* التصور والتصديق
فكما قلنا إن مادتنا هذه والكلام الذي نريد أن نتحدث فيه هو يتعلق بالتصورات والتصديقات.
التصور: هو الإدراك المتعلق بالمفردات.
والتصديقات: هو ما يتعلق بالمركبات، بالجملة؛ لأن الجملة فيها تركيب كلمة مع كلمة فيها تركيب، فيه إسناد.
الآن إذا قلت: «حصان»؛ ماذا تصورتَ الآن؟ تصورت «حصان» أليس كذلك؟ سيارة تتصور سيارة، أنت بسماعك للمفرد حصل عندك تصور، أليس كذلك؟
«هِيَلَة»! ماذا تصورت؟ لم تتصور شيئا؛ لأنك لا تعرف ما معنى هذا اللفظ أليس كذلك؟ إذن التصور متعلق بالمفردات، تقول: جدار، سقف، عمود، سبورة، تقول فلان -شخص-، ثم تعين الشخص تقول: فلان الفلاني ابن فلان.
التصور هو هذا؛ كونك أنت تصورت معنى اللفظ وأدركت معناه، وقد يكون أحيانًا متعلق بمفردات بسيطة، وقد يكون فيها بعض التعقيد.
أيضًا يختلف التصور باختلاف مُتَعلَّقِهِ، يعني إذا قلت لك جدار أي شخص يتصور جدار؛ فهذا يتعلق بالذوات، لكن عندما يتعلق بالمعاني، مثلا: إذا قلت لك: الخير، الشر، هذه معاني ليست ذوات محسوسة، لا تُدرك بالحواس الخمس.
فإن الألفاظ تنقسم إلى قسمين:
• لفظ دال على ذات.
• لفظ دال على معنى من المعاني: الخير، الشر، العلم، الصلاح، التقوى، الفوز، النجاح، هذه معاني.
فاللفظ الذي يدل إما على ذات وإما على معنى تتصور به شيئًا ما، تصورك هذا تابع لمعرفتك بدلالات هذا اللفظ، فهذا اللفظ موضوع في لغتنا نحن التي نتخاطب بها -العربية لغتنا المكرمة التي فضلنا الله بها- هذه اللغة وضع فيها هذا اللفظ لمعنى معين للدلالة على ذات معينة أو للدلالة على معنى معين.
فأنت إذا قلت لك: المسخن البخاري -أو سمِّه المدفئة الكهربائية- هذا اللفظ دال على معنى معين أنت تتخيله، هذا هو التصور.
والمطلوب من الإنسان أن يتصور الأشياء على حقيقتها؛ بحيث يتصورها تصورًا صحيحًا سواء كانت ذوات أو معاني.
أما الذوات فليس فيها إشكال؛ لأنها أشياء محسوسة والناس لا تختلف فيها في العادة، إنما الاختلاف الكبير والمشكلة تحصل في تصور المعاني، ولهذا وقع في اللغات كلها وفي خطابات البشر كلها وفي البيان كله على مستوى البشر كلهم وقع التشبيه، وهو تشبيه معنى بشيء محسوس، ووقع ضرب الأمثال، قال عز وجل: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] الأمثال وظيفتها تقريب المعنى إلى الحس؛ فعندما تريد تقريب معنى من المعاني تأتي بصورة حسية تتصورها فتقول: هي مثل كذا، قال عز وجل: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩﴾ [الزمر] هذا مثال من أمثال القرآن، والمقصود من المثال تقريب المعاني إلى الحس؛ لأن الناس لا تختلف في الحسيات ولا يحصل فيها كبير إشكال، وكثير من المعاني لا بد أن يعرفها الناس كالخير والشر والحسن والقبيح والصلاح والفلاح وغيرها.
وهذه المعاني يعرفها الناس باختلاف إدراكاتهم وقوة ملاحظتهم للمعاني وفهمهم لها، لكن الله خاطب الرسل بتقريب هذه المعاني في صور حسية بضرب الأمثال والتشبيهات، فهذه هي التصورات؛ فمطلوب منا إذن أن نتصور الأشياء تصورًا صحيحًا.
التصديق: هو الحكم -وهذا أخصر تعاريفه-، أو هو قضيةٌ ما يُحكم عليها بصدق أو بكذب، أو هو معرفة النسبة أو إثباتها، هذا تعريفه في المنطق والاصطلاح: «إثبات النسبة».
والنسبة: هي نسبة شيء إلى شيء، فعندما تقول: هذا البيت جميل، هذه جملة اسمية كاملة: مبتدأ وخبر -وهذا أبسط تركيب للجملة الاسمية-، هذه الجملة فيها إسناد لأن الخبر هو حكم على المبتدأ، هذا هو الإسناد، وكذلك الجملة الفعلية فهي إسناد الفعل للفاعل مثل: فاز زيد، فأنت نسبت الفوز لزيد، في الاصطلاح يسمونه الإسناد.
الجملة هي ألفاظ مركبة فيها إسناد، هذا الإسناد كونك أنت تثبته هي القضية فهذا هو التصديق، كونك حكمت على البيت أنه جميل، إذن هذا حكمٌ عليه وهذا تصديق، فحصل عندك إدراك لهذه النسبة وهذه الإضافة، هذا هو التصديق، أنت تصدق وتحكم وتثبت شيئا في نفسك أو تدعي إثباته، بعد هذا سيأتينا الادعاء.
إذن هذا هو التصديق: الحكم على الأشياء.
الإنسان خلقة الله عز وجل لا يعرف شيئًا، قال ﷻ: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ [النحل: 87] لكن الله عز وجل ركب فيه أدوات لو استعملها كما أمره الله وهيئه وخلق فيه الاستعداد لاستعمالها، والفطرة التي هي الميل المجبول فيه إلى استعمالها؛ ليصل إلى الهداية، ومعرفة الخير فيفعله، ومعرفة الشر فيجتنبه، معرفة النافع فيأخذه ويعمل به ويكون بجانبه، ومعرفة الضار فيجتنبه ويبتعد عنه، قال عز وجل: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨﴾ [النحل].
إذن، الإنسان يخرج جاهلًا لا يعرف شيئا، بسيط، لكن الله خلق له أدوات، أعطاه السمع والبصر -وهذا لعله من باب الاكتفاء- وأعطاه الشم واللمس، وأعطاه أكثر من ذلك: الأفئدة التي هي القوة المدركة التي هي القلب، والحق أن العقل في القلب وهذا مذهب أهل السنة والجماعة كما دلت عليه ظواهر القرآن والسنة؛ لأن الله عز وجل ينسب دائمًا الهدى والصلاح، وحتى ضده، الفساد وغيرها ينسبها إلى القلوب، جرى القرآن على هذا في مواضع كثيرة، وأحيانًا إلى الصدور باعتبار القلب في الصدر.
إذن الفؤاد: هو القلب، وهو القوة العاقلة هو القوة المدركة.
البصر: هو آلة تنظر ثم تذهب إلى العقل وهو يتصور الأشياء المحفوظة عنده، فهذا اسمه كذا يفيد في كذا والمقصود منه كذا.. إلى آخره.
القلب أيضًا يعرف النِّسب بين الأشياء، هذا نافع وهذا ضار؛ يبدأ يحكم القلب.
إذن؛ الإنسان بهذه الأدوات يذهب في طريق معرفة الخير والشر والضار والنافع والحسن والقبيح وهكذا، فيخرج الإنسان إلى الدنيا أول ما يخرج إليها وهو لا يعرف شيئًا، يتفتح بصره وآلات الإدراك؛ يرى أشياء ويسمع أشياء وهكذا خلق الله فيه أشياء إضافية منها قوة التقليد بالنسبة للطفل الصغير، يبدأ يقلد في البداية ليعرف شيئًا، والتقليد ليس عيبًا فيه، لا هو يعيب نفسه ولا غيره يعيبه؛ لأنه قوة بالنسبة للطفل، يجب أن يقلد حتى يمشي ويسير مع الناس، وعندما يكبر تصير لديه اختيارات، الحالة الأولى يسميها العلماء «الحالة الطَّبْعية أو النفسية» ويسمونها «حجاب النفس» أو «حجاب الطبع» فهو يمشي على طبع الناس، على ما وجد عليه الناس وعلى ما خلقه الله، أيضًا جزء من قوته التي يتحرك بها قوة الفطرة والغريزة والقوة التي أودعها الله عز وجل فيه كإنسان من البداية، لكن عندما يكبر يصل إلى حد معين يصبح عنده تأمل واختيارات، ويبدأ يتفتح على معرفة الأشياء التي فيها متضادات؛ يوجد خير ويوجد شر ويوجد فروق بين الأشياء، هذا قال خيرًا هذا قال شرًا وأيهما أحسن، هذا رجل يعطي وهذا رجل بخيل لا يعطي، يبدأ في معرفة البخل والعطاء والكرم والجود والأخلاق ويقارن بينهم، مثلًا كيف هذا الرجل قاسٍ وعنيف يضرب الفقير وينهر المسكين، وهذا يحن عليهم ويودهم ويعطف عليهم؛ فيقارن بين نماذج يراها.
لكن على كل حال هو بدأ يميز ويختار لكن باقي عنده حجاب آخر يسميه العلماء «حجاب الرسم» معناه أنه هو يجري على رسوم قومه، رسوم معينة، ومواضعات اتضع عليها الناس، فهو يمشي عليها في البداية، مثلًا: جاء وجد قومه يحبون الشرف والفخامة والرجولة والشجاعة يمشي ويفاخرهم، يحبون الفصاحة في الكلام والشعر إذا شهر فيه الشعر والأدب يمشي ويحاول يكون مثلهم ويتفوق عليهم، وإذا كان قومه من أهل الخيل يحبون الخيل وركوبه يمشي على ما وجد عليه قومه، هذه رسوم معينة هو يمشي عليها فترة ما، عادة الإنسان أن يمشي على هذا؛ لكن بحسب قوه الإنسان وما يعطيه الله عز وجل من الهداية يبدأ يتفكر ويتأمل ويقول مثلًا: أنا أصرف عمري في الخيل وتتبعها والتمييز بين أصواتها وصهيلها وألوانها ومن أبوها وأمها وجدها، أنا لدي أولويات أخرى أو اهتمامات أخرى، أنا عمري محدود.. فيبدأ يتفكر ويتأمل في حاله وفي نفسه.
سيسمع طبعًا أن هناك أنبياء أرسلوا وهناك رسل جاءت من الله عز وجل يدعون إلى كذا وكذا، وأن هناك مصلحين وأن هناك أئمة وأن هناك قادات وأن هناك رجال برزوا في التاريخ، وأن هناك الشر وأن هناك أمم تعاركت وتطاحنت، فتتسع مداركه ويخرج قليلًا عن «حجاب الرسم»، فمثلًا إذا رأى الخير واضحًا في جانبٍ ما فيمكن أن يكسر الصور والرسوم العالقة في ذهنه كلها ويثور عليها ويتمرد عليها.
ولكي يكسر هذه الرسوم والصور العالقة في ذهنه والعادات والتقاليد التي كان عليها أجداده وقومه والمواضعات الاجتماعية التي عليها قومه -إن كانت ينبغي تكسيرها مثلًا سواء إما من حيث الأصل أو على الأقل بالنسبة له هو في وقت ما وفي زمن ما-، نفرض أن قومه جارُون -أي معتادون- على شيء مباح لكنه نظر فوجد أن هذا المباح ليس وقته الآن، ضياع وتلبيس من الشيطان بإيقاعنا في المفضولات وإغنائنا وإلهائنا عن الفاضل؛ فتفطن لهذا بعد أن هداه الله لهذا فيكسره ويدوس عليه.. لكي يصل للفاضل، ولكي يفعل ذلك يحتاج إلى قوة، وهذه القوة ليس لها حل إلا بتوفيق الله ﷻ، قوة العزيمة وقوة الإرادة وقوة أن يدوس على كل المواضعات والرسوم كلها وهو لا يبالي بها وإن خالفته الدنيا كلها.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تَتْرُكْهُ شَبَّ عَلَى | حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ١٬١٦٠قاله: البوصيري صاحب البردة، كما في: البردة (ص 3، بيت رقم 19).ج |
وكثير من كلام العلماء والأدباء والشعراء شبهوا النفس بالطفل، وأيضًا من التشبيهات الأخرى أن يشبهوا نفسك بإنسان آخر معك، فنفسك التي بين جنبيك اعتبرها إنسانًا آخر معك تربي فيه، وهذا الإنسان كالطفل فأيضًا لا تضغط عليها كثيرًا؛ لكي لا تنفجر وتصل إلى قضية الكذب ونحو ذلك؛ بل سايسها يعني ساعة وساعة كما جاء في الحديث١٬١٦١يعني بذلك قوله ﷺ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَة) رواه مسلم (2750).، أي الترويح عن النفس ونحو ذلك، والمقصود من ذلك مسايسة النفس؛ فهذا الأمر مهم في التربية.
نعود إلى تقوية العزائم وتقوية الإرادة؛ تقوية الإرادة يقصد بها أن الإنسان يجب أن يحاول البحث عن الأسباب التي تقوي الإرادة في نفسه، وإن كان عنده أيضًا تعلق بالنظر والاجتماع فعليه أن ينظر كيف يقوي الإرادة في مجتمعنا؟ فنحن كجماعة صغيرة وكأمّة، كيف نقوي الإرادة في الأمّة؟ فلا بد من النظر في هذا، وهناك عدة أسباب لكن غالبها يعتمد على التدرج في التوقي في العزائم والإرادات، وضرب الأمثلة والاقتداء بأصحاب الهمم العالية وأصحاب الإرادات القوية وقوة الاختيار ووضوحه والتصميم؛ فنُعوّد أنفسنا أن نصمم على الأشياء وقبل ذلك يجب أن نتأكد أنها خير وصلاح وأنها حق وهدى ثم نصمم عليها ونفعلها.
مثلًا: العرب من ميزاتهم قوة الإرادة -أي جنس العرب الذي بعث فيهم محمد ﷺ- حتى العلماء عندما تكلموا في بعثة محمد ﷺ قالوا: ما الحكمة أو ما الذي يمكن استظهاره من الحكم في هذه البعثة النبوية في هؤلاء القوم؟ وإلا كان هناك أقوام أخرى عندهم ثقافات وعندهم حضارات وعندهم مدنيات أكبر بكثير من العرب التي لا تساوي شيئا، وكان أولئك يضحكوا على العرب بأنهم الهمج الرعاع الجهال الذين لا يعرفون شيئًا، وكانت الروم وفارس والهند والسند والصين واليونان والإغريق وغيرهم كلهم سابقون للعرب، لكن الله عز وجل اختار العرب وبعث فيهم النبي الأمّي الخاتم أفضل خلق الله وخيرهم وسيدهم، وجعل فيهم الرسالة الخاتمة وبلسانهم؛ فإذًا هناك ميزات معينة، وحكم معينة كذلك.
العلماء استظهروا مجموعة من الحكم لذلك، منها: ما تميز به العرب من صفات كانت فيهم؛ وصلت أكمل ما يكون بالنسبة لغيرهم من الأقوام وغيرهم من الأمم، مثل صفات الصدق، الشجاعة، الكرم، والتفاخر بكمالات الفضائل الإنسانية؛ كان يبلغ عندهم مستوى أقوى من الأمم، فالأمم كلها تمدح الصدق وتذم الكذب ولكن ما كان الصدق فيهم مثله في العرب، فكانوا أهل صدق لا يكذبون، فالعرب لم تكن تكذب لأن الكذب شيء مذموم جدًا وخسيس، وبالطبع فالكذب موجود في الناس، ولكن المقصود أن قوة الصدق منتشر فيهم والتفاخر بالصدق والميل عن الكذب والتجافي عنه، ومشهور فيهم الجود والكرم والشجاعة وقوة الإرادة والعزيمة؛ فكانوا أهل عزائم لدرجة أن الشخص ممكن أن يموت وتفنى أسرته وقبيلته على شيء تافه وبسيط، وأنتم تعرفون حروب العرب كحرب «البسوس» وحرب «داحس والغبراء» والحروب هذه وغيرها -يسمونها أيام العرب- معظمها كانت لأسباب تافهة، هي في الحقيقة مظهر من مظاهر وليس الأصل، مظهر من مظاهر الصفات التي منها قوة الإرادة، لكن لعل من الحكم فيها تُربي هذه الأمة على قوة الإرادة، فالعرب كان فيهم هذا.
فجاء الإسلام فيهم وجاءت الرسالة فيهم وجاء النبي ﷺ فيهم لتقوية هذه المعاني الفاضلة كما في الحديث: (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)١٬١٦٢موطأ مالك (1885) بلاغا، الأدب المفرد (273)، مسند أحمد (8952) بلفظ: (صالح الأخلاق)، وصححه الأرنؤوط، وصححه الألباني في الصحيحة (45).؛ مكارم الأخلاق التي كانت توجد فيهم أكثر من غيرهم من الأمم.
فالنبي ﷺ كمل ما كان فيها من خير وهو كثير، وتممه وزاده وقواه وحث عليه ومدحه، وما كان من شر أبطله بحسبه إن كان كليًا أو جزئيًا، فهناك أشياء تحتاج إلى تهذيب؛ كخلق الشجاعة -مثلًا- هذبها وجعلها منضبطة، وأيضًا خلق الرحمة واللين والشدة والعنف وكيفية التوازن بينهما، جاءت الشريعة بتهذيب هذه الأخلاق وتكميلها وتتميمها؛ فكانت شريعة الإسلام محتوية على أكمل الأخلاق التي يمكن أن يتصورها الإنسان مهما حاول ودرس كان عقله قويًا وفيلسوفًا، والفلاسفة بعلومهم كلها من الأولين والآخرين إلى جانب هذا لا يساوون شيئًا بل يلعبون، وما عندهم من خير فهو قطرة في بحر، بالإضافة إلى ما عندهم من الشرور والمفاسد والمعارف الفاسدة والخبالات.
فالمقصود: تقوية الإرادة له أسبابه في الفرد وفي المجتمع، ومن المفترض أن نأخذ بأسبابه في أنفسنا وفيما حولنا وما تحت أيدينا وهكذا، وأن يمشي المرء على سنن التدرج، ولكن كما قلنا: لو أن الإنسان الآن في نفسه أو طفل معه ونحو ذلك من أسبابها المهمة دائمًا: أن تجعل عزيمتك قوية، لو تبين لك الحق والخير يجب أن تفعله.
الآن في الثقافة المعاصرة غير الإسلامية يقولون: «الصفة الثورية أو الرجل الثوري»؛ فيتكلمون عن صفة الثورية في الرجال، فالناس التي تغير الأمم والشعوب وتحطم دولا وتبني دولًا.. يقولون بأنهم يجب أن يكونوا ناسًا ثوريين.
الرجل الثوري: هو الذي لا يكون أسيرًا للعادات والتقاليد والإلف، مثل الخوف من كلام الناس، مثال ذلك: عندما يستقيم الرجل في مجتمعاتنا أول شيء يفكر فيه: ماذا سيقول عني الناس؟ ووالده سيقول له: أنت ماذا فعلت لنا؟ ماذا سيقول عنا الناس؟؛ فهذه المشكلة من أكبر الحجب والحواجز التي تحجب الإنسان عن الترقي لمراتب الكمال.
أما الإنسان الثوري الذي يثور على الإلف والعادة وهذه المواضعات التي سماها العلماء «الرسوم» أو «حجاب الرسم»؛ لكن لا يكون ذلك مطلقًا وبدون قيد، بل بقيد الشرع وبقيد أن تكون هذه الثورة وهذا التمرد وهذا التكسير لهذه الرسوم تبين بدلالة ديننا أنه خيرٌ وهدى.
فالإنسان عندما يعطيه الله عز وجل قوة الإرادة يكسر هذه الرسوم والحجب والإلف والعادة إذا كان يجب تكسيرها، أو يتخطاها ويتخلى عنها ويبحث عن الكمالات، والخير والهدى ويبحث عن الأفضل، وهنا يأتي شيء اسمه «الهداية».
لقد أتممت قراءة كتاب: * التصور والتصديق
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا