[القول في الشباب المتحمس، غير المنضبط بالأخلاق المحمودة في التعامل مع المخالف؛ خاصة العلماء الذين وقفوا مع الحكام في بعض المسائل]
مركز اليقين: إذا تحدثنا عن شـيء آخر: عن أنصار الجهاد، وخاصة من الشباب الذين هم وقود أي حركة إنسانية، ولو أخذنا المنتديات على الانترنت نموذجًا، فإننا نشاهد بعض السلوكيات والأخلاقيات التي يصفها البعض بالمنفرة، كالشدة والحدة في الخطاب وتكفير أو تبديع وتفسـيق المخالف في كثير من الأحيان بدون وجه حق، بل حتى وصل البعض إلى رمي بعض الرموز الفقهية بالعظائم كالشـيخ «ابن باز» لعدم مفاصلته لما يعتقدون أنه طاغوت بلاد الحرمين ووقوفه ضد المجاهدين مع الدولة التي لا تحكم بشـرع الله كاملا وتوالي الصليبيين؟
الشـيخ عطية الله: للأسف هذا شـيء موجود، وهو من جملة البلاء والنقص والقصور والخلل الموجود فينا نحن المسلمين عمومًا، وهذا ليس محصورا في شباب الجهاد أو أنصار الجهاد كما نسميهم، بل هو موجود في كل الطوائف والبيئات الدعوية والسـياسـية والاجتماعية، مقلّ ومستكثر، وأنت ترى على سبيل المثال بعض ساحات الدعوة والانتساب للمشايخ، وتعرف أحوالهم وبعضها أسوأ بكثير مما تذكر عن الشباب المناصـر للجهاد في المنتديات.. لكن على كل حال الخطأ لا بد أن ينكر ممن كان ويُعالج ويؤخذ على أيدي أصحابه، ولا بد من بذل الجهود المستمرة والدائمة للتربية والتعليم والتفقيه في الدين والتقويم للسلوك ونشـر الآداب والقدوات الصالحة وإبرازها، وقمع المفسدين.!
المشكلة أخي الكريم في المنتديات وعالم الانترنت أنك لا تعرف أكثر الناس الذي يكتبون، أنت بالفعل في عالم افتراضـي كما يقول بعض الإخوة وفي دنيا أشباح، أعني أنها مليئة بالأشباح، فالمشكلة هي في المندسـين الذين لا تعرفهم أنت ولا أنا ولا أحد، ويصعب القضاء عليهم في أي منتدى أو ساحة حوار وكتابة، المنتديات أحيانا أنا أشبهها بالأسواق، أسواق العرب ونحوها مما كان عندهم منبرًا للكلام والخطابة، وكساحة الطرف الأغر اليوم في «لندن» مثلا، أي شخص يستطيع أن يدخل ويتكلم، الناس تقرأ أو لا تقرأ، ترد أو لا ترد بحسب عوامل متعددة، الطيب يتميز وينعرف مع طول الوقت ولا يمكن أن يخفى في العادة، والشـرير أيضا يتبين، وهكذا مع طول الوقت تعرف منازل الناس الكتاب والمتحدثين، لكن مَن يريد أن ينافق ويعمل عملا منظما بإمكانه.
وقد كشف الإخوة في بعض الساحات الإعلامية شبكات من المندسـين الذين يشتغلون شغلا مبرمجًا على وَفق أجندة مدروسة متكاملة.
هناك مؤسسات طاغوتية متفرغة وراصدة لأموال ورجال ومكاتب مجهزة وإمكانات عالية وظيفتها فقط الحرب الإعلامية والنفسـية والتشويش والإفساد وبث الأخلاق الرذيلة والدعوة إلى الشـر وإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، والتشكيك في الدين وأهله ومحاربة المجاهدين وجهادهم والطعن فيهم وفي العلماء بطرق متعددة بارزة وخفية وتشويههم وتشويه جهادهم..!
فأنت عندما تقول لي: «المنتديات» فيها كذا، أقول: نعم فيها، ولكن مَن هؤلاء؟ المقصود أنه في كثير من الحالات يصعب معرفة الطيب الذي أخطأ وفيه سوء خلق مثلا يحتاج إلى تقويم وينفع معه التأديب، وبين الخبيث النجس أصلا الذي لا ينفع فيه تطهير..! فهذه نقطة مهمة.
والحقيقة.. عالم النت اليوم أنا أتوقع أنه يحتاج إلى أن تنضج الكثير من أحكامه وفقهه مع الوقت، إذا بقي هناك وقت أصلا، ولعل الأمرَ أعجلُ من ذلك، والله أعلم وإليه المآب.
لكن المقصود أنه عالم جديد علينا بالعموم..
وأنا كنت أتأمل في بعض الوقت في مسألة الأسماء التي يستعملها كتاب النت، فرأيتُ التسمية بالجملة الفعلية والاسمية وبشبه الجملة، وأنماط مختلفة من المعاني والاختيارات، فقلت في نفسـي: سبحان الله، عندما كنا ندرس النحو أيام الطلب كان الشـراح يقولون: إن النحاة وإن أجازوا التسمية بالجملة الاسمية، إلا أن هذا مبناه على القياس (أي على التسمي بالفعلية) وهو غير مسموع، أي أنه لم ينقل عن العرب التسمي بالاسمية وكل ما نقل في استعمال الجملة عَلَمًـا على شخص أمثلته كلها من الجملة الفعلية كـ«تأبطَ شـرًّا»، وشاب قرناها، ونحوها، لكن اليوم في عالم النت رأينا كل شـيء.! هذه فقط لطيفة للتأمل.
ونرجع إلى أصل الكلام؛ فالحاصل أن هناك بلا شك الكثير من الأخطاء والخلل والنقص في شباب المسلمين من الجهة التربوية، يحتاج إلى أن تتظافر الجهود لإصلاحه وتقويمه، والخيّر الصالح الذي يقبل الخيرَ ينصلح مع الوقت، والله الموفق.
الأسباب لكثير من تلك المشكلات هي أسباب متعددة، منها تفاوت درجات الناس، ففيهم العالم وطالب العلم وفيهم الجاهل، والجهّال أنواعٌ، وفيهم الحسن الخلق وفيهم ضدّه، وفيهم الصغير وفيهم الكبير المجرب، والعاقل والقليل العقل، كل هذا موجود وغيره، ومنها الخلل الفقهي والعلمي والفوضـى العلمية والفكرية، والاختلافات المذهبية وما يصاحبها عادة من أدواء التعصّب للجماعات وللمشايخ والمدارس، بل وللبلاد والأجناس والأقوام، وكل الأمراض موجودة لا تستغرب، وما هذه المنتديات على النت إلا انعكاس لحالنا نحن كأمة بصفة عامة.
والتعامل مع هذا العالم المختلط يحتاج إلى حكمة وبصـيرة وقوة شخصـية، وسعة أفق، ومَن يطلب الخير يجده، ومَن يبحث عن الشـر لن يعدمه.
وأما أن هذه الأخطاء تحسب على أهل الجهاد أو غيرهم فهذا من الظلم والحكم بالباطل، ولا تحسب على العلماء ولا الدعاة، بمجرد أن المتعصبين لهم قالوا وفعلوا وأساؤوا، بل إنما يحاسب الإنسان ويؤاخذ على فعله وكسبه، وكيف يؤاخذ عالم أو قائد أو المجاهدون عمومًا كجماعة وطائفة في الأمة من خيار طوائفها وهي تنكر كل ذلك وتفصّل في أحكامه وتبيّن حيث عنّت المناسبة، ومبادي أخلاقهم وفقههم ودينهم معروفة مبذولة للباحثين والناظرين.؟! والله أعلم.
ونصـيحتي لكل أخ طيب يريد أن يستفيد من مطالعة النت والمشاركة في المنتديات الحوارية، أن يبحث عن الخير وأهله ويبحث عن المفيد له المناسب لمستواه وتخصصه وإمكاناته، وإن أشكل عليه شـيء استشار إخوانه ومَن حوله من العقلاء الناصحين، ولن يعدم الإنسان الباحث عن الخير مَن يعينه ويشاور عليه، ويبتعد عن مواطن تضييع الوقت، وليعلم أن كلًا ميسـر لما خلق له، وليهوّن عليه، ولا يحزن لكثرة ما يراه من الشـر، فإن بإزائه خيرا كثيرا لمن أراد الخير.
وأذكر أنني مرة كنت مع أحد الإخوة الطيبين من أصحابي وقد ذهب بعدها إلى أرض الجهاد واستشهد رحمه الله، كان حديث عهد بالانترنت فجاء يتصفح أحد المنتديات الإسلامية الحوارية، فوقع على بعض المواضيع السـيئة التي تطعن في الجهاد والمجاهدين ومواضيع أخرى فيها عراكات تافهة وسب وشتم، فقال لي: «هذه منتديات فاسدة لا خير فيها أو كلمة نحوها»، فقلت له: إنك كالذي دخل بيت قوم فوقع في زبالتهم..!
•••