۞ من النشأة إلى الهِجرة:
حدثنا الشيخ «أبو محمد الفقيه الليبي» عن بعض مراحل عمر الشيخ رحمه الله؛ فقال حفظه الله١٢كل ما سأذكره في بدايات حياة الشيخ؛ فهو من كلام الشيخ الفقيه، إلا ما ذكرتُ أنه من كلام زوجته أو الشيخ أبي حفص؛ فأصلُ الكلام المذكور في البابين الأولين من سيرة الشيخ مأخوذٌ من كلام الشيخ أبي محمد الفقيه، حفظه الله وجزاه خيرًا.:
أخي ورفيق دربي «عطية الله»، تشرفت بالمعيشة معه في مكان واحد وفي ظروف مختلفة وأماكن مختلفة وأزمنة مختلفة..
وُلِد الشيخ رحمه الله في قرية «الزَّوَابِي» بـ«مِصْرَاتَهْ» في «لِيْبْيَا» في عام 1388، الموافق: 1969م، ونشأ في أسرة متمسكة بدين الله غير مفرطة فيه، معروفة بالخلق الطيب وحسن السيرة، له عدد من الإخوة اثنان أكبر منه: بشير وحسن -وهم من خيرة الناس أخلاقا وسيرة-، وأخ أصغر منه: محمد، وهو كذلك شاب فاضل وتربطني بهم مودة وتواصل ولله الحمد..
«جمال» شاب نشأ في طاعة الله، فمنذ بداياته نشأ على سنة وطريقة سليمة كانت سائدة في مصراته في ذلك الوقت؛ إذ نشأ على الشجاعة وله في ذلك مواقف كثيرة، وكذلك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يزين ذَلك كلَّه أدب جم وخلق حسن واحترام لمن هو أكبر منه سنا أو أقدم سابقة..
كانت تربطني به علاقة من صغره، وكان متحمسا للدعوة والجهاد، وكنا نحاول تهدئته وتوجيهه بما يتناسب مع ظروف البلاد الصعبة في ذلك الوقت، لكنه كان لا يخاف في الحق؛ ففي سنة 1988 بدأ الشباب في التفكير في إنشاء تنظيم جهادي يدفعهم لذلك الغيرة والشجاعة والحماسة؛ ولكن لظروف البلاد والقبضة الأمنية مع نقص الخبرة والدراية؛ لم ينجح هذا التنظيم.
فقد عُرف هذا التنظيم باسم الشيخ «محمد الفقيه» تقبله الله، وانضم له شباب كُثر في ذلك الوقت، وكان «عطية الله» من أوائلهم؛ بل كان من الدعاة له، وكان صاحب همة عالية وجدية في العمل؛ إذ كان يجوب ليبيا من شرقها لغربها داعيًا إلى العمل الجهادي، ومحرضا عليه؛ كان شجاعا بحق رحمه الله، ومن مواقفه: أن أحد الثوريين المتسلقين وقف يومَ جمعة بعد الصلاة، وقال: «باسم الله وباسم الفاتح العظيم»؛ فوقف له الأخ «عطية»، وتكلم معه بكلام شديد.. ولكن الله سلمه وسلم الإخوة يومها.
كانت بيئة مِصراته في تلك الفترة بيئة دعوة على منهج الأوائل: كتاب يهدي وسيف يحمي، وكان من رموز الدعوة والصحوة المباركة الأخ «يوسف المصراتي» وكان شجاعًا كريمًا، وقد لازمه «عطية الله» فترة، وكان بيته مضافة للإخوة، ووُجد في مصراتة عدد من أهل العلم والفضل والجهاد وقتها؛ من أمثال الشيخ الشهيد بإذن الله: عبد الله إجمال، والشيخ الشهيد بإذن الله: بلقاسم مليطان، وغيرهم.. فكانت بيئة علم ودعوة وجهاد على منهج صحيح لا إفراط ولا تفريط؛ فهناك من يرشد الشباب ويوجههم التوجيه الصحيح، وكان الشباب رغم الحماس وصغر السن يستمعون لمن هو أكبر منهم، وكان الحب والتقدير والاحترام هو السائد في تلك المرحلة.
وزيادةً على هذا فقد كان «عطية» مميزا بين أبناء جيله بالذكاء وعلو الهمة؛ فقد كان في الشهادة الثانوية من الأوائل في دراسته.
في تلك الفترة كان «عطية» دون العشرين من عمره، وكانت أخبار الجهاد الأفغاني تصل إلينا، ويصلنا بعض الإصدارات من أشرطة فيديو وبعض المجلات، وأعلى شيء كنا نطمح إليه وقتها أن نحصل على شريط فيديو؛ فأجهزة الفيديو لم تكن متوفرة عند الجميع فيسافر الشباب أحيانًا مسافة القصر من أجل أن يتفرج على فيديو للأفغان أو محاضرة للشيخ عبد الله عزام رحمه الله، ولم تكن آلات تصوير الورق متوفرة وقتها؛ فكانت المجلات والمقالات تنسخ باليد أو يتم تصويرها بصعوبة وتوزع على الإخوة حتى تقرأ الورقة كالمخطوطة بصعوبة أن بعض الحروف تكون قد مُحيت من كثرة تداول الأيدي عليها.
في نهاية الثمانينات انتشر الفكر الجهادي بليبيا وإن كان ينقصه التنظيم والخبرة، ونتج عنه بعض العمليات مثل مقتل «أحمد مصباح» في بنغازي سنة 1986، وفي سنة 1988 حصل لقاء في اجدابيا عند الشيخ «محفوظ» وحضره عدد من الإخوة منهم «عطية الله» والأخ «مفتاح الدوادي» و«ميلاد قمرة» و«محمد الفقيه» وكنت بين الحضور، وتناقشنا في ترشيد الصحوة الجهادية ونقلنا لهم تجربتنا في أفغانستان وركزنا على ضرورة التنظيم والتدريب والسرية، ولكن الإخوة قد حزموا أمرهم بعد انضمام عدد كبير لهم من جميع أنحاء ليبيا، وكان عملهم نوعا ما ظاهرًا؛ فقد قرروا التصعيد مع النظام.
«وقد حدَّث رحمه الله عن سبب تحوله من مذهب الغلو الذي انتشر في بين شباب ليبيا في أواخر القرن الفائت؛ فذكر قصةً حصلت له قبل خروجه من ليبيا وهو شاب في العشرين من عمره حيث أنه كتب ملخصًا مال فيه إلى فكر الغلو، وتداوله بعض الإخوة في مِصراتة، ثم وقع الكتيب بيد الشيخ «عبد الله إجمال» رحمه الله فعلق عليه وبيَّن ما فيه من خطأ وزجره؛ فتأثر «عطية الله» بذلك ونفعه الله بنصائح هذا الشيخ؛ لأنه كان يعرف قدره ومكانته العلمية.. ولو كان من شباب اليوم لقال: هو رجل ونحن رجال، ولطعن في عقيدته وقال: أزهري تربى على الإرجاء، وسولت له نفسه التمادي في الباطل».
وفي خضم الدعوة والصَّحوة قدَّر الله أحداث 1989م التي استفز فيها النظام الإخوة بصورة بشعة ومقززة، وكانت الأمور توحي بأن الطاغوت يبيت لأمرٍ بليل، وهو القضاء على هذه الصحوة المباركة، وأنَّ هذا القرار سينفذ حتى لو لم تحدث أي مواجهة من طرف الإخوة؛ فلا علاقة للقرار بتصرفات الشباب؛ فبدأت الحملة في جميع أنحاء ليبيا في 14/1/1889م وشملت جميع الشباب الملتزم من جميع التيارات، وهنا حاول «عطية الله» أن يحرض الإخوة على المواجهة ولكن للأسف لم يكن هناك أي استعداد لهذا الظرف وكانت الاتصالات صعبة؛ فُوضع آلاف من الإخوة في السجون، وتمكن آخرون من الإفلات من هذه الحملة، وكان من بين الناجين: «عطية الله».
كانت هذه هي الأجواء والبيئة التي نشأ فيها جمال اشتيوي «عطية الله»، كانت مأسدة بحق..
بعد تمكننا من الإفلات من قبضة الطاغوت جاءني بعض الإخوة للبيت كان من بينهم: «جمال»، ومن تلك الفترة لم نتفارق قرابة سبعة أشهر في مِصراتة، وأجهزة أمن الطاغوت تبحث عنا، ولما اشتدت حملة الطاغوت «القذافي» على الإخوة ذهب «عطية» إلى أحد مناطق مِصراته ونصبوا خيمة صغيرة بين كثبان رملية ومكثوا فيها عدة شهور مع القرآن والسنة في جوِّ تأمل وعبادة، وتعاهدهم بعض الإخوة بما ما يحتاجون إليه، وكنت أزورهم دوريا؛ فكانت أجواءً إيمانية رائعة للتفكر والعبادة.
وبعد حوالي ثلاثة أشهر بدأ الرُّعاة بالمجيء لتلك المنطقة؛ فأصبحت غير آمنه لشابين يقيمان في ذلك المكان؛ فرجعوا معي إلى بيتي فأقمنا فيه، وبقينا في هذا البيت عدة شهور -ونحن ثلاثة- ننام ونستيقظ مع الأحاديث والنقاشات والكتب؛ فكانت أيامًا جميلة، وكان يزورنا بعض الإخوة ليطلعونا على آخر الأخبار، وسافر «عطية الله» لطرابلس عدة مرات من أجل التواصل مع باقي الإخوة للتفكير فيما يمكن أن نقوم به.
حتى جاء قرار الهجرة والذي دُرس بعناية؛ فقررنا الهجرة من البلد، ورتبنا مع الإخوة، ثم خرجنا إلى طرابلس، وهناك أخذنا تأشيرة الحج وكنا في بداية ذي الحجة، وتحركنا باتجاه الجزائر وكنا أربعة: أنا وأبو حنيفة وعطية الله وفوزي.. حتى وصلنا إلى «اغدامس» واستطعنا النجاة من الحواجز بأعجوبة منَّ الله علينا بها وحده، ومن هنا بدأت رحلة الهجرة -وسبحان الله بعد 23 سنة تخرج عائلة الطاغوت القذافي من نفس المكان، ورجعت أنا إلى مصراتة مرفوع الرأس بفضل الله-.
دخلنا الجزائر بيسر، ونتيجة لقرب العيد لم نتمكن من الحصول على طائرة، إذْ بقي على العيد يوم أو يومين وكانت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في أوجها؛ فلما جاء العيد صلينا في ملعب كرة، وكان إمامه «كمال كمازي» إمام مسجد التقوى الذي قتله الخوارج فيما بعد، وكان الملعب ممتلئا على آخره، وكانت هذه أول مرة نرى هذا العدد من الشباب الملتزم في مكان واحد.
بقينا شهرًا في الجزائر كان «عطية الله» حريصا فيها على حضور المحاضرات التي كان يلقيها الشيخ «علي بلحاج» و«عباسي مدني» وغيرهم، مع حرصه على التعرف على شباب الصحوة وغالبهم حديث عهد بالتزام، وكان لـ«عطية الله» دور في النصح والتوجيه لهؤلاء الشباب، وفي هذه الأيام حاولنا الحصول على التأشيرة الباكستانية لكن لم تتيسر، وزرنا في الجزائر الشيح «أحمد سحنون» وهو من الباقين من رابطة العلماء التي كان يرأسها الشيخ «ابن باديس» و«البشير الإبراهيمي»..
بعد فشلنا في الحصول على تأشيرة باكستان قررنا السفر إلى مصر حيث فُتح السفر إلى مصر في تلك الفترة فقط؛ فقد كان ممنوعا على الليبين السفر إلى مصر لسنوات طويلة؛ فسافرنا خمستنا إلى مصر.
وصلنا مصر ومعنا «عطية الله»؛ واتصل أحد الإخوة الذين معنا بأستاذ مصري كان يدرس في ليبيا فالتقينا به في «الزقازيق» بالشرقية؛ فأكرمنا وترك لنا بيته أيامًا وعرفنا على إخوة أفاضل من «جماعة الجهاد» منهم د. أحمد حسين وغيره؛ ففرحوا بنا جدا حيث كان هذا لقاءهم الأول بشباب ليبيين ملتزمين وجهاديين وأصحاب ثقافة وفقه، وقد اقترحوا علينا أن يعرفونا على «سلفية الإسكندرية»؛ فذهب «عطية الله» وأخ آخر وبقوا عندهم أيامًا فرحوا بهم خلالها.
وكان «سلفية الإسكندرية» في ذلك الوقت قريبين من «جماعة الجهاد»، وتعرفنا وقتها على الشيخ «صلاح أبو إسماعيل» وكان شجاعا أديبا صاحب طرفة وقد زرناه كثيرا وكان يكرمنا، وكان يذهب معي «عطية الله»؛ لأن الشيخ كان ضليعًا في اللغة والشعر والأدب وكان ذلك يعجب «عطية»، وكنا نلتقي بـ«حازم» عنده أحيانًا وكان شابا جسيما.
وخلال هذه المدة فُتحت مصر لِلَّيبيِّين فبدأت أعداد كبيرة من الشباب تتجه لها لتنطلق منها لباكستان؛ فحضر لنا إخوة كُثر منهم الأخ «أبو الفرج الليبي» الأسير عند أمريكا -فك الله أسره-.
والتقينا في مصر بالشيخ «أبي الحسنين المِصراتي»؛ فاستفدنا من علمه وخبرته وقصصه الشيء الكثير وكان «عطية الله» من الملازمين له فاستفاد من حكمته وعلمه خاصة في اللغة العربية؛ لأنهم كانوا يقضون وقتًا طويلا في البيت.
وقد حاولنا مُذْ وصلنا لمصر أن نحصل على التأشيرة الباكستانية؛ فكلمنا «جماعة التبليغ» لكن لم يقدموا لنا مساعدة؛ لأن لهم إجراءات وخطوات لا بد أن تمر بها معهم قبل أن تحصل منهم على شيء، وهم ناس طيبون ومن أقرب الناس للمجاهدين ولنا معهم مواقف طيبة يشهد الله.. وحاول الشيخ «صلاح أبو إسماعيل» مساعدتنا بمراسلة السفارة، بل وذهب بنفسه لهم ولكن لم يوافقوا.
حتى جاءنا الأخ «مفتاح الدوادي» وهو آية في الشجاعة ورباطة الجأش في أصعب المواقف؛ فأخذ جوازاتنا لليبيا وتركنا مدة طويلة بدونها، فصرنا كلما طُرق الباب ظننا الطارق الأمن المصري.. وبعد أكثر من شهر جاء بالجوازات وفيها التأشيرة الباكستانية؛ فسافرنا عن طريق الإمارات إلى باكستان.