الدرس الرابـع
۞
المقصود من هذه الدروس: تصحيح بعض المفاهيم والتركيز في فهم هذه الألفاظ وهذه الألقاب الشريفة والكلمات الكبيرة الشرعية؛ التركيز على فهم معانٍ معينة لمواجهة أعدائنا وفي معرفة ما يدور حولنا من أفكار ومناهج والحكم عليها.. وقد تحدثنا سابقًا عن معاني الدين ومعاني الابتلاء والفتنة والمحنة.
ومن المقدمات الضرورية التي أذكر بها أن الكلام الذي نقوله على درجات؛ فالكلام ليس له طبقة واحدة أو درجة واحدة، منه كلام نقول فيه: هذا حكم الله عز وجل؛ كلام مقطوع به في الشريعة أو دلَّ عليه النص الواضح أو إجماع أو ما في حكمه من حيث قوة الدلالة، ومن كلامنا أشياء هي محل اجتهاد ومحل نظر؛ فنحن نختار فيها ونرجح ونناقش ونجادل ونحاول أن نوضح الذي نعتقده، وفي النهاية نقول: الله أعلم؛ فهي مسائل مختلفة، فانتبهوا لهذا، وأي شيء يحتاج إلى نقاش أو شيء دائمًا نناقشه.
تكلمنا عن الدين وكنت أريد أن أتكلم عن علاقة الدين بالدنيا والآخرة، فإنا لما ذكرنا أن الدين ليس برنامجًا سياسيًا ولا برنامجًا لحياة سعيدة كما يتصورها الناس: حياة رغدة، منعمة مترفة وراحة واطمئنان، وليس هو برنامجًا سياسيًّا مثلًا: يأتي حزب يأخذ الدين ويوظفه ثم يقولون: استغلال الدين لأغراض سياسية أو شيء! لا، الدين هو دين الله عز وجل، هو التكاليف والأوامر والنواهي التي نعبد الله عز وجل بها، وعلى أساسها نعبد الله ونتدين، هذا هو أساس الدين.
لكن الدين في أساسه وفي داخله وجملته تنتظم سعادة الإنسان الدنيوية؛ كما تنتظم سعادة الإنسان الأخروية، والغرض الأساس والمقصود الأول هو سعادة الإنسان الأخروية: أن ينجح الإنسان بين يدي الله عز وجل، وأن يخرج من هذا الامتحان -امتحان الدنيا- ومن دار الممر، ودار الزوال، ودار الفناء؛ يخرج منها ناجحًا يقول: ﴿هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠﴾ [الحاقة] أو يكون حتى أعلى من هؤلاء جدًا الذين يمشون بغير حساب ولا عذاب، أو يكون من الشهداء، المهم أن يكون الإنسان ناجحًا، هذا هو المقصود الأساس؛ لأن الله عز وجل خلقنا وأوجدنا في هذه الدنيا؛ ليختبرنا ويبتلينا، ابتلانا بالعبادة: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨﴾ [الذاريات] خلقنا لعبادته، وامتحننا بهذه العبادة، أنزل لنا الكتب وأرسل لنا الرسل؛ بيّن لنا كيف نعبده، عرّفنا بنفسه عز وجل، ثم انقسم الناس إلى مؤمن وكافر، تقاتلوا وتناحروا وتشاجروا.. أفلح من أفلح، وخسر من خسر، والإنسان العاقل الذي آتاه الله هداه فآمن بالله واتبع رسله، وفاز بالمقصود الأساسي: أن يُنجِّح نفسه بين يدي الله.
ولهذا أهم الشعارات التي سنكتبها هنا -إن شاء الله-، أن يكون شعار الإنسان المؤمن دائمًا هو «نفسي نفسي» يعني أنا أنجي نفسي بين يدي الله أولًا، وأن أكون رابحًا أولًا.
نحن ندعوا إلى الله ونجاهد في سبيل الله وهنا حرب ومعارك شرسة، وشهداء ودماء وأشلاء، ثم في النهاية.. لنفترض أننا أقمنا دولة الإسلام ثم دخلنا النار، ما الفائدة؟! هل استفدنا شيئًا؟!
(إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خَلاق لهم)١٬٢٠٢صحيح البخاري (3062، 4203، 6606)، صحيح مسلم (111). يعني لا نصيب لهم؛ فالخلاق هو النصيب، لا نصيب لهم فيما فعلوا وفيما تحقق وفيما أُنجز، نسأل الله العفو والعافية والسلامة.
ولهذا هناك عبارات تتكرر على الساحة؛ يأتيك أخ يقول: أنا أخدم دين الله.. نقول له: اخدم رُوحك ونفسك أولًا؛ لا أن تخدم دين الله، دين الله غني عنا جميعًا، حتى العبارة هذه وإن كان لها معنى حسن تحمل عليه، ولكن نخشى أنها صارت تعبيرًا عن مفهوم سيء؛ فلهذا لا بد من التنبه لها.
فالمقصود: أننا لم نخدم دين الله، نحن نخدم أرواحنا، نخدم أنفسنا، والمطلوب أن أخدم نفسي، وأنجيها بين يدي الله عز وجل، أنا أعبد الله ﷻ، أنا عبد لله، جندي من جنود الله، أعمل ما يرضي الله عز وجل، ما هي مصلحتي؟ على ماذا أبحث؟ أن أفوز، وأكون من الفائزين المفلحين الرابحين الناجحين المرضيين عند الله عز وجل، هذا هو الأساس، ما خالفه وشذ عنه تحت رجلي ولا أنظر إليه، إنما هذا يدخل فيه أنني أعمل لإقامة دولة الإسلام، وأدعو الناس إلى دين الله، وأحرص على هداية الناس.
لماذا نحرص على هداية الناس؟
أولًا: أول شيء هو أنا، أنا نفسي، أمرٌ أنا مكلف به، عبادة لله عز وجل أؤديها، أوجبها الله علي بمقتضى أنه علمني شيئًا من العلم، علمني القرآن، وعلمني الفقه والعلم الشرعي والحكمة؛ فأنا أقضي بها بين الناس وأعلمها الناس وأدعو الناس إلى دين الله عز وجل، أعبّدهم لله، وأدلهم على طريق الله وأرشدهم، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر؛ فهذه أوامر إلهية أنا أطبقها.
أطبقها لماذا؟ لا لأنجح أنا سياسيًا وعندي برنامج سياسي، بل أطبقها لأنها عبادة لله عز وجل، أنا أقوم بها أولًا، لكن -كما قلنا- في ضمنها السعادة، فهذه عبادات أنا أؤديها مقصدي الأساسي الأول والمقصد الكلي والمقصد العظيم هو أني أنا أنجح، وأفوز برضوان الله عز وجل، وأؤدي ما علي فيرضى عني الله عز وجل وأنقلب إلى ربي مسرورًا محبورًا، هذا هو مقصدي.
هذا المقصد لا شك أنه ينتظم -يعني يأخذه الإنسان في طريقه وهو ماشي- ينتظم سعادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، سعادة الاجتماع البشري، الغلبة على الكفار وأن نعيش أحرارًا، هذه كلها معانٍ قصدها الشارع، وحثَّ على تحصيلها وجعلها من الخير الذي يُسعى له، لكن الإنسان يضيع المقصد الأساسي ويلهى بهذه التفاصيل؛ هذا مغبون، مخدوع، مثل هذا الذي ضربه لنا النبي ﷺ مثلًا: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوامٍ لا خلاق لهم) هذا الحديث والله يخلع القلب، تصور أنك تقيم دين الله عز وجل ودولة الإسلام وتهزم الكفار ثم تجد نفسك معهم في النار! ما الفائدة؟! المقصد الأساسي هو نحن «نفسي نفسي».. هذه الكلمة فلتكن شعارًا لنا.
فقلنا: تريد تخدم دين الله؟ تعرَّف كيف تخدم دين الله، يوجد علم شرعي، ومعارف، ووسائل لمعرفة الخير والهدى؛ دعونا نعرف الخير فنفعله، هذا أول شيء، لما يأتي لك إنسان يقول أنا أريد أن أخدم دين الله وسأذهب للمكان الفلاني! لا، ليست هناك خدمة لدين الله، تريد تخدم دين الله حقًا وأنت صادق فيه فتعرف كيف يُخدم دين الله؟، ثم ما المقصود من خدمة الله؟ أولًا نفسك أنت، رضوان الله عز وجل عليك، هذا أول مقصود يجب أن تحصله.
فمثل هذه الأحاديث (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم) المفروض دائمًا أن تكون نصب أعيننا لا ننساها ولا نغفل عنها؛ مقاصد الإنسان ومقاصد الشريعة، ولماذا الله عز وجل خلقنا؟ خلقنا لنعبده ولننجح ونفوز، نحن في امتحان في هذه الدنيا، كلنا في امتحان وفي اختبار.
وهذا الامتحان والاختبار يحتوي على جزئيات من الأسئلة والتفاصيل، وفروع متكاثرة جدًا.. فعلى الإنسان أن ينجح فيها؛ كما ينجح في معركته مع عدوه، أول شيء معركته الداخلية هو نفسه، وهو جهاد النفس، جهاد الهوى، جهاد الدنيا، جهاد الشيطان.. هذه الأشياء التي هي العوائق والعلائق والحجب عليه أن ينتصر عليها؛ يستعين بالله عز وجل؛ لأن الإنسان ضعيف لا يساوي شيئًا ولا يقدر أن يعمل أي شيء إلا أن يقدره الله، وإلا أن يوفقه الله، وإلا أن يعينه الله عز وجل، واستحضار معنى العبودية في كل تصرفاتنا وكل أفعالنا باستمرار، نحن عبيد الله ونحن جنود الله، نسأل الله أن يقبلنا في جنده وألا يطردنا.
المقصود: أن هذا الدين ينتظم هذه السعادات الدنيوية؛ أحيانًا تمر علينا مسائل في عملنا السياسي وفي عملنا الجهادي والدعوي؛ مثلًا: أن الناس لا بد أن تخاطبهم أحيانًا بشيء مما يحصلون به أو يشعرون أنهم يحصلون به ويكسبون به سعادتهم الدنيوية؛ لأن الناس نظرهم قاصر -عوام الناس، ومعظم الخلق، وجمهور الناس- يعني ليس كل الناس تتعلق بالآخرة فقط ولا تنظر إلى الدنيا ويستطيع أن يأكل ماء وتمرًا وفقط، الناس تحتاج رفاهية.
ولكن بالأساس وفي مراحل معينة يكون التركيز على الدين وعلى الآخرة والوعد بالجنة فقط؛ كما كان النبي ﷺ في أول مراحل الدعوة لما كان يعرض نفسه على قبائل العرب ويقول: (من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربي)؛ فيسأله بعض الناس: فماذا لنا إن نحن أويناك ونصرناك؟ يقول: (لكم الجنة)١٬٢٠٣مسند أحمد (14456) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم..
وأتى بنو عامر وقالوا: نشترط عليك أن تجعل لنا الأمر من بعدك، قال: (لا، الأمر لله يؤتيه من يشاء)١٬٢٠٤تاريخ الطبري (2/ 350)، البداية والنهاية (4/ 347)..
وفي مراحل معينة أنت أيها الداعية، وأنت أيها المجاهد، وأنت أيها القائد للناس.. ليس من المستحسن وليس من الجيد -بل قد يكون من السـيئ جدًا- أن تعد الناس بوعود دنيوية في مراحل معينة؛ فهذا يختلف بحسب المرحلة ومتطلباتها، لكن أحيانًا يكون الناس -لا سيما إذا كان الناس بالجملة مسلمين، محكوم عليهم بالإسلام- ونحن نريد أن نحرضهم على أن يلتزموا بالدين فلا بأس أن ندخل في دعوتنا بيان محاسن الدين، هذه يتكلم عنها العلماء يقولون: «محاسن الشريعة، محاسن الإسلام، محاسن الدين الإسلامي»
من محاسنه أنه سعادة الإنسان فيه نفسه، وسعادة الإنسان في الحياة الأسرية إذا التزمت بالإسلام الله عز وجل ينزل عليكم البركات: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١ وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢﴾ [نوح] هذا في الدنيا؛ المقصود هنا في الدنيا، والله أعلم.
فلا بأس أن يوعَد الناس أحيانًا، ويكون هذا من تكميل البيان ومن تكميل المقاصد، لكن المقصد الأساسي دائمًا الذي لا بد أن يكون حاضرًا هو توحيد الله عز وجل؛ أننا نحن عبيد لله عز وجل، ندعوكم إلى عبادة الله حتى تفوزوا وتفلحوا وتكونوا من الناجحين الرابحين المفلحين الفائزين الذين يرضى الله عز وجل عنهم ويدخلهم جنات النعيم، هذا هو الأساس، وأن هذه الدار هي دار امتحان وابتلاء وفتنة واختبار؛ أنتم في دار ممر تمرون فيها وتختبرون، ثم ينتهي الامتحان في نقطة معينة وهي نقطة الموت فيفترق الناس: ﴿فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ ٧﴾ [الشورى].
فيجب أن تحرص بكل قوة على هذا؛ فهو رأس مالك ووجودك، وهذا كل شيء بالنسبة لك أنت؛ يجب أن تحرص أن تكون من الفائزين، هذا المعنى دائمًا يجب أن يكون حاضرًا في خطابنا وفي دعوتنا.
لكن أحيانًا من بعض التكميلات -وجاءت الشريعة بهذا؛ مثل هذه الآيات التي قلناها وغيرها- لا بد أحيانًا يقول له الناس: الدين الدين الدين، والدنيا.. فلازم الدين، ودنيا تدخلها للناس، وهذا لعله من لطف الله عز وجل؛ لأن البشر لا تتحمله، والإنسان بفطرته وغريزته مولعٌ بالعاجل، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠ وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١﴾ [القيامة]؛ فالإنسان مُولع بالعاجلة أي أنه يريد الحاجة القريبة، يقولون: «عصفور في اليد ولا عشرة في الشجرة».
وبعض الناس يطبقها، هكذا بعض الزنادقة -سمعت بعض الزنادقة طبقها على الدنيا والآخرة- يقول: عصفور في اليد يعني هذه الدنيا؛ أنا متمكن منها الآن، ولا عشرة في الشجرة يقصد الآخرة، بعض الزنادقة هكذا طبقها، فهذا من الفتنة له.
وهذا من الخطأ الذي يقع في التشبيهات؛ الخطأ في التشبيهات من أكثر الأخطاء التي تقع في الجدل، يأتي لك بمثال يحاول أن يقنعك به في حين أن المثال هذا غير منطبق على الشيء الذي يريد أن يطبقه عليه، يعني الدلالة لا تطابق المدلول، الدعوة أعم وأكبر من المدعى؛ فيقع في هذا الخطأ كثير جدًا من الناس، فتجد حتى في أهل العلم، وفي الدعاة، وفي الناس، وفي الخطباء، وفي القُصّاص.. في الناس التي تقنع الآخرين وتستعمل أدلة خطابية وكلام يأتون بتشبيهات معينة، مثلًا: تتناظر مع واحد في طرائق التغيير الآن أو الجهاد والدعوة والسلفية فيأتي لك بتشبيهات؛ فالتشبيهات هذه يقع فيها الخطأ كثيرًا، يقع فيها الخطأ في وجه الشَّبه مثلًا، العلماء حتى في علم البلاغة وعلم الجدل نبهوا على هذا؛ ويمكن أن نمر عليه -إن شاء الله- إن أسعفنا الوقت.
لكن المقصود المهم أن الدين أساسه هو هذا الذي شرحناه: عبادة الله عز وجل، والاختبار، وأنه يجب أن نكون ناجحين في الاختبار، ونذهب هناك نحن ناجحون رابحون مفلحون، لكن هو ينتظم -عبارة ينتظم هذه عبارة يستعملها العلماء- ينتظم مجموعة من الخيرات الدنيوية، والمنافع الدنيوية، منها:
- أن نعيش سعداء.
- وأن نغلب الأعداء.
- وأن نعيش أحرارًا ونكون في عزة وكرامة.
- ونبني دولتنا.
هذه كلها معانٍ صحيحة ومرادة لله، لكن نقول: هي مرادة وليست هي الأساس؛ ليست بالقصد الأول كما يقولون، إنما هذا القصد الثاني يعني مرتبة ثانوية.
إذن؛ الدنيا والآخرة صارت في نظرتنا شيء واحد، ربعي بن عامر h قال: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا -التي أنتم يا كفار يا جهلة حاصرين أنفسكم فيها، واستفرغتكم هذه الدنيا واستغرقتكم وتفرغتم لها ولا تعرفون غيرها ﴿بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦﴾ [النمل]، ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧﴾ [الروم] الدنيا هي التي أخذتكم، وهي ضيقة في النهاية؛ لا تساوي شيئًا- نحن ابتعثنا الله كي نخرجكم -إذا آمنتم واستجبتم لنا واتبعتمونا- من ضيق الدنيا هذه إلى سعة الدنيا والآخرة١٬٢٠٥تاريخ ابن كثير (9 / 621، 622) وقال: «رواها سيف عن شيوخه» وسيف هو ابن عمر التميمي صاحب كتاب «الردة والفتوح» وهو متروك الحديث؛ اتهمه جماعة بالوضع، لكن قد يُستأنس بمثل هذا الحديث خاصةً مع وجود شواهد على حوادث مثله، مع الأخذ بالاعتبار أن العلماء يتسامحون في نقل الروايات التاريخية والاستفادة منها، وهو الراجح؛ في تفصيل ليس هذا محله..
فالمؤمن ينظر إلى الدنيا والآخرة كلها شيئًا واحد؛ هكذا ابتداءً، هذه دار ممر وأنا أمشي للآخرة، علي أن أنجح هنا، وهذه مزرعتي للآخرة؛ فالذي أزرعه هنا أحصده هناك.
ولهذا سيدنا إبراهيم قال لمحمد ﷺ في الإسراء: (يا محمد أقرئ أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)١٬٢٠٦سنن الترمذي (3462) وحسنه الألباني. فالمقصود ذكر الله عز وجل وخاصة هذه الأذكار، هذه غراس الجنة، والمقصود بهذا الترغيب وحث على ذكر الله عز وجل ولا سيما بهذه الأذكار الشريفة والألفاظ التي شرعها الله عز وجل واختارها لنا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
(لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)١٬٢٠٧صحيح البخاري (4205)، صحيح مسلم (2704). كما جاء في الحديث، وهكذا؛ فأنت تغرس هنا.. وتحصد هناك، وتجني هناك في الجنة.
وهكذا (من بنى لله مسجدًا بنى الله له قصرًا في الجنة)١٬٢٠٨هو بهذا اللفظ في: جزء ما انتقى فيه ابن مردويه على الطبراني (158) وأصل الحديث في الصحيحين وغيرهما. ومن فعل كذا أعطاه الله في الجنة، هذه الأعمال الصالحة تعملها أنت هنا وتجنيها هناك؛ فصار في نظر المؤمن وفي تصوره أن الدنيا والآخرة شيء واحد، متصلتان، وصار نظره متسعًا، وأُفُقه واسعًا جدًا جدًا.
أما الكافر فهو في ضيق الدنيا؛ لأنه لا ينظر إلى الآخرة، حتى وإن قال الكفار مثل اليهود والنصارى؛ أنهم يؤمنون بالآخرة في آخرة وفي جنة، و«ديانا» دخلت الجنة و«ماما تريزا» هذه في الجنة، هؤلاء أكابر أهل الجنة عندهم! لكن ما عندهم علم بهذا أو حتى ظن غالب، مجرد أوهام مقتبسة من آثار النبوات السابقة التي هم منتسبون إليها، نبوات الأنبياء التي ينتسبون إليها، موسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، وأنبياء بني إسرائيل عمومًا داوود وسليمان وغيرهم من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ لا شك أن جميع الأنبياء جاؤوا بإثبات هذه الأصول كلها، الحشر والنشور والجنة والنار، جاؤوا به واتفقوا عليه جميعًا ودعوة الناس إلى اتباع السبيل الموصل إلى الجنة والنجاة من النار.
فهذه من آثار هذه النبوات التي لا تزال عندهم وما زالت في كتبهم مكتوبة وهم يؤمنون بها، يظنون أنه توجد جنة، لكن هل يوجد يقين بذلك؟ هل إيمانهم حقيقي يجعلهم يعملون لهذه الجنة وللنجاة من النار؟ ويتحرقون ويخافون ويبكون؟ لا يوجد أصلًا بل هذا منعدم عندهم؛ لأنهم في الحقيقة كافرون بهذه الرسالات، وليسوا معظمين لله عز وجل ولا لأمره ونهيه، ولا متبعين منقادين عابدين خاضعين خاشعين، ليسوا كذلك، وليس هناك يقين ولا حتى غلبة الظن، إنما باقي آثار عندهم: نؤمن بالله، ونحن نكون في الجنة، وبوش يقول لك: أنا في الجنة، وشارون يقول لك: أنا في الجنة، كلهم يقولون هكذا!!
هذا الذي عبر الله عز وجل عنها في القرآن بالأماني: ﴿تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ﴾ [البقرة: ١١١] ألم يقولوا: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١﴾ [البقرة] أحضروا، أروني، هل عندهم براهين أو عندهم قناعة أو يقين يعملون له؟ لا، هذه بقايا من النبوات السابقة أنهم يقولوا نحن مؤمنون بها، يقولوا نؤمن بالله، الأمريكان كاتبين على الدولار نؤمن بالله، ونثق في الله، ونحن نوحد الله، واليهود يقولون: نوحد الله! وهي بمعنى أنهم لا يعبدون غيره عبادة صريحة هذا صحيح، وإن كانوا يعبدون الشيطان ويعبدون أهوائهم؛ لأنهم كفروا بمحمد ﷺ.
أما المؤمن فهو الدنيا والآخرة، نظرُه مشدود ومنصب على الآخرة؛ فهي الأساس، الدنيا ليست مشكلة إن خسرناها، فلو عافانا ربنا وسهل لنا وأنعم علينا وكنا فيها أحرارًا وكنا فيها غالبين ومقتدرين على الأعداء ومنتصرين؛ فهذا فتح من الله ونعمة وزيادة خير، لكن ممكن أن الإنسان يكون في النيجر وضربته المجاعة، وممكن أن يكون معذبًا في السجون، لكن الدنيا هذه لا يبالي بها الإنسان، إنما الفوز الحقيقي -الذي هو رأس ماله وكل شيء بالنسبة له- هو الفوز بالآخرة هناك، الذي هو البقاء الأبدي السرمدي الذي لا انتهاء له؛ فصار الدين والدنيا والآخرة في نظرة المسلم هكذا، والدين هو كيف يعبد الله عز وجل ويتعبد لله عز وجل وكيف ينجح، هو برنامج للنجاح بين يدي الله عز وجل هناك، هو هذا إن شئت.