميل إلى أن يختار ما عليه قومه.
«وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح نفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه، فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم» فهو ينتقد قول كثير من الناس: أنا أبغض فلان في الله، وفي الحقيقة عند التفتيش تجده يبغضه؛ لأنه يخالف مذهبه لا لمجرد أنه خالف الحق وخالف مراد الله ورضى الله عز وجل، بل لأنه خالف ما عليه، هو خالفني لأنني أنا رأيي كذا فأنا أبغضته -مثلًا- أو لأنني أنا تابع لمدرستي ومشايخي وعلمائي وقومي والألفة التي بيني وبين قومي في هذا القول وغيرها والعادة التي نحن معتادين عليها فأنا أبغضه وادعيت أنني أبغضه لأجل الله عز وجل، فهذه الإنسان يحترز منها، وكذلك أيضًا المحبة؛ فقد يقول لك أني أحبك في الله يا أخي وهذا أيضًا يقع كثيرًا، ولهذا لا ينبغي التسرع في أن الإنسان يحبك أو لا يحبك في الله لكن يقولها عن تحقيق، وإن قالها يقولها عن فعل عرف أن صاحبه يستحق أن يحب في الله، والبغض أشد.
«وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا ويكون فيه -هو هذا الإمام- مجتهدًا مأجورًا على اجتهاده فيه موضوعًا عنه خطؤه فيه -مغفور له- ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة» يعني عندنا إمام قال قولًا ربما يكون خطًا في نفس الأمر، أي في الحقيقة هذا القول خطأ لأن هو هذا الإمام العالم مجتهد مغفور له محطوط عنه وزره ولكن هذا ما أدى إليه اجتهاده ليس ملامًا في ذلك وهو معذور بل مأجور لكن المتبع له ويكون المنتصر لمقالته من الناس، من الأتباع، مثلًا: الإمام مالك قال قولًا، يأتي شخص منتصر للإمام مالك والمالكية يبدأ ينتصر لهذا القول، فمالك قال هذا القول اجتهادًا وهو مأجور محطوط عنه وزره، مغفور له ومجتهد لم يصب في هذه المسألة في نفس الأمر فله أجر واحد، لكن المنتصر لمقالته لا يكون بتلك المنزلة؛ لأن كثيرًا من الناس يغلب عليهم الانتصار لمذهبهم، لمذهب إمامهم، لمذهب بلدتهم لما عليه قومهم واختيارهم وهكذا ومشايخهم ومدرستهم.
«ولا يكون المنتصر بمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه -الإمام الذي اتبعه هو- قد قاله؛ بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة العلم والدين لما قَبِله ولا انتصر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده -فخطؤه معذور فيه-، وأما هذا التابع فقد شابَ انتصارُه لما يظن أنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته أنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق؛ فافهم هذا فإنه فهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» اهـ.
فالمقصود: الانتصار للمقالات وللمذاهب وللآراء وللمدارس ولغيرها؛ فالإنسان ينتبه أشد الانتباه والعلماء دائمًا ينبهون على هذا، والعبارات التي عثرنا عليها أبرزناها، وإلا فكلام العلماء في هذا كثير كلام المتقدمين والمتأخرين، ينتصر الإنسان أحيانًا لقول أو لرأي معين أو اختيار معين، لا لكونه هو الحق في الحقيقة، لكن لكون متبوعة إمامه قال به أو جماعته، نحن الآن عندنا الجماعات، هذا اختيارها وتقول بهذا القول، الشيخ أسامة قال كذا والشيخ فلان قال كذا ونحن ومشايخنا..! لا، أنت تنتصر للحق وتكون مع الحق وإذا نصرت قولًا يجب أن تفتش وتسأل: لماذا تنصره؟ لماذا تؤيده؟ لماذا تفضله؟ لماذا تختاره؟ لماذا تمشي عليه؟ فهذا شيء مما يتعلق باتباع الهوى.
إذن: من أسباب الهداية مخالفة الهوى والتحرز من اتباعه؛ فننتبه لهذا الهوى، نكتفي بهذا القدر.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
لقد أتممت قراءة كتاب: * الهداية: أسبابها وموانعها
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا