[السؤال الثاني: هل للظرف الاجتماعي تأثيرٌ في الفرد المسلم؟ وهل له أثرٌ في الجبن والشجاعة مثلا]
شبكة أنا المسلم: هل تظنون أن محيط الأسرة والمجتمع له أثر في التركيبة النفسية؛ التي قد يكون لها أثر في صياغة التوجه الديني، وما يستتبعه من اختيار الفصيل الإسلامي الأقرب؛ توافقا مع ميوله ونفسيته -التي كان في علم الله وتقديره وخلقه أنه ستكون كذلك-؟
وبناء عليه؛ هل ترون أن الحالة الاجتماعية في كل بلد إسلامي له دور في تحديد نوعية الجماعات العاملة للدين؟
وفي ظنكم أن الظرف الاجتماعي هو الذي يولد المعتقد أم أن المعتقد هو الذي يولد الظرف الاجتماعي.. فمثلا: هل الفقير يحب المذهب الجبري لأنه فقير أم أن جبريته ستؤدي به إلى الفقر؟ وهل الجبان سيحب الإرجاء لأنه جبان أم أن اختياره للإرجاء سيؤدي به إلى الجبن؟ حبذا لو كانت الإجابة بناء على رؤاك وتجاربك في المغرب العربي ثم في أفغانستان، وبناء على تحليلكم لمن لقيتموهم من القادة والأتباع.
الشـيخ عطية الله:
هذا سؤال فلسفي كبير أخي الشيخ رضا.. نسأل الله الإعانة والله، أنا ما رأيت كلمة أجمع في هذا الباب وأحسن من قول نبينا ﷺ: (كلٌّ ميسّر لما خُلِق له)٧١٤صحيح البخاري (7551)..
ومعلوم أن الله خلق كل شيء فقدره تقديرا، وكل شيء عنده بمقدار، وأنه قد جعل لكل شيء قدرًا، وأنه تعالى إذا قدر شيئا وأراده وتعلقت به مشيئته أنه يجريه بحكمته ولطفه على مقتضى عادته ﷻ في خلقه -سنة الله-، وهي الأسباب والمسببات التي يلاحظها العقل في الجملة يدرك من أجزائها ما يدرك ويفوته الأكثر..
فلا شك عندي أن التربية والنشأة الأسرية والمجتمعية لها تأثير في اختيارات الإنسان وتوجهاته العامة في حياته، وأن الملكات الفطرية والميولات عند الشخص لها تأثير في اختياراته كذلك؛ هي من جملة الأسباب، ويقابلها سبب العقل والفهم والتأثيرات الأخرى من قدوة أو نحوها.
فهذه الأسباب إما تتوافق وتتوارد على مدلول معين أو تختلف وتتدافع فتكون الغلبة لبعضها.
والتوفيق بيد الله ﷻ وحده.
ومن ذلك اختيار الإنسان للاتجاه الإسلامي أو السياسي الذي يعمل فيه ومعه.
ونحن نلاحظ تأثير التاريخ مثلا على الشعوب والأمم، وفي منطقتنا في المغرب العربي على سبيل المثال؛ تاريخ الجزائر وليبيا الجهادي القريب: حروب التحرير ضد الاستعمار الصليبي، الأمير عبد القادر وبوعمامة وثورة الأربعة وخمسين في الجزائر، وعمر المختار والباروني والسويحلي وغيرهم في ليبيا، هذا له تأثير على الأجيال المعاصرة لا تخطئه عين المتأمل، هناك شعوب تميل إلى الجهاد والثورة وتتعطش إلى الحرية وتتلمّض تحت سلطة قاهريها وتتململ، وتختار سبيل الجهاد والنفير والقوة والعزة متى ما أتيحت لها فرصة وبرقت لها بارقة..
وهذا موجود في معظم الشعوب الأخرى أيضا والحمد لله، لكن تلاحظ فروقا من مكان إلى مكان، حتى في البلد الواحد.
في الجزائر؛ المناطق التي كانت معاقل الجهاد ضد فرنسا في ثورة نوفمبر هي هي نفسها كانت معاقل الجهاد الحديث في السنين الماضية ضد الحكومة، وفي ليبيا أشياء قريبة من ذلك.. والله أعلم.
وهل الحالة الاجتماعية في كل بلد إسلامي لها دور في تحديد نوعية الجماعات العاملة للدين؟
أظنك تقصد من حيث كونها جهادية أو سلمية، صداميّة أو تصالحية كما يعبّرون إلى غير ذلك، وعلاقتها بالمنظومة الاجتماعية في بيئتها.
هناك تأثير إلى حد ما كما سبق القول، لكن هو أحد المؤثرات كما سبق أيضا.
وهل «الظرف الاجتماعي هو الذي يولد المعتقد أم أن المعتقد هو الذي يولد الظرف الاجتماعي»؟
أظنكم تقصدون بالمعتقد مجمل الأفكار حول مجمل القضايا والتي هي في غالب مفرداتها اجتهادية مستنبطة.
في ظني أن هناك تداخلا في التأثير والتأثّر، وليس مهمًا معرفة أيهما الأسبق.
وبصفة عامة على مستوى عمر الجيل -العمر الافتراضي العملي لشخص واحد-؛ فإن الأوضاع الاجتماعية لها تأثير على أفكار الشخص أكثر من تأثير الأفكار على تلك الأوضاع، إلا في النادر فيما يتعلق بالنوابغ والموهوبين النوادر الأفذاذ في الأمم والذين يوفّقون لإحداث التغييرات الكبيرة، والله أعلم.
وأما هل الفقير يحب ويختار المذهب الجبري، والجبان يختار الإرجاء؟
فظني أن العلاقة هنا ضعيفة.!
بالنسبة للجبن وضده الشجاعة هي أخلاق، وهي صفات وهيئات راسخة في النفس فقد تجد المرجئ من الناحية العلمية النظرية، شجاعًا في غاية الشجاعة وقد تجد العكس.
ونحن على سبيل المثال نعرف أن كثيرًا جدا من شجعان أمتنا وأبطالها في عصورها الوسطى كانوا من الناحية العلمية النظرية على مذهب الإرجاء في العقيدة، ويمكن إلى حدّ ما التمثيل بالأفغان هنا أيضا، وحتى بأبطال الجهاد ضد الاستعمار في القرن الماضي كما أشرنا للأمير عبد القادر وغيره.
بالتأكيد أن المذهب العلمي الاعتقادي له تأثير على أخلاق الإنسان والأخلاق تكتسب.
وإن كان أفضلها ما جبل اللهُ الإنسانَ عليه.
ولكن التأثير المعاكس هنا -تأثير الإرجاء على خلق الشجاعة- أضعف بالجملة في تأملي وملاحظتي أن تأثير الخُلُق و«الميولات» على اختيار الإنسان قويّ؛ كالجبان يميل إلى الاختيارات السهلة والراحة وينفر بادي الرأي مما يشق ويصعب ونحو ذلك، والله أعلم..
وأهم شيء أن لا ننسى أن هذه الأشياء هي من جملة الأسباب كما قدمتُ وأنها بين النقم والنعم، والعافية والبلاء، وفضل الله وعدله، وأن التوفيق في النهاية بيد الله وحده لا شريك له.
نسأل الله لنا ولكم ولسائر أحبابنا التوفيق والسداد، جزاكم الله خيرا..
❖❖❖